التاريخ يكرر نفسه، جملة تتكرر على ألسنة معظم الناس كلما تشابهت حادثة ما مع أخرى، ينطقها قائلها وكأنها من المسلمات أو البديهيات، أسأل نفسك ما معني كلمة تاريخ، أو ما هو تعريف التاريخ، غاليًا ستبحث عن جملة تعبر عما تفهمه من الكلمة، ولن تجد تعبيرًا مباشرًا يقفز إلى ذهنك، تأمل في قول أحدهم (إن التاريخ يكرر نفسه)، وعندما تسأله عن تعريف التاريخ تجده يبحث عن الإجابة في تلافيف عقله، وهو في واقع الأمر معذور؛ فقد ورث الجملة كأمر بديهي مفروغ منه، ولم يفكر مرة واحدة في معنى ما يقول.

وعودة للتاريخ، فكل من يحاول الآن من القراء العثور على تعريف دقيق له، فلن ينجح، أقصد نجاحًا قاطعًا؛ فحتي أهل التاريخ من علماء وباحثين قد اختلفوا فيما بينهم في إيجاد تعريف جامع ومانع لهذه الكلمة، هذا ما تعلمناه على أيدي اساتذتنا، وهو ما أثبتته التجربة الخاصة لكل منا، فما يكاد واحد منا يطلق تعريفًا يظنه جامعًا مانعًا، حتى ينبري له أحدنا ليبين له النقص في تعريفه، وانتهت النتيجة واحد لصفر، واحد للأساتذة، وصفر كبير لنا. فعلًا لا يوجد تعريف جامع ومانع للكلمة.

فماذا يقصد من بقول إن التاريخ يكرر نفسه أو يعيد نفسه؟!

في الغالب يقصد تكرار حادثة بعينها عدة مرات في عصور مختلفة طالت أو قصرت، وقد يبدو كلامه صحيحًا ظاهريًا، بدليل موافقة من حوله على العبارة، من أن التاريخ يعيد نفسه. وفي واقع الأمر التاريخ لا يعيد نفسه، بالرغم من تكرار الحوادث على مر الأزمنة، والسبب في هذا هو أن السيناريوهات المتاحة في حياة الناس محدودة، بصورة أوضح: القصص التي يعيشها الناس في حياتهم محدودة، في رأي لا تتعدي المائة حكاية.

فمثلًا لو تزوج أحدهم، وهذا ما يفعله معظم الناس، فإما أنا يكون قد تزوج عن حب، أو زواج صالونات كما يطلقون عليه، أو لأنه يريد أن يتزوج وحسب. السيناريوهات محدودة في هذا الموضوع، وفي حالة الموت مثلًا، فإما أن يموت الإنسان موتًا طبيعيًا أو في حادثة ما حتف انفه، أو منتحرًا مثلا. الاختلاف في التفاصيل وليس في القصة الرئيسة، فالقصص في الحياة محدودة، والتنوع في التفاصيل فقط. والتفاصيل تتطور بتطور الحياة، ففي سيناريو الموت مثلًا، زادت حالات الانتحار أو الموت حالة إضافية وهي الموت أو الانتحار بالصعق بعد اكتشاف الكهرباء، وقس على ذلك ما شئت من مواضيع أخري، وهو ما تنبه له اجدادنا في مختلف أنحاء العالم، فرصدوا تلك السيناريوهات عن طريق الأمثال الشعبية، حيث يلخص المثل الشعبي أحد السيناريوهات الحياتية بنتيجته الحتمية في جملة واحدة وكمثال على ذلك:

ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.

وترك صاحب المثل المجهول التفاصيل التي تسببت في وقوع الطير بعض طيرانه لعلمه بتنوعها، وتغيرها، من زمان لزمان، ومن مكان لمكان، ومن حالة لأخرى، وأنا شخصيًا أعتبر أن الأمثال الشعبية من عبقريات الشعوب، وأنها الخلاصة التاريخية لما مرت به هذه الشعوب على مر العصور.

وترجع المحدودية في سيناريوهات الحياة إلى السنن الكونية، التي تؤدي بالمتشابهين إلى نفس النهاية المحتومة، فعلى سبيل المثال نجد في القرآن ما يسمى بالقصص القرآني، والذي من أهم أغراضه حسبما أزعم توضيح سنة الله في خلقه، فمثلًا قصة فرعون وموسى، هي أحد أهم القصص أو السيناريوهات التي تتكرر بصفة دائمة، نستطيع أن نطلق عليها مسمى (حكاية كل يوم)، ديكتاتور يفرق اهل البلد شيعًا، يقتل يعضهم، ويستحي بعضهم، ويرى أنه طبيب الفلاسفة، الذي لا يجب أن يسمع أحد لغيره، والذي يرى في كل مناضل شيطان يريد أن يذهب بطريقة الناس المثلى، ومن فرعون إلى بينوشيه وبشار الأسد مرورًا بأبي جهل، ستجدهم كلهم فراعين، كل منهم يمثل نفس السيناريو (حكاية كل يوم) والرابط المشترك بينهم هو الكبر وعدم سماع صوت الحق، التاريخ لا بعيد نفسه، لكن المحدودية في السيناريوهات، وعدم اتعاظ الناس بمن سبقهم، حيث يظن كل منهم أن السيناريو طيع، وأنه يختلف عن من سبقوه، جهلًا أو استعلاءً، وإن كانت قصة موسى مع فرعون قصة إيمان يصارع كفر، فإن كل قصص (حكاية كل يوم) هي أيضًا قصة إيمان يصارع كفر، وإن كان الإيمان والكفر في معظمها ليس بالمعنى الديني، ولكن إيمانًا وكفرًا بالحق الظاهر، بالحرية والعدل.

فكل الفراعنة أبو واستكبروا، أبو أن يطيعوا السنن الكونية، واستكبروا على خلق الله، ويلخص هذا مقولة تنسب لألبرت اينشتاين لا أدرى مدي صحة نسبتها لها وإن كانت تلخص ما سبق، تقول:

الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة.

وكل الفراعين على مر العصور تكرر نفس الجرم، بنفس الأساليب، وينتظرون نتائج مختلفة، قاتل الله الغباء!

والفراعين هنا حالة توضح عدم تكرار التاريخ، وقس على ذلك باقي السيناريوهات الحياتية الأخرى، وستجدها لا تتكرر في التفاصيل، ولكن في العنوان الرئيس فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد