أيمن حويرة
أيمن حويرة

689

الله أكبر كم في الفتح من عجب … يا خالد الترك جدد خالد العرب

من فل جيش ومن أنقاض مملكة … ومن بقية قوم جئت بالعجب

ومسلمو الهند والهندوس في جذل … ومسلمو مصر والأقباط في طرب

ممالك ضمها الإسلام في رحم … وشيجة وحواها الشرق في نسب

تقول لولا الفتى التركي حل بنا … يوم كيوم يهود كان عن كثب

***

ضجت عليك مآذن ومنابر … وبكت عليك ممالك ونواح

الهند والهة ومصر حزينة … تبكي عليك بمدمع سحاح

والشـام تسأل والعراق وفارس … أمحا من الأرض الخلافة ماح؟

بكت الصلاة وتلك فتنة عابث … بالشرع عربد بالقضاء وقاح

أفتى خزعبلة وقال ضلالة … وأتى بكفر في البلاد بواح

***

هذه الأبيات لأمير الشعراء أحمد شوقي، عشرة أبيات تتحدث عن الشخص نفسه لكنها من قصيدتين مختلفتين. القصيدة الأولى صاغها بعد انتصارات أتاتورك في حرب التحرير نهاية عام 1922 وأغدق فيها عليه بالمديح والثناء مشبهًا إياه بخالد بن الوليد رضي الله عنه، أما الثانية فكانت بعدها بأقل من عام ونصف، كتبها بعد إلغاء الخلافة وفيها كال السباب وصب اللعنات على الشخص نفسه – خالد الترك كما سماه في القصيدة الأولى – متهمًا إياه بالضلال والكفر. الهند التي كانت جذلة صارت بعد عام واحد فقط والهة ومصر التي طربت غدت حزينة والفاعل في كلتا الحالتين هو أتاتورك. ذلك الرجل الذي يصنف كأعتى أعداء رجال الفكر الإسلامي، ولهذا السبب صار قائد حرب التحرير العظيمة بطلاً مزيفـًا، وصارت المعارك في أدبياتهم مجرد تمثيلية متقنة أعدها الإنجليز بالتعاون معه لتلميعه من أجل مهمة محددة وواضحة، هدم الخلافة.

هل يعني ذلك أن أتاتورك رجل يستحق الإشادة؟ بالتأكيد لا يستحق فهو – وإن كان ليس الوحيد – من دق المسمار الأخير في نعش دولة الخلافة. لا يستحق الإشادة ولا الثناء أو المدح وإنما هو أهل لما يناله من لعنات، لكن الإنصاف يقتضي منا أن نفرق بموضوعية بين توجهاته الدينية ومهارته العسكرية، حين نتحدث عن الإسلام نصفه بما يستحقه وحين نتطرق إلى الإنجازات الحربية ننحي قناعاتنا وانحيازاتنا جانبًا ونتحدث بصدق عما حدث، نؤكد أن مهارته لا تنفي ضلاله وأنه بالتأكيد يوجد على هذه الأرض العديد من الموهوبين والمهرة في شتى مجالات الحياة، حتى ولو خالفونا العقيدة والدين.

***

يقال إن ابن سينا قد لـُقب بأمير الأطباء أو أبي الطب الحديث، هكذا سماه الغربيون أنفسهم عرفانـًا منهم بما قدمه للبشرية من إنجازات، لا في الطب فقط وإنما أيضًا في الفلسفة والرياضيات والفيزياء وغيرها من العلوم، يقول أيضًا العرب والمسلمون إنه كان ملحدًا أو على أفضل حال شيعيًّا وفي كلتا الحالتين لا يأتي ذكره (كعالم) إلا وناله من التسفيه قدرًا لا بأس به. هل يعني هذا أنه صحيح العقيدة؟ الإجابة هي لا، لكن علمه لا جدال فيه ونسبته للإسلام – حتى وإن اختلت عقيدته- تفيد الحضارة الإسلامية لا تضرها؛ فالبلجيكي جورج سارتون (مؤسس علم تاريخ العلوم) يقول مثلاً إن ابن سينا هو أعظم علماء الإسلام. يمكننا إذن الحديث عن الرئيس – كما يلقب – بإنصاف فنقول إن كتابه “القانون” قد ظل المرجع الأساسي للطب لمدة سبعة قرون كاملة، وإنه أول من تحدث عن قانون الحركة الأول الذي صاغه نيوتن فيما بعد، ثم نقول بأن إنجازاته العلمية لا تمنع فساد عقيدته واعتلال فكره وفلسفته.

بهذا نكون قد أسسنا لمنهج علمي في التاريخ، منهج يتحلى بالموضوعية دون الحاجة لإضافة المزيد من المحسنات البديعية على أفعال من نحبهم ومن هم على شاكلتنا، ودون الحاجة لنزع إنجازات من يخالفوننا الفكر والمرجعية. يصبح من السهل تقييم كل شخص بصورة مركبة لا أحادية، بصورة تسمح لنا أن نحكي التاريخ كما كان فنُقر بإنجازاته أو زلاته قبل أن نعرج على تقييمه أخلاقيًا ودينيًا، نتحدث عن أبي بكر الرازي وكتابه المميز الحاوي قبل أن نستطلع آراء بعض الفقهاء الذين كفروه، نذكر جابر بن حيان في زمرة الحديث عن علماء الإسلام  وعن علم الكيمياء الذي كان هو أبرز رواده قبل أن نسرد آراء ابن تيمية عن الرجل. ومثلما كان لزامًا أن نذكر أخطاء المنصور بن أبي عامر جنبًا إلى جنب مع إنجازاته العظيمة، وأن نرفع القداسة عن سليم الأول ونتقبل من يقول ببعض أخطائه، وجب علينا أن نذكر ذكاء الحجاج بن يوسف الثقفي مع ما ارتكبه من جرائم، ونتحدث عن علم نصير الدين الطوسي رغم تحالفه مع المغول، لنرسم بذلك لوحة حقيقية واقعية لمجرى التاريخ، نحاكم مشاهير المسلمين وننتقدهم أو نمدحهم ويبقى الإسلام محلقـًا في السماء لا يمس نقاءه شيئًا، ويبقى التاريخ كما كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك