على مدار التاريخ، لم يكن لأى حاكم عربي، موقف ثابت من الانتفاضات الفلسطينية كلها، منذ ثورة البراق إبان الاحتلال الانجليزى وحتى يومنا هذا.

 

فالبرغم من نجاح الانتفاضات الفلسطينية على الصعيد الثوري، لم يتدخل أحد من هؤلاء كطرفٍ أمام الكيان الصهيوني على الصعيد السياسي، بل رضوا بأن يلعبوا أدوار الوساطة وبرعوا فى فن الشجب وإثبات الموقف المعارض فقط.

 

فمنذ ثورة البراق التي إندلعت في مدينة القدس الشريف في 9 أغسطس 1929، أيام الانتداب البريطاني على فلسطين، والتى خلَّفت مئات الشهداء والجرحى، كما أسفرت عن اعتقال تسعمائة فلسطينيًا وصدور أحكامًا بالإعدام شنقًا على 27 فلسطينيًا.

 

لم يهتز جفن الحكام العرب لمئات الجرحى والشهداء والأسرى، بل كان رد فعلهم أبسط مما يكون، حيث طلب بعضهم من حكومة المملكة البريطانية تخفيف أحكام الإعدام التى صدرت بحق الأسرى، وبالفعل خففت الأحكام على 24 منهم، وتم تنفيذ حكم الإعدام في 17 يونيو 1930، بسجن القلعة في مدينة عكا، بحق ثلاث محكومين هم «فؤاد حسن حجازي»، و«محمد خليل جمجوم» و«عطا أحمد الزير».

 

ترك الأبطال الثلاثة رسالة قوية لهؤلاء الحكام الذين رضوا المذلة والمهانة وسلموا بلادهم وأعراضهم إلى الإحتلال دون أدني مقاومة، واكتفوا فقط بدور التابع، وتركوا المحتل يعيث فسادًا دون حساب أو عقاب، كان مفداها، أنهم يرفضون تخفيف حكم الإعدام، لعل الله أن يجعل فى موتهم يقظة للشعوب التى استكانت على أمرها.

 

كانت ثورة البراق هي جرس الإنذار الأول للتحذير من نوايا اليهود الخبيثة التى تسعي بكل اجتهاد إلى إثبات أحقيتها بالمسجد الأقصى المبارك، وبالرغم من أن الجرس كان صوته مدويًا، ولكن لم ينتبه أحد.

 

ولعل أحدكم قد انتبه إلى المسمى الذي تم إطلاقه على تلك الهبة الشعبية العارمة «ثورة البراق»، التى قام فيها الفلسطنيون من كل حدب وصوب دفاعًا عن السور الغربي للمسجد الأقصى المبارك، تلك الحائط الذي ظل لأكثر من ألف عام، جزءًا من الحرم القدسي الشريف، ووقفًا إسلاميًا خالصًا، ألا أن اليهود وبعد محاولات متكررة، استطاعوا أن ينتزعوا من الباب العالي في السلطة العثمانية آنذاك، فرمانًا يبيح لهم الصلاة عنده وإقامة شعائرهم أمامه، شريطة عدم الإخلال بالوضع القائم واستفزاز مشاعر غيرهم من الطوائف التي تسكن المكان.

 

 

في الحقيقة، لقد حافظت سلطات الانتداب البريطاني، على الحالة القائمة في الأماكن المقدسة استنادًا إلى المادة (12) من صك الانتداب، خوفًا من عواقب لن تستطيع ردعها، فبحسب بيانات صدرت من عدة أجهزة استخبارية أوروبية عقب الحرب العالمية الأولي، فهناك تحذرات شديدة اللهجة إلى القوات البريطانية الموجودة بالشام، من العبث أو المساس غير المحمود بالمقدسات الإسلامية هناك، ألا أن اليهود كعادتهم، لا أمان ولا عهد لهم، أخذوا يقومون بمحاولات ترمي إلى تغيير الوضع القائم للأماكن المقدسة وكان مسعاهم في ذلك يهدف إلى تحقيق سيطرة يهودية طالما حلموا بها، على الحرم القدسي الشريف.

 

كانت المحاولات اليهودية الأولى في هذا السياق يوم 24/9/1928م حين تجاوزوا العرف السائد وقاموا باحتلال حائط البراق، وجلبوا معدات احتفالهم بيوم الغفران، ووضعوا ستارًا يفصل الرجال عن النساء ونفخوا في الأبواق، الأمر الذي أثار حفيظة المسلمين وهواجسهم ومخاوفهم واعتبروا ذلك مجرد مقدمة لاستملاك اليهود للمسجد الأقصى، فألفوا «جمعية حراس المسجد الأقصى» وقرروا الدفاع عن مكانهم المقدس، وكان ذلك بداية لاندلاع هبة البراق.

