تناولنا فى المقال الأول من هذه السلسلة،مقدمة هذه الدراسة الأكاديمية الرائدة عن الرحيل فى العالم العربى،والمفاهيم العامة المرتبطة بالرحيل،ثم تاريخ وحقب الرحيل البشرى منذ ما قبل التاريخ وحتى وقتنا الحاضر،ولمن يرغب فى الإطلاع على المقال الأول

فى مقالنا الثانى سنعرض لأبرز النظريات المرتبطة بالرحيل وما يتصل بها من جدليات تبرُز وتتنوع باختلاف الزمان والمكان،،،

آدم سميث ومحاولة أولى:-

تاريخيا تعود أولى محاولات التنظير العلمى لدراسات الرحيل،إلى القرن السابع عشر

 

حينما ذكر الإقتصادى البريطانى المشهور آدم سميث، فى كتابه”ثروة الأمم” عام 1776 كيف أن تباين الأجور بين البلد الأم وبلد الهجرة،يؤدى إلى تدفق العمال بينهما مع الوضع فى الإعتبار عوامل كزيادة الطلب على العمالة فى بلد الهجرة،ووفرتها فى البلد الأم،،،

adam smith 1


إلا أن التناول العابر من قبل سميث لموضوع الرحيل، فى سياق الحديث عن نظرية العرض والطلب،وأثر الأجور على تدفق العمالة من وإلى البلاد،جعل كثيرا من المؤرخين يمنحون الأسبقية فى حمل لواء التنظير للرحيل للألمانى\البريطانى رافنشتاين ورسائله الثلاث التى أسماها قوانين الهجرة،بعد نحو مائة عام من فرضية سميث.

حيث طرح أحد عشر قانونا فرضية للهجرة،مؤسسا إياها على مراجعته لبيانات الإحصاء السكانى البريطانى،ملاحظا التقلص التدريجى لسكان القرى مقارنة بسكان المدن الكبرى،وبرغم الإنتقادات التى تعرض لها رافنشتاين إلا أن قوانينه تم إثباتها نظريا وعمليا فى الدراسات اللاحقة عليه،ما أكد أحقيته فى نيل قصب السبق فى هذا المجال،،،

 

عانت الدراسات المتعلقة بالرحيل طوال القرن التاسع عشر،وحتى منتصف القرن العشرين من جمود كبير،فى حين ازدهرت علوم كالإقتصاد والإجتماع،وعلل مختصون ذلك بأسباب عدة يأتى فى مقدمتها الخلط الكبير بين مفهومى الرحيل الطوعى والترحيل القسرى الذى ارتفعت معدلاته فى القرن العشرين نتيجة لظروف الحربين العالميتين،كذلك إعتبار الرحيل على الدوام ظاهرة سياسية لا إجتماعية،،،

 

المدرسة الكلاسيكية الجديدة للرحيل:-

تشكلت مع حلول خمسينيات القرن المنصرم المدرسة الكلاسيكية الجديدة،المعدودة كأكثر المدراس نشاطا فيم يتعلق بدراسات الرحيل،، وتقوم فكرة المدرسة على أن الرحيل يتمحور حول نزعة الفرد لتعظيم منفعته الذاتية،وقناعته بأن فى الرحيل خيرا له،،،

 

وعلى ضوء هذه القناعة،ومانتج عنها من إفتراضات أساسية مثل أن الفرد يملك القدرة على إختيار الأفضل من بين عدة خيارات،وأن الأفراد يسعون لتعظيم المنفعة الذاتية، ويتمتعون باستقلالية فى ظل وجود معلومات مفيدة ومساعدة على إتخاذ القرارات،،،

 

فإن أتباع هذه المدرسة يؤسسون على ماسبق أن المهاجرين سيتدفقون بالضرورة من البلد ذى الأجور المنخفضة والبطالة المرتفعة،إلى البلد ذى الأجور المرتفعة والبطالة المنخفضة،كما أن هذا التدفق من شأنه أن يحقق التوازن حتى تتساوى الأجور ومعدلات البطالة بين البلدين،،،

والمسلكان النظريان لباحثى هذه المدرسة هما المسلك الجزئى(micro-approach)

والمسلك الكلى(macro-approach)،ويبحث المسلك الأول فى قرار الفرد بالرحيل،فيم يبحث الثانى حالة الإقتصاد الكلى التى تؤدى إلى تدفق المهاجرين بين بلدين،،،

 

وقد تعرضت الكلاسيكية الجديدة لنقد من قبل مدارس أخرى كالهيكلية التاريخية،ومدرسة الإقتصاديات الجديدة،التى أخذت على الكلاسيكية أنها مثلا تخفق فى التمييز بين من يرحل ومن لا يرحل إرتكازا على تحقق المنفعة فقط،كذلك إقتصارها على هجرة العمال،مما جعل أغلب نظرياتها غير صالحة لتفسير أنماط أخرى من الرحيل كاللجوء…

 

المدرسة الهيكلية التاريخية:-

KARL MARX 1

 

 

يرى منظرو هذه المدرسة أن دراسة الرحيل لا تتم إلا عن طريق تحليل التحولات الهيكلية لنظام إجتماعى ما عبر الزمن،وتستمد المدرسة قواعدها النظرية من الفكر الماركسى الذى يرى أن السبب الرئيس لرحيل البشر،هو عدم عدالة توزيع القوى السياسية والإقتصادية فى العالم،،،

 

ولا يمكن إختصار هذه المدرسة فى نظرية واحدة،فلأنها ترتكز على الرؤى الكلية فقط(macro)،استندت المدرسة الهيكلية على نظريات شديدة العموم حول الأيديولوجيات المختلفة سياسيا وإقتصاديا الخ،،،إلا أن بمقدورنا أن نعرض فى إيجاز شديد لأبرز النظريات المرتبطة بهذه المدرسة،،،

 

 

1-نظرية سوق العمل المزدوج:-

 

طرحها عالما الإقتصاد الأميركيين مايكل بيور وبيتر دورنكر،وترى النظرية أن سوق العمل فى الدول الرأسمالية الغنية ينقسم إلى قسمين :-

 

أساسى ويحوى الوظائف التى تعد بمستقبل جيد ويسعى المواطنون لنيلها،

وثانوى ويشمل الوظائف الدنيا ذات السقف المحدود والتى لا تمثل إغراءا للغالبية من الباحثين عن عمل،،،

 

وبتطبيقها على الرحيل نجد أن وجود وظائف القسم الثانى،يجعل منها عاملا لجذب العمالة الأجنبية التى ستقنع بوظائف لا يرغب بها سكان البلد من المواطنين،مايخلق دوافعا لجذب العمالة عن طريق الهجرة،فالنظرية بذلك تركز على عوامل الجذب لا الطرد،لكنها تظل شديدة التعميم وتتجاهل تعقيدات وتطورات الإقتصاد الرأسمالى…

 

2-نظرية نظام العالم:-

طرحها عالم الإجتماع الأميركى إيمانويل وليرشتاين عام 1974،وتقوم على تقسيم العالم”أى مجموعة من الدول” إلى دول مركزية تقوم بغزو الدول الطرفية من خلال سوق العمالة،وإستنزافه عن طريق الشركات المتعددة الجنسيات ، وتدفق رؤوس الأموال، والتجارة الدولية،،،إلا أن النظرية تم إنتقادها أيضا لما تتسم به من تبسيط وتعميم لا يتفقان مع تطور الإقتصاد العالمى الذى تجاوز بكثير مرحلة التصنيفات الثنائية من مركز وأطراف الخ…

 

 

3-نظرية التبعية :-

 

طرحها الإقتصادى الألمانى هانز سنجر والأرجنتينى راؤول بريبش،وترتكز على أن التبادل التجارى يقوم على نظام يكرس تبعية الدول الفقيرة للغنية،،،والتناقض الرئيس الذى وقعت فيه النظرية يتمثل فى إفتراضها ، لدوام نمط واحد من العلاقات بين الدول الغنية والفقيرة،علما بأن آليات التبادل التجارى تطورت وصار من الممكن أن تعتمد دولة فقيرة على دولة غنية لتصريف منتجاتها ،من صناعات قد لا تتوافر فى الأخيرة،فضلا عما تمنحه الدول الغنية لمهاجرى الدول الفقيرة، من تعليم وخبرات تساهم فى إدماجهم كمواطنين فى الدولة المُهاجر إليها…

 

 

4-نظرية جيش العمال الإحتياطى:-

 

يرى ماركس فى كتابه الأجور الصادر عام 1847 أن الرأسمالية هى من اخترعت البطالة،فقبلها كان كل من يستطيع أن يعمل يعمل بيديه ويأكل،وباستحداث النظام الرأسمالى سيطرت الطيقة البرجوازية على وسائل الإنتاج، وقامت بتقنينها لتعظم العوائد وتقلل التكاليف،فصار العمال من غير المهاجرين جيشا إحتياطيا فى خدمة مصالح أرباب الأعمال،،،

 

لكن تطبيق النظرية على دراسات الرحيل يكشف عن ثغرتين بها الأولى تتعلق بكون الطبقة العاملة خارج النطاق السياسى والإقتصادى للدولة المستفيدة بطبقاتها الغنية،كما أن إفتراض إستخدام البطالة كسلاح لخفض الأجور يتجاهل أن ذلك سيتسبب فى ضعف القدرة الشرائية ،لشريحة كبيرة من المجتمع بشكل عام مما يهدد مصالح الرأسماليين فى الصميم…

 

 

 

 

مدرسة الإقتصاديات الجديدة:-

 

تأتى هذه المدرسة كوسط فى نهجهها التحليلى المعتمد على الوحدة المجتمعية بين نموذج التحليل متناهى الجزئية”الفرد”فى الكلاسيكية الجديدة،ومتناهى الكلية “الشعب” فى الهيكلية التاريخية،وينطلق التوجه التنظيرى للمدرسة من فكرة أن العائد على الأسرة بكاملها وليس الفرد فقط هو المعيار الأساسى الحاكم للرحيل،،،

 

لكن هناك من وجه إنتقادات للمدرسة، منها مثلا أن تأثيرها محدود على الدراسات المتعلقة بالرحيل لكون إفتراضاتها مجرد تصحيحات للكلاسيكية الجديدة ،كما رأى آخرون أن إسقاط نظرية المنفعة الشخصية على الوحدة المجتمعية من الصعوبة بمكان،إذ أن إشكاليات تواجهه من قبيل إهمال العلاقات بين أطراف الوحدة المجتمعية ذاتها،وإهمال بعض الخصائص المميزة للوحدة الأجتماعية كما رأى عالم الإجتماع الألمانى توماس فيست…

 

النظريات المستقلة:-

 

بعيدا عن القواعد النظرية للمدارس الثلاث الكبرى،ولدت نظريات من رحم علوم غير الإقتصاد والإجتماع،واستطاع بعض منها تأسيس مسارات بحثية نشطة فى إطار الدراسات المتعلقة بالرحيل وفيم يلى نبذات مختصرة عن كل منها،،،

 

  1. نظرية نُظم الهجرة:-

     

    طرحها عالم الجغرافيا النيجيرى أكين موبوقونجى عام 1970 ،وتصور هذه النظرية الرحيل باعتباره نظاما يتكون من مجموعة من البلدان، التى ترتبط فيم بينها بتيارات من الراحلين والعائدين،والبضائع والخدمات والمعلومات مما يسهل الرحيل،،،

     

sudanese immigran in Egypt 1

 

Israeli officer arrested african migrant 1

 

نظرية الشبكة للهجرة:-


وهى الفرع السوسيولوجى لنظرية الشبكة الممتدة تطبيقاتها لعلوم أخرى كثيرة كعلوم الحاسب مثلا،أهم من تطرقوا لهذه النظرية فى دراساتهم الأميركى دوجلاس ماسى والكندية مونيكا بويد،وتتناول النظرية دور شبكات المهاجرين فى عملية الهجرة،حيث تتألف هذه الشبكات من روابط وعلاقات وإلتزامات تسهل عملية الهجرة ،وتساعد على الإستقرار والتأقلم فى المجتمع الجديد،،،

 

  1. نظرية عتبة الإجهاد:-

     

    طرحها عالم الجغرافيا الأميركى جوليان ولبيرت فى دراستين متتاليتين عام1965/66 ،وترى أن قرار الرحيل يتشكل بين مجموع إحتياجات الأسرة،وطبيعة المكان الذى تعيش فيه…

     

     

     

  2. نظرية المنفعة العشوائية:-

     

    تطرح النظرية معادلة للتنبؤ بسلوك الفرد،أخذا بالإعتبار الحالة العقلانية للفرد،مقرونة بكل مكون سلوكى أو بيئى يمكن أن يحيد بهذه العقلانية لإتخاذ قرار عشوائى،،، ويرجع الفضل فى طرح النظرية لعالمى الإقتصاد الأميركيين توم دومينيك ودانيال ماكفيدن،وحصل الأخير بموجبها على جائزة نوبل فى الإقتصاد عام 2000…

     

     


Mcfadden Nobel Prize… 1

5-نظرية الجاذبية الديموجرافية:-


للعالم الأميركى المتخصص فى فيزياء الفلك جون كوينسى ستيوارت،وتقوم على أن عدد المهاجرين بين دولتين يزداد بازدياد الفارق بين حجميهما،ويقل بازدياد المسافة بينهما…

 

 

نظرية التطور الإنتقالى للرحيل:-

وتربط بين سلوك الرحيل ومراحل التطور الديموجرافى للمجتمع،وتتلخص تبعا لقدرة المجتمع على التحكم فى مستويات النمو السكانى إلى:- مرحلة المجتمع التقليدى ما قبل الحداثة،مرحلة الإنتقال الأول،مرحلة الإنتقال المتأخر،المجتمع المتقدم،المجتمع فوق المتقدم،،،طرح النظرية عالم الجغرافيا الأميركى ويلبر زيلنسكى…

 

 

7-نظرية السببية التراكمية:-


قام الإقتصادى الأميركى دوجلاس ماسى بتطبيقها على دراسات الرحيل عام 1990،بعد أن استعارها من واضعها الرئيسى الإقتصادى السويدى كنوت ويكسل عام 1898،مفترضا أنه وبغض النظر عن الأسباب الأولية وراء فعل الرحيل،فإن هذه الأسباب تخلق ظروفا وشروطا تابعة على المستويين الإقتصادى والإجتماعى تتحول إلى أسباب مستقلة للرحيل فيما بعد…

جدلية التفاؤل والتشاؤم فى نظريات الرحيل:-

والمراد هنا بالتفاؤل والتشاؤم ما يتعلق بأثر الرحيل على التنمية الإقتصادية،

والمآلات التى تنتهى إليها أطراف عملية الهجرة،من المهاجر وبلده الأم وبلده الجديد وذويه وأقرانه ووسيطه وغيرهم…

 

ويوضح الجدول التالى وبه نختتم مقالنا،جدلية التفاؤل والتشاؤم بشكل تقابلى:

وجهة النظر المتفائلة بالرحيل…

وجهة النظر المتشائمة بالرحيل…

عملية وظيفية تحقق أهدافا تنموية

عملية هيكلية تكرس أحوالا قائمة

يؤدى إلى تحديث المجتمع

يؤدى إلى تفسخ المجتمع

إنعكاس تدفق الأموال من الدول الأكثرتقدما إلى الأقل تقدما

إستمرار تدفق الأموال من الدول الأقل تقدما إلى الأكثر تقدما

إكتساب للعقول

إستنزاف للعقول

حوالات مالية تشجع الإستثمار

حوالات مالية تشجع الإعتماد

إستقلالية إقتصادية

تبعية إقتصادية

تناقص الرحيل على المدى البعيد

تزايد الرحيل على المديين القريب والبعيد

 

 




هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد