أعطنى إعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعي

جوزيف جوبلز وزير إعلام ألمانيا النازية

النازية والرايخ الثالث المرعب كابوس أوروبا الذي لايزال يؤرقها بأحداث يصعب نسيانها تفيض وحشية وقمعا يندر أن تجد لهما نظيرا إلا في العصور الوسطى حيث محاكم التفتيش والحكم بالحق الإلهى ليظل في القارة العجوز إلى الآن كل ما يمت إلى ألمانيا الهتلرية بصلة بدءا من الصليب المعقوف شارة النازيين الشهيرة مرورا بتحيتهم العسكرية الفاشية رمزا للديكتاتورية وسلطة حكم الفرد في أعتى صورهما ومثالا صارخا على الكراهية العمياء للآخر بلا أي حدودا تقف عندها، وتجسيدا معتبرا للعنصرية الفجة التي بلغت من القوة وقتها ما لم يجعلها بحاجة لأن تتوارى خلف أدنى ستار أو تموه عن نفسها بأي غطاء. تسلم الفوهرر الرهيب مقاليد السلطة في الثلاثين من يناير 1933 بعد عقد كامل من سعي دؤوب إليها بدأه والد النازية بانقلاب بير هول الفاشل الذي ألقى بة إلى غياهب السجون عام 1923 مرورا بست استحقاقات انتخابية خاضها حزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني (الحزب النازي) حاصدا في نهاية الأمر أغلبية مقاعد البرلمان الألماني (الرايخستاج) ليصبح الحزب أكبر أحزاب ألمانيا ويصبح زعيمه لاحقا مستشارا لها.حرب عالمية مدمرة أشعل نارها هتلر كان معظم أرجاء العالم مسرحا لها، ما يزيد عن الستين مليون قتيل قضوا فيها وسط تدمير شبه كامل طال أغلب أرجاء أوروبا وامتد في كثير من الأحيان إلى خارجها، معسكرات تعذيب رهيبه للأسرى ومحارق لأقليات رآهم النازيون أدنى من البشر لا يستحقون الحياة نفسها. ظل الألمان خلف قائدهم وسط كل هذا ومنذ الصعود المبهر لهتلر حتى السقوط المدوي وخلال انتصارات الفوهرر الساحقة عند بدء الحرب والتي من أبرزها ولا ريب احتلال فرنسا عدوة هتلر اللدود وسقوط باريس في أيدي الألمان في يونيو (حزيران) 1940 حتى الهزائم المدمرة التي آذنت بانتهاء الرايخ الثالث حلم هتلر الأكبر وانتهائه هو نفسه بانتحاره في 30 أبريل (نيسان) عام 1945 وانتهاء الحرب هي الأخرى في أوروبا بسقوط برلين في أيدي السوفييت واستسلام ألمانيا للحلفاء مايو 1945. لعب جوزيف جوبلز وزير الدعاية السياسية ومسئول إعلام هتلر الأول طيلة عهد النازية وفوهررها دورا رئيسيا في صياغة الإعلام الألماني وحشد الأمة الألمانية وشعبها وجميع مصادرها حتى النهاية.انشأ جوبلز مدرسة إعلامية يحذو حذوها إلى الآن كثير من الديكتاتوريات وابتكر مبادئ وأسسا يتم السير عليها حتى اللحظة الراهنة في كيفية التلاعب بالجماهير وحشدها عند الحاجة والتعمية عليها وخداعها إن لزم الأمر ليظل جوبلز ولاريب أحد أبرز أساتذة غسيل عقول الجماهير وتضليلها ومنظرا للإعلام الكاذب لا يشق له غبار.

إعلام الديكتاتوريات المتشابه دائما واحد، أبرز أساتذته جوبلز وكيف تخدع الجماهير حتى النهاية

1- الترويج لنظرية المؤامرة«أهل الشر»

شماعة جاهزة دائما تتحمل عن الديكتاتور ونظامه الكثير وينسب إليها عند الضرورة أدنى خلل، نغمة كثيرا ما لعبت آلة الإعلام النازية ومن ورائها جوبلز على وتيرتها، بنهاية الحرب العالمية الأولى نوفمبر 1918 وهزيمة ألمانيا فيها انتشرت بين أحزاب اليمين الألماني حديثة النشأة وقتها وبين النازيين منها نغمة أن الجيش الألماني لم يهزم في ساحة المعركة بل تعرض لمؤامرة وخيانة من الجبهة الداخلية وطابورها الخامس فيما يعرف تاريخيا بنظرية الطعنة في الظهر، لاقت تلك النظرية قبولا واسعا بين عموم الألمان الراغبين في تناسي مرارة الهزيمة وساعدت معاهدة فرساي يونيو 1919 وبنودها المجحفة في ترسيخ نغمة مؤامرة الخارج وأعوانه في الداخل على ألمانيا، كان هتلر بنبرته الغاضبة وقدرته الخطابية العظيمة ولا جدال أبرز تجسيدا لغضبة الشعب الألماني وقتها ضد المؤامرة المزعومة مما ساعد على ارتفاع شعبيتة سريعا واكتساب الحزب النازي لتأييد كثيرين، ظلت تلك النغمة مصاحبة للهتلرية حتى النهاية مع تبديل الأعداء المفترضين وأركان المؤامرة بين حين وآخر فمن هيستيريا معاداة الشيوعية إلى إنجلترا وفرنسا لعب الترويج لنظرية المؤامرة في الإعلام النازي ومحركه جوبلز دورا حيويا في حشد الشعب الألماني إلى آخر لحظة ممكنة ضد أعداء الوطن كما يراهم النازيون.

لا تزال إلى الآن في إعلام الديكتاتوريات المعاصرة تلك النغمة تلقى رواجا وتجد أذنا سامعة لها بين عموم الناس عن عدو الداخل الخائن والمتواطئ مع الخارج الذي يهدف لإسقاط الدولة ويتحمل كثيرا من أسباب أزماتها ويتم استغلال ذلك العدو المفترض دائما في إلقاء تبعات الفشل عليه.

2- احتكار الوطنية

الفيلم الدعائى النازي انتصار الإرادة 1935يعد الفيلم الدعائي النازي انتصار الإرادة 1935 أحد أبرز الأفلام الدعائية السياسية المثيرة للجدل حيث أنه يعتبر نقلة حقيقية في الدعاية للأحزاب السياسية وزعمائها، ابتكر جوبلز في هذا الفيلم مصطلح «القائد فوق الأمة» ليظهر هتلر في بداية الفيلم أثناء حملة دعايته الانتخابية وهو داخل طائرته ينظر إلى بلده من السماء ليهبط بالطائرة فيستقبله عشرات الآلاف من الألمان وكأنه قائدهم المنقذ الذي ينتظرونه منذ أمد بعيد، برع جوبلز في إبراز شخص الفوهرر ويرجع إليه فضل كبير في تلك الهالة الكاريزمية التي ظهر بها هتلر وسحرت أعين ملايين الألمