مر معي أن أستاذًا لمادة التاريخ في واحدة من المؤسسات التعليمية العريقة، طرح على طلابه في نهاية المادة مسابقة، وكان المقرر لهذه المرحلة يتناول نشوء الدولة العباسية، إضافة إلى أجزاء مهمّة من العصر العباسي الأول، تطرق السؤال إلى حادثة قتل الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور لواحدٍ من أبرز قادة الدعوة العباسية أبي مسلم الخراساني، وطلب هذا الأستاذ من التلامذة بيان أسباب هذا الحدث وحيثياته، وذيّل سؤاله بطلب بيان رأي الطلاب حول موقفهم من مثل هذه الأحداث، فهل يحق للحاكم قتل كل من يعاديه، أو يظهر عليه أمارات الثورة ويزعزع أمن السلطة وصلاحيات الحاكم؟ فكانت أجوبة الطلاب صادمة.

أجاب غالبية الطلاب بأن للحاكم كل الحق في «قتل» منافسيه وأعدائه، ومن يشكلون خطرًا على حكمه ودولته، وأن الحفاظ على الحكم يستأهل إراقة الدماء، وقد كان جواب الجميع على هذا المنوال، ما عدا طالبًا واحدًا، أجاب بأن على الحاكم القبض على الثائر وإيداعه في السجن مدى الحياة.

قرأت هذه الأسطر وطفقت أخصف على نفسي من الأفكار والتأملات حول التاريخ وتدريسه، بعيدًا عن الحادثة التاريخية بذاتها، وسجلت عددًا من النقاط بالغة الأهمية، تفيد مدرسي التاريخ والمهتمين بإيصال المعارف التاريخيّة إلى الطلاب خاصة، والأجيال الصاعدة بشكل عام، إذ إن مثل هذه التجارب التي يصعب تطبيقها في المدارس النظامية – الرسميّة –، أو في المدارس التي لا تولي للتاريخ وأقرانه من المواد الاهتمام الكافي، تقدم نموذجًا يستأهل الدراسة، وفي هذا السياق أسجل بعض الملاحظات، التي تفتح بابًا للبحث الجدّي في جزءٍ من واقعنا المعرفي والثقافي.

أول هذه الملاحظات، تقوقعنا الدائم في التاريخ السياسي، وهو الجزء الأكثر تداولًا، الذي قتله المؤرخون والمتخصصون كتابة وتحليلًا – بشكلٍ عام –، ولكنه مليء بمثل هذا الحدث الذي تناوله سؤال صاحبنا المعلم، مترعٌ بحالات إنهاء الآخر والقضاء على المخالف، وهو ما يستوجب دراسةً وتأملًا، ليس في إيراد الحدث التاريخي المجرد، بل في تحليل السياقات، كتاريخ الحرية والمشاركة السياسية، في محطات كثيرة من تاريخنا، وكم كان حصيفًا ذلك المتأمل الذي قال بأن أول ما خسرته الأمة بعد الخلفاء الراشدين كان ميزة اختيار الحاكم بشكل حرّ، وانحسار تداول السلطة في الأمة بتداول سلالي للحكم، أو ما يُعرف اصطلاحًا بالملك الجبري.

ثاني هذه الملاحظات، وقبل الولوج في طبيعة التكوين العربي وميله للسلطوية والاستئثار، أو التأثر بما يتردد في وسائل التواصل وحياتنا بأن داخل كل واحدٍ منا «حاكمًا متسلطًا صغيرًا»، هذا المتجبر الذي لا يظهر إلا عند امتلاك زمام الأمور، وتأثير مثل تلك التنميطات على آراء الطلاب وتوجهاتهم، لا يُمكن بحالٍ من الأحوال التغاضي عن كيفية تقديم هذه المعلومة ضمن المنهاج الدراسي، ولا أقصد الكلام المجرد المكتوب، بل كيفية تقديم المعلومة من قبل أستاذ المادة، فهل اكتفى بما تتضمنه المقرر؟ أم قدم لذلك وبرر لهذا الفعل بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، أم دفع الطلاب للخروج بمثل هذه الاستنتاجات؟، هذه الأسئلة – لا شك – ستقدم لنا إجابة أولية عن حالة القبول العامة لإنهاء المخالف.

ثالث هذه الملاحظات، تتناول التاريخ بين اجتزاء المناهج الدراسية وعمومية القراءة التاريخية، إذ إن أي مدرّس للتاريخ شغوف بتاريخ أمته معتزٌ بإرثها، سيقع أمام معضلة الاجتزاء والانتقائية في المقررات الدراسية الرسمية، التي تشوه الكثير من الحقائق، وتقدم معلومات ملتبسة للطالب، ومحاولته تقديم قراءة عامة للتاريخ الإسلامي ستدفعه للوقوع في فخ القراءة العامة والسطحية للتاريخ الإسلامي، إذ سيحاول المرور بأهم محطات هذا التاريخ، ولكنه سيقدمها بشكلٍ سطحي، بناءً على هامشية المادة وعدم الاهتمام بها، وتقديمها في قالب عام يفيد غير المتخصصين، وهي معضلة بحاجة للكثير من العناية والتدبر، خاصة في المؤسسات التعليمية، التي تستطيع إقرار مناهج دراسية خاصةٍ بها، خارج صفوف الشهادات الرسمية.

أخيرًا، لن أقول بأن داخل كل منا فرعونًا صغيرًا، فقد أصحبت هذه العبارة ممجوجة، ولن أضع هذه الحالة في صورة نمطية من الاستعداد الجبليّ لإلغاء الآخر، ولكن من الضروري إعادة النظر في كيفية وآلية تقديم التاريخ لهذه الأجيال، في إطار محبب مرغوب، ويستطيع هذا المعطى تقديم الفائدة والمعلومة، في قالب مسل جاذب، لا لنُخرج متخصصين بكل تأكيد، بل في سياق إعطاء النشء صورة وافية عن أحداث أمته وحضارتها، فليس مقبولًا بحالٍ من الأحوال أن يعرف الطالب عن الحرب العالمية الأولى أكثر بكثيرٍ مما يعرف عن الحروب الصليبيّة، أو أن يصور له حالة الاستخراب الغربي للعالمين العربي والإسلامي على أنها حالة تمدين وتطوير و«استعمار»، بعيدًا عن حقيقة التحكم وفرض الأجندات الخارجية ونهب الخيرات، وما خلف ذلك من آثار سياسية واجتماعية واقتصادية.

ربما هي أمنيات، وربما هي تأملات خليّ في ساعة متأخرة من الليل، ولكنها أجوبة عن حالة عامة من الترهل الثقافي والمعرفي، يشكل التاريخ واحدًا من وجوهها، إن استطعنا إصلاحه سيمكننا إصلاح واحد من هذه العيوب، وإعادة العلاقة بين التاريخ والأجيال القادمة.

ربما نستطيع، ولكنه يتطلب جهدًا جمعيًا، وهمًا مشتركًا، وعملًا دؤوبًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد