السفر عبر الزمن:

لطالما كان السفر عبر الزمن حُلمًا للكثير على مر العصور، إلَّا أن تجربة السفر عبر الزمن بمعناها الحَرفي ليست ممكنة إلى يومنا هذا، ولكنَّ دراسة التاريخ بإمكانها أن تعطينا تجربة فريدة لنرى ما لم نره بأعيننا ونحضره؛ هي مثل الكاميرا التي سجلت الوقائع حتى قبل اختراع التصوير.

ولمَّا كانت صحة الإنسان هي أهم ما يملك، ظهر في كل العصور من أولاها الاهتمام، وحاول الحفاظ عليها، وفَهْمَ مشاكلها، واقتراح الطُّرُق لعلاجها.

وفي هذه المقالات، «سنسافر معًا عبر الزمن» لنرى جهود من سبقوا، وكيف كانوا بأقل الموارد والإمكانيات – غالبًا – قادرين على تخطي الصعاب، وابتكار ما ظل راسخًا حتى عصرنا هذا ونستخدمه في حياتنا اليومية بشكله الذي كان عليه، أو باستخدام فكرته وتطويرها بما أوتينا من أدوات وإمكانيات.

من البديهي أن نجد في كل المجتمعات محاولات لتفسير التغيُّرات التي تطرأ على جسم الإنسان وصحته؛ إذ إن الصحة كانت بمثابة رأس ماله، وكان يبذل ما في وسعه في محاولة الحفاظ عليها.

الطب والسحر والدين:

وبدءًا بالحضارة المصرية القديمة، حيث نجد الطبيب: حسي رع (2600 ق.م)، أول طبيب سَجل التاريخُ اسمه، وكان لقبه: «كبير الأطباء وأطباء الأسنان»، كما هو مذكور على اللوح الخشبي الموجود في مقبرته المكتشفة عام 1866م. [1]

تمكن الأطباء المصريون من إيجاد حلول لبعض الأمراض، كما تمكنوا من إصلاح العظام المكسورة، وإعادة المفاصل المخلوعة إلى أماكنها الصحيحة. كان لديهم من الأدوات الطبية ما يكفي لإجراء جراحاتهم البسيطة، مثل الكماشة والسكين والملقط والمنشار.[2]

كانت كل حضارة من باقي الحضارات – بابل والصين والهند وغيرهم – كالحضارة المصرية؛ تحاول أن تدلو بدلوها في محاولة فهم التغيرات التي تطرأ على الجسد في ضوء معتقداتها المختلفة؛ إلا أن تلك التفسيرات اشتركت في شيء واحد تقريبًا، وهو خلط الطب بالسحر والدين، فوُجِدَ وقتها الطبيب الكاهن، والطبيب الساحر.

فسرت تلك الأمم الأمراض على أنها قوى سحرية، أو نتيجة لغضبٍ إلهي، أو مُكفِّرات للذنوب، فكانوا يعتقدون أن المرض ناتج عن تجاوزات وأخطاء فعلها الشخص المريض، فلا عجب وقتها أن تجد المُشخِّص يسأل المريض عن تجاوزاته وسيئاته التي فعلها ليصل بذلك للتشخيص، ولا عجب أيضًا أن تجد وصفة العلاج تتضمن الصلاة أو تقديم القرابين.

وفي الإغريق، كان إله الطب الإغريقي يُدعى آسكليبيوس – Asclepius. خُصِّصَت معابد لآسكليبيوس عُرِفت باسم «معابد الشفاء». كانت معابد الشفاء تلك تحت إشراف الكُهَّان، فكانوا يستقبلون فيها المرضى ويفسِّرون المَرَض على أساس الأحلام التي يرويها لهم المريض في وجود ثعابين مُقدَّسة، كانت تلك الثعابين جزءًا من صولجان هِرْمِس – رمز إله الشفاء الإغريقي – لمدلول الثعبان على الولادة من جديد لتغييره لجِلده باستمرار. وجُعِل هذا الرمزُ رمزًا للطب الحديث – على الرغم مما يحتويه من معانٍ متعلقة بالسِّحر والدين. [3]

وصول أبي الطب:

ظل ارتباط الطب بالسِّحر والدين إلى أن جاء «أبو الطِّب» (أبقراط -Hippocrates (470 : 360 ق.م الذي حاول بمنهجه تفسير الأمراض في ضوء أسباب طبيعية منطقية، بعيدًا عن الدين والسحر، وتبعه في ذلك الكثير.

نُسب لأبقراط مجموعة من الكتب عرفت باسم: المجموعة الأبقراطية، يتراوح عددهم بين 72 و76 كتابًا.[4] وعلى الرغم من نسبة هذه المجموعة لأبقراط، فإنه لم يكتبها جميعها، ولا نعرف ما كتبه منها وما كتبه تلاميذه من بعده.

ضمت المجموعة الأبقراطية كتابات عن الجراحة والطب، وتشخيص الأمراض وعلاجها.

فسرت المجموعة الأبقراطية الكثير من الأمراض في إطار عقلي بعيدٍ عن هوس السحر والدين، فعلى سبيل المثال، كان الصَّرَع يسمى بالمرض المقدس، إلا أن المجموعة الأبقراطية لم تره هكذا، وحاولت إرجاعه لأسباب طبيعية، فقالوا عن الصرع ما يلي:

«ينشأ الصرع عن انسداد في الدماغ، يتوقف إثره طرد البلغم بانتظام، وينتج عن ذلك اختلال عمل الدماغ، والأعراض المثيرة لنوبات الصرع». هكذا فسرت المجموعة الأبقراطية سبب الصرع في ضوء فهمهم وقتها، لا على أسباب مقدسة مرتبطة بالدين، ولكن لأسباب طبيعية. وبالحديث عن الدماغ، نذكر هذا البيت الشعري لشكسبير:

Tell me where is fancy bred

[Or in the heart or in the head?[5

أين مكان الهوى ومنبته ** في العقل أم في الفؤاد مولده؟[6]

يُصَور البيت لنا النقاش القديم الذي كان حول مركزية الدماغ؛ كان أبقراط يرى أن الدماغ هو مقر النشاط النفسي، وتبعه في ذلك أفلاطون. إلا أن أرسطو رأى أن القلب هو مركز الانفعالات والوظائف العقلية، معللًا بذلك أن القلب هو الذي تتسارع ضرباته عندما نكون في أقصى حالات الحيوية. إلا أننا بما لدينا من معلومات اليوم، نرى أن أبقراط هو من ربح هذا النقاش.[7]

ولولا محاولات أبقراط لفصل الطب عن السحر والدين، لكان من الممكن أن نُفَسِّر كورونا اليوم بصحبة ثعبان مقدس في أحد المعابد، ربما وقتها سنجد لهذا الفيروس علاجًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد