الكاتب المسرحي والروائي الفرنسي الشهير أنوري دو بلزاك (1799-1850) صاحب رواية «الكوميديا الإنسانية» قال عن تاريخ العالم: «تاريخ العالم: هناك تاريخان للعالم. الأول هو التاريخ الرسمي المليء بالأكاذيب، ومقرر تدريسه في المدارس. والتاريخ الآخر هو التاريخ السرِّي الذي يضم الأسباب والأحداث الحقيقية».

سأتحدث عن تزوير شذَّاذ الآفاق لتاريخ ثلاثة زعماء معاصرين وتشويه سمعتهم وسمعة بلادهم، وهم أدولف هتلر، ومحمد رضا بهلوي، وصدَّام حسين، فقط لأنهم أحبُّوا أوطانهم وعملوا لرفعتها باستقلالية عن مغول العصر وكل العصور.

وفضَّلتُ أن يكون لكل زعيم منهم مقالًا خاصًّا كيلا أثقل على القرَّاء، وسأبدأ حسب ظهورهم تاريخيًّا من الأقدم للأحدث.

رأينا في الجزء الأول كيف شوَّه شذَّاذ الآفاق سمعة البطل القومي لألمانيا أدولف هتلر، وزوَّروا تاريخ الرجل لأهدافهم الخاصة في تقويض الاقتصاد الألماني.

واليوم سنرى كيف قام ساسة واقتصاديو الغرب الرأسمالي الجشع والمادي فوق كل طبائع البشر بتشويه سمعة الراحل شاه إيران محمد رضا بهلوي لرفضه الرضوخ لمخططاتهم ومحاولته تطوير بلاده والسير بها نحو التقدم والازدهار.

2- شاه إيران محمد رضا بهلوي

ينفي المؤرخ الأمريكي المعاصر وليام إنجدال F. William Engdahl. ادعاءات بريطانيا وأمريكا بأنَّ سبب الانقلاب على الشاه محمد رضا بهلوي (1919-1980) الذي حكم من 1953 إلى 1979 هو تحرير الشعب الإيراني من فساد الشاه محمد رضا بهلوي وظلمه. بل إن السبب الحقيقي مغاير تمامًا. إذ يؤكد إنجدال أن المفاوضات كانت جارية بين الحكومتين الإيرانية والبريطانية خلال عام 1978 لتجديد اتفاقية الخمسة وعشرين عامًا لاستخراج النفط الإيراني، إلا أن المفاوضات انهارت بحلول أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه بسبب «عرض» بريطاني يطالب بحقوق حصرية لإنتاج النفط الإيراني في المستقبل، وبالوقت نفسه ترفض بريطانيا ضمان شراء النفط.

ورفض الشاه هذا العرض ولم يجدد اتفاقية الخمسة وعشرين عامًا، وبهذا استقلَّت إيران بنفطها عن بريطانيا، وصار بإمكانها بيع نفطها باستقلالية مع وجود زبائن محتملين كفرنسا وألمانيا واليابان وغيرهم، فجُنَّ جنون الإنجليز فأوعزت للـ«CIA» وبريجنسكي ونفَّذا الانقلاب على الشاه عام 1979، وبقيت بريطانيا بعيدًا عن الواجهة نظرًا إلى العلاقة «الودية» التي كانت سائدة بين بريطانيا والشاه في ذلك الوقت.

وكلام في منتهى الأهمية ورد في كتاب «رهينة للخميني Hostage to Khomeini» عام 1981 للصحافي روبيرت درايفوس Robert Dreyfuss وهو أن مراكز أبحاث نخبوية مثل The Club of Rome وThe Aspen Institute تآمرت لإزاحة الشاه عن السلطة وتعطيل خططه التحديثية التي رأوها تهديدًا لسيطرتهم على المنطقة. إذ يقول درايفوس: «الملالي لم يأتوا ليحكموا في إيران على أساس سلطتهم. لقد تم وضعهم في السلطة من قبل رجال أكثر شرًّا منهم – الذين سوف يستخدمون فساد التخلف لتحقيق غاياتهم الخاصة». وأعتقد أن استخدام العقلية المتخلفة للنظام الإيراني الجديد لتخريب المنطقة ونهب ثرواتها واضح جدًّا لكل ذي عقل.

بالإضافة إلى أنَّ الشاه قد تقرَّب من شعبه عندما اشترى مساحات كبيرة من الأرض من الطبقات العليا في المجتمع وباعها بأسعار زهيدة للفلاحين الإيرانيين؛ ما جعله يكتسب شعبية كبيرة، حيث كان يحلم بأن يكون – من حيث الشعبية – جمال عبد الناصر إيران. إضافة إلى طلبه زيادة إنتاج النفط لزيادة العائدات للخزينة الإيرانية، عكس ما كانت تريده أمريكا وبريطانيا وشركاتهما النفطية التي كانت تسعى لخفض الإنتاج لترتفع الأسعار لتحقيق المزيد من الأرباح.

وما أقلق البريطانيين والأمريكيين أكثر هو توقيع الشاه لاتفاقية بترولية مع شركة «ENI» وهي الشركة الإيطالية للبترول. إضافة إلى إغلاق الشاه لمصانع الأفيون التي بنيت في أيام النفوذ البريطاني، وكان عدد المدمنين مليون إيراني، وارتفع العدد أيام الخميني (1984) إلى مليوني مدمن- حسب إحصاءات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، وليس هذا فحسب، بل منع الشاه مرور تجارة الأفيون في إيران والقادمة من المثلث الذهبي في جنوب شرق آسيا. ولعل من بين الأسباب المهمة التي حرَّضت على إزاحة الشاه هي برنامجه لتطوير الطاقة النووية والذي رصد له 90 مليار دولار. كما أراد البريطانيون من مجيء الخميني هو إطلاق الصراع السني-الشيعي لتدمير المنطقة العربية ونهب خيراتها، وهذا ما يجري الآن.

وللتدليل على ارتباط الحكام الذين خلفوا الشاه بشذَّاذ الآفاق وأذنابهم في الغرب، يذكر المفكر اليهودي الكندي هنري مكاو Henry Makow في مقال له في موقعه تحت عنوان: «الصراع الإيراني-الإسرائيلي تمثيلية»، أن جواد ظريف تسكَّع في أمريكا لمدة عشرين عامًا مع وزير خارجية أمريكا الأسبق جون كيري John Kerry. فيما قضى الرئيس السابق، حسن روحاني، ست سنوات في أسكتلندا يتسكع مع جاك سترو Jack Straw – أصدقاء اللورد ليفي Lord Levy – أصدقاء اللورد جاكوب روتشيلد Lord Jacob Rothschild. أما المرشد الأعلى لإيران السيد، علي خامنئي، فقد تخرَّج في جامعة باتريس لومومبا في موسكو.

مرّة أخرى التاريخ يُزوَّر أمام أعيننا، فكيف لتاريخ مضى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد