صنَّف مسؤولو الطب والصحة عملية التلقيح بأنها واحدة من أهم 10 إنجازات طبية في القرن العشرين. إلا أنَّ معارضة اللقاح ظهرت في قديم التاريخ قِدَم اللقاح نفسه.

الجدري، الفيروس الذي فتك بأوروبا وآسيا في مراحل زمنية متفرقة، وقد كان يقتل ما يقارب 3 من كل 10 أشخاص يصابون به، وحتى أولئك الذين تعافوا منه، ترك لهم تذكارًا مؤلمًا متمثلًا بثقوب على أجسادهم، وآخرون سلب منهم نور أعينهم مصيبًا إياهم بالعمى. خلَّف الجدري وراءه ما يقارب 300 مليون قتيل منذ بدء انتشاره إلى أن تمَّ استئصاله بفضل التلقيح.

ففي منتصف القرن التاسع عشر ابتكر الطبيب الإنجليزي ادوارد جينير، أول لقاح في التاريخ، حيث قام بأخذ عينة من البثور التي سببها فيروس «جدري البقر» الذي كان ينتقل من البقر إلى الإنسان – الذي ينتمي إلى العائلة الفيروسية نفسها لفيروس الجدري – من يد إحدى العاملات في حلب الأبقار، وحقنها في ذراع طفل يبلغ من العمر تسع سنوات، وبعد عدة أشهر، قام الطبيب إدوارد بتعريض الطفل ذاته إلى فيروس الجدري نفسه، لكنَّ الطفل لم يُصب بالمرض.

كانت فكرة إدوارد جينير حديثة للغاية، لهذا لاقت معارضة لاذعة من المجتمع. أخذ المعارضون زوايا عدَّة لرمي سهامهم على الابتكار الذي غيَّر وجه العالم لاحقًا. فبعضهم عارضوا اللقاح لأنه مشتق من مصدر حيواني، وهذه كان ذريعة رجال الدين المسيحيين. وبعضهم لعدم ثقتهم بالطِّب نفسه. وبعض الأهالي ارتابوا من الأثر الصغير الذي كان يتركه اللقاح على ذراع طفلهم لهذا رفضوه.

إلا أن عمليات التطعيم استمرت بشكل واسع في أرجاء أوروبا، بعدما جرى التأكد من سلامة وفعالية ابتكار الدكتور إدوارد جينير الذي حظي بتبجيل وتقدير كبير من ملك بريطانيا، كما أخلى القائد الفرنسي نابليون بونابارت ثلاثة أسرى إنجليز بعدما طلب منه الطبيب إدوارد فعل ذلك، حيث قال بونابرت: «لا نستطيع أن نرفض طلبًا لأحد أعظم من خدموا البشريّة».
وفي عام 1980 أعلن النصر ضد وباء الجدري ودخل إدوارد جينير التاريخ من أوسع أبوابه.

حاليًا يواجه عالم القرن الواحد والعشرين وباء شلَّ أركانه وأضعف اقتصاده وأرَّق مضاجعه على مدار سنتين إلى الآن. فمنذ بداية انتشار فيروس كورونا المستجد بدأت العامة السخرية برجال العلم لتقاعسهم عن تطوير علاج أو لقاح يضع حدٍّ لكارثة القرن. وعندما قدم العلماء اللقاح على طبق من ذهب بدأ التاريخ يعيد نفسه لمواجهة مناهضي التلقيح.

فبعضهم يدَّعي أن اللقاح صمم لمراقبتهم لاحتواء اللقاح على شريحة إلكترونية، والبعض يزعم بأنَّ اللقاح يهدف إلى التخلص من البشريَّة، وآخرون يسخِّفون موضوع التطعيم باعتبارهم أن داء كوفيد غير ذي أهمية وبأنَّه مؤامرة كونيَّة، والبعض يخشى من الآثار الجانبية، فأنَّى لنا الخلاص من هذه الجائحة العالميَّة؟!

معظم لقاحات كوفيد اليوم حصلت على موافقة الاستخدام الطارئ، وذلك بعد ثبوت فعاليتها وأمانها، وقد حظي لقاح Pfizer biontech على الموافقة الكاملة لاعتماده لقاحًا آمنًا وفعَّالًا في الوقاية من الوفاة ودخول المستشفى والأعراض الذي يسببها فيروس كورونا المستجد.
فعدم اقتناع الناس بعمليات التلقيح يرجع إلى تبني الدماغ البشري مبدأ التفكير الكسول لتجنب الخوض في فهم تصميم اللقاح والاستجابة المناعية المعقدة، وهذا ما تحدثت عنه هيلاري سكارلت في كتابها «Neuroscience for organizational change»، حيث أشارت إلى أن الدماغ البشري يميل إلى مبدأ حفظ الطاقة. أي يتبنى الدماغ البشري النظريات التي لا تحتاج إلى تعقيدات شديدة. فذلك أسهل له من فهم علم التلقيح والمناعة.

ساهمت لقاحات كوفيد في خفض معدل الوفيات والإصابة بشكل ملحوظ، لدرجة أنها أعادت الحياة إلى سابق عهدها، إلى أن ظهرت المتحورات التي تمكنت من الهروب جزئيًّا من المناعة. لهذا خرجت التوصيات من مراكز الصحة لتلقي جرعة معززة لزيادة الوقاية من المرض. ولكن حتى هذه النقطة استغلها مناهضو اللقاح ليبرروا قناعتهم أن مسألة اللقاح تجارية بحتة هدفها زيادة أرباح الشركات المصنِّعة، على الرغم من أن اللقاح يعطى مجانًا للشعوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد