تعلمنا من ابن خلدون أن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار وفي باطنه نظر وتحقيق ومثل هذه المعادلة في زماننا هذا تحيلنا إلى مسلمة مفادها أن فهم الظواهر الاجتماعية في أي مجتمع لا يمكن أن يتم بالقفز عن بعض جذورها التاريخية، على اعتبار أن موضوع الحدث التاريخي يستبطن داخله عدة أحداث وليدة تفاعل المجتمع مع جملة من المعطيات ولدت بالنتيجة ذلك الفعل الاجتماعي الذي أضحى من الخاصيات التي ميزته، ومن هنا فإن أي حركة اجتماعية في طياتها تفاعل بين مختلف القوى الفاعلة في المجتمع وخاصة بين السلطة الحاكمة والجمهور وما تفرزه هذه العلاقة من حركية نتيجة عملية المواجهة خاصة في حالات التصادم سواء منه السلمي أو العنيف، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم أيضًا خارج دائرة التفاعلات الدولية خاصة في وقتنا الراهن، حيث تراجع مفهوم الدولة التقليدية لصالح الدول النافذة التي باتت تتحكم في الدول الضعيفة بأي طريقة كانت.
إننا بذلك إزاء ما يسمى بالحركات الاحتجاجية التي هي في الحقيقة متأصلة في الحياة الإنسانية ومن خصائص المجتمع الذي يأبى الثبات.

لقد عرف المجتمع الجزائري على مر العصور مظاهر مختلفة ومتعددة للاحتجاج ضد الأوضاع التي أقامها الغزاة والمحتلون، ومن الناحية التاريخية عرف الشعب الجزائري أشكالًا متتالية للاحتلال والهيمنة الأجنبية نذكر منها على سبيل المثال ولا الحصر الرومان والاحتلال الفرنسي وواجه الشعب الجزائري هذه الظاهرة بتنظيم العديد من المقاومات الشعبية التي استعملت عدة طرق للتعبير عن رفضها لهذه الأوضاع.

كما ظهر هذا جليًا خلال حقبة الاستعمار الفرنسي الذي قابله الشعب الجزائري بثورات شعبية عاشتها مختلف ربوع الوطن للتصدي للاستعمار حين مجيئه للجزائر ثم للتنديد بالواقع الاستعماري المفروض عليه.
وفي بداية العشرينيات من القرن العشرين تبلورت مقاومة الشعب الجزائري في شكل احتجاج سياسي قادته أحزاب وطنية كانت نواتها الأولى حزب نجم شمال أفريقيا، والذي تكون في 1926، إلا أن فريقًا من المناضلين السياسيين سرعان ما تفطن إلى عدم جدوى الاحتجاج والعمل السياسي ليقرر المضي قدمًا على درب العمل المسلح بإنشاء المنظمة الخاصة التي شكلت الانطلاقة الأولى للثورة التحريرية الجزائرية التي قادت جانبها السياسي جبهة التحرير الوطني في حين تولى الكفاح المسلح جيش التحرير الوطني.
وتؤدي هذه المعاينة التاريخية إلى أن ظاهرة الاحتجاج هي ثقافة مترسخة في المجتمع الجزائري.

1- مظاهر الاحتجاج منذ الاستقلال

غداة الاستقلال، وفي خضم استعادة السيادة الوطنية ظهرت أول حركة احتجاجية تتمثل برفض الشعب الجزائي لحرب الزعامات التي نشبت بين قادة الولايات التاريخية من أجل الوصول للسلطة.
أن رد فعل الشعب الجزائري كان له الفضل في عدم انزلاق الوضع آنذاك وتجنيب الجزائر حربًا أهلية، ورغم ذلك إلا أن الأمة لم تعرف الاستقرار إذ سرعان ما اندلعت حركة احتجاجية أخرى في منطقة القبائل بزعامة حسين آيت أحمد أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية الذي ندد بالتهميش الذي تعرضت له منطقة القبائل وبالخيارات غير الديمقراطية التي انتهجها الرئيس الجزائري آنذاك ابن بلة.

ومنذ ذلك التاريخ أي عام 1963 عرفت الجزائر استقرارًا نسبيًّا إلى غاية الانقلاب العسكري الذي قام به هواري بومدين والذي أطلق عليه (التصحيح الثوري) واجهت بعض فئات المجتمع هذا العمل بالمعارضة الشديدة وشهدت بعض المدن الجزائرية مشادات عنيفة بين أنصار الرئيس المخلوع وقوات الأمن.

تمكن فيما بعد الرئيس هواري بومدين تحقيق الاستقرار بواسطة سياسة القبضة الحديدية ويد الحرير عن طريق تطويق أمني للمجتمع من جهة ومشروع مبني على العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، ومنه ساعدت في استقطاب شريحة عريضة من المجتمع أكثرها من الشباب.
وبفضل السياسات التي كانت تحظى بقبول المجتمع وتأثير الجزائر الدولي الذي كانت تتمتع به سمح بإظهار أي معارض على أنه عميل ويجب التصدي له والحفاظ على مكاسب الثورة. شكلت وفاة بومدين منعرجًا حاسمًا في تاريخ الجزائر الحديث حيث عرف حكم الشاذلي بن جديد عودة الاحتجاجات بقوة جراء عدة عوامل:

-سياسة الانفتاح الاقتصادي التي اعتمدها الشاذلي والتي أدت إلى بروز الفوارق الاجتماعية.
-اكتساب فئات جديدة من المجتمع ثرواتها عن طريق امتيازات منحتها لها الدولة.
-تفشي ظاهرة المحسوبية والفساد والرشوة وكذلك التبذير وسوء تسيير المال العام.
-رفع التطويق الأمني عن المجتمع وفسح مجال أمام الحريات الفردية والجماعية.

في أقل من عام عن حكم الشاذلي برزت مظاهر الاحتجاج في منطقة القبائل تحت ما يسمى بالربيع الأمازيغي، حيث كانت من بين مطالبه الاعتراف بالهوية الأمازيغية والحريات الديمقراطية.
تعد هذه الحركة نقطة انطلاق للعديد من الأعمال الاحتجاجية كان قوامها غالبًا الظروف المعيشية المزرية للفئات البسيطة للمجتمع خاصة ومع تدني أسعار النفط ودخول الجزائر في أزمة اقتصادية. والتي وصت إلى الذروة في عام 1986، حيث تراجع برميل النفط من 30 دولارًا ليصبح 10 دولارات الأمر الذي حد من قدرة الدولة على تقديم وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

2 -احتجاجات أكتوبر 1988 والقطيعة بين علاقة الدولة والمجتمع

يمكن تصنيف الاحتجاجات المسجلة قبل 05 أكتوبر 1988 في خانة الهزات ذات الوقع الخفيف خلافًا لأحداث 1988 والتي جاءت مطالبها على شكل يغير من جوهر النظام الجزائري، بحيث ندد الشباب الجزائري وفئات أخرى من المجتمع بنظام لحزب الواحد وبالنزعة الاشتراكية للنظام الاقتصادي، وقد أخذ التنديد منحى تخريبيًا حيث شهدت الأحداث اشتباكات دامية استدعت تدخل الجيش الوطني الشعبي، وقد مثلت الاحتجاجات تجمعًا فريدًا لما يمكن تسميتهم المهشمين، وقد سبق لكل منهم أن عبر عن سخطه تجاه الدولة والنظام على امتداد الثمانينيات من القرن العشرين كل على حدة، حيث مثلت هذه اللحظة شبه تحالف بين مختلف الفئات الاجتماعية.

ودخلت الجزائر منذ ذلك الوقت في دوامة الاستقرار ولا سيما بعد اعتماد دستور فيفري 1989 الذي فتح المجال للتعددية السياسية والتي أدت إلى إفراز الانتخابات حزب إسلامي ممثلا بالجبهة الإسلامية للإنقاذ وبعد إلغاء الانتخابات توالت الأحداث وصولا لعشرية الدم الحمراء.

وبعد استعادة السلم عادت الحركات الاحتجاجية إلى الظهور والتصاعد مرة أخرى وعلى وجه التحديد في عام 2001 فيما عرف حينا بالربيع الأسود الأمازيغي، وبرغم ما يحمله مسمى هذه الحركة من بعد هوياتي لا يمكن إنكاره، إلا أنه لا يمكن قراءة هذا البعد لهذه الحركة الاحتجاجية بمعزل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي للجزائر، حيث نجد معدل البطالة تصاعد ليصل 30% في وقت كان هناك فائض في الاحتياطات المالية نتيجة عوائد النفط والغاز.

وهنا من المفيد قراءة المسار الذي أخذت هذه الحركة في العمل والتصعيد ضد النظام والدولة حينها بحيث ركن المواطنون إلى تنظيم أنفسهم والحرص على التنسيق مع تنظيمات عمالية من تلك المنطقة، ما أعطى هذه الحركة قوة باعتبارها قضية عامة وليست مسألة جهوية، كما شكلت ما يعرف بتنسيقية العروش والقبائل والتي تبنت وثيقة مطلبية مكونة من 15 نقطة للتفاوض من النظام حولها وقد حمل بعضها طابعًا هوياتيًا والبعض الآخر حول الحاجات التنموية والاقتصادية لمنطقة القبائل وهو بدوره ما يمكن قراءته في السياق السياسي الأعم.

3- المحاولات الاحتجاجية في الجزائر في سياق الربيع العربي

قبل المضي في تقييم الحركات الاحتجاجية في الجزائر بمرحلة الربيع العربي لا بد من الإشارة إلى السياق الاقتصادي، بحيث تجده ما زال يعاني قصورًا مزمنًا ممثلًا في أنه اقتصاد ريعي وأحادي من حيث اعتماده على مصدر واحد للدخل وهو عوائد النفط والغاز وهو ما يجعله اقتصادًا شديد الحساسية والهشاشة.

و النظر إلى الاحتجاجات التي شهدتها الجزائر في مرحلة 2011 نجد أن أغلبها احتجاجات من القطاعات المهنية مثل الأطباء والمحامين والمعلمين للمطالبة بتحسين أوضاعهم الاجتماعية ورفع أجورهم، إلا أن أبرز الاحتجاجات كان حصل عام 2010 والتي كانت بسبب أزمة أساسية، وهي أزمة السكن بحيث خرج كثير من هذه الفئة المتضررة للتنديد بسياسية الجماعات المحلية في قضية التسكين التي تخصص وتوزع الشقق السكنية دون الالتزام بشفافية ووفقًا لاعتبارات المحسوبية والزبونية.

أما أبرز الاحتجاجات المتزامنة مع الربيع العربي فكانت في فبراير، فيفري 2011 اعتراضًا على سوء الأحوال المعيشية المتمثل بارتفاع أسعار المواد الغذائية وعلى رأسها الزيت والسكر.
ولقد كان لرد فعل الحكومة السريع للاستجابة للمطالب المطروحة دور في تهدئة الأوضاع وتفادي الانزلاقات. وقد خرج الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة آنذاك في خطاب رسمي إثر هذه الاحتجاجات واعدًا بجملة من الإصلاحات والخطوات التقدمية أولها رفع حالة الطوارئ المقرة منذ عشرية الدم الحمراء وتحسين المرافق والخدمات العمومية وإعطاء مساحة للأحزاب والقوى السياسية للتعبير عن نفسها في أجهزة الإعلام…إلخ وهي إجراءات من شأنها امتصاص مثل هذه الاحتجاجات والحيلولة دون لحاقها بركب الثورات العربية.

ورغم انقضاء هذه الموجة إلا أن الأعوام الموالية من 2012 إلى 2018 لم يشهد توقفًا للاحتجاجات والتي يغلب عليها طابعها الاجتماعي والاقتصادي المباشر.

وفي الأخير يمكن القول أن الاحتجاجات التي عرفتها الجزائر قبل حراك 2019 والذي جاء بعد ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة والتي لم تتوقف حتى باستقالته بل وصلت لمطالب برحيل كافة رموز النظام السابق والدعوة إلى انتخابات حرة ونزيهة.
كذلك نلاحظ من خلال المقال أن هناك غيابًا ملموسًا للقوى الحزبية في التفاعل مع الاحتجاجات وهي كملاحظة تعكس قدر الفراغ الذي تعانيه الحياة السياسية من حيث غياب بديل معارض قادر على مواكبة تطورات الشارع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s