 

كرر اليهود محاولاتهم بإحضار معدات للاحتفال عند حائط البراق، فهاجمت جموع المسلمين اليهود، وقاموا بنزع الستار الذي وضعوه تجاوزًا، فرفضوا الانصياع، وقامت جمهرة من الشباب اليهود بقيادة أقلية متطرفة بمسيرة لم يسبق لها مثيل حتى ذلك الحين، عبروا شوارع القدس وحين وصلوا حائط البراق رفعوا العلم الصهيوني، وبدءوا بترديد النشيد القومي الصهيوني «الهاتكفا».

 

كان هذا المشهد، خير دليل على تسليم سلطات الإنتداب فلسطين لليهود قبل وعد «بلفور»، وبالرغم من ذلك فإن أحدًا لم يعترض على هتك المقدسات الإسلامية، حتى وبعدما دارات الأحداث وتلاحقت وأسفرت عن نتائج مرعبة، لم يتدخل أحدهم للحفاظ على هؤلاء الرجال الذين ملتهم الغيرة والحمية على مقداستهم، بل لم يسجل أحدهم موقفًا حاسمًا للدفاع عن المسجد الأقصى، مما نتج عنه المزيد من الانتهاكات حتى يومنا هذا، ومما جعل اليهود يطمعون فى المسجد المبارك جزءًا فجزءا.

 

وأمام هذا الغضب الشعبي الهادر تشكلت لجنة دولية لتحديد حقوق المسلمين واليهود في حائط البراق برئاسة وزير خارجية السويد السابق «أليل ولفغرن»، وبعد تحقيق شمل لوجهتي نظر العرب المسلمين واليهود، وضعت اللجنة تقريرها عام 1930 وقدمته لعصبة الأمم في ذلك الحين، حيث أيدت فيه حق المسلمين في ملكية حائط البراق بشكل لا لبس فيه.

 

هذا التقرير رغم أهميته السياسية والقانونية والدبلوماسية لم يحظ بالتقدير والتفعيل الكافي، فهو من كل النواحي أقوى من إعلان «بلفور» مئات المرات ويحظى بحجية قانونية دولية لا يتمتع بها إعلان «بلفور»، ويعد صكًا مهمًا في معركة العرب والمسلمين مع الاحتلال الصهيوني فيما يخص حقوق الملكية والعبادة في القدس والمسجد الأقصى، ومع ذلك، لم يستغل أحد الحكام العرب هذا التقرير للتدخل السياسي وللدفاع عن الأرض المسلوبة وإثبات الحق لذويه.

 

ما أشبه الليلة بالبارحة، بكل تفاصيلها واحداثها، فانتفاضة القدس التى هبت منذ عام تقريبًا دفاعًا عن المدينة المشرفة ومسجدها المبارك، تبعها منذ أيام، قرارًا لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» بنفي آية صفة تاريخية أو دينية لليهود عن حائط البراق والمسجد الأقصى، وصولًا إلى الصمت العربي المخزي والتجاهل المشين والمعيب لهذا القرار وتبعاته السياسية.

 

لقد أتاح التقرير الأول الذي قد أشرت إليه سابقًا «وزير خارجية السويد السابق أليل ولفغرن»، فرصة ذهبية، وأعطي للعالم خيطًا يسيرًا لإثبات الحق، ولكن حكامنا وللأسف أضاعوه خشية غضب السيد الغربي عليهم، أضاعوه وهم يعلمون يقينًا تبعيات هذا الصمت والرضوخ.

 

واليوم.. وبعد قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» بنفي أية صفة تاريخية أو دينية لليهود عن حائط البراق والمسجد الأقصى، وهو القرار الذي خرج عن أبحاث تاريخية ودراسات أثرية خالصة، ليس لها علاقة بنزاع عقدي، أو خلاف سياسي، علينا ألا ننتظر من هؤلاء شيئًا يقدموه، بالحكام الذين أرسلوا وفودهم ببرقيات يملؤها الحزن فى وفاة المجرم السفاح «بيريز»، وهؤلاء الذين يفرشون الأرض وردًا فى استقبال قادات الكيان الصهيوني، لن يأتوا بحقنا، ولن يقفوا فى وجه أحد دفاعًا عن مقدساتنا، بل حان دورنا.

 

علينا منذ الأن، استنادًا إلى تلك الوثائق التى خرجت من بنو جلدتهم أن نبحث عن حقنا، أن نسانده، أن نتمسك به حتى الرمق الأخير، ألاّ تلهونا أحوالنا الداخلية، فوالله ما هى إلا مكيدة منهم لتلهونا عن ما هو أعظم.

 

أدعوكم للحديث والتدوين والبحث المفرط عن المسجد الأقصى وحائطه الغربي، أعيدوا نشر التاريخ من جديد، علموا أولادكم وذويكم أنه لا مكان لهذا الكيان الغاصب بيننا، علموهم أن هؤلاء الحكام بعمائهم ما هم إلا تُبع، تبعوا الغرب فى كل شئ حتى باعونا ونحن أحياء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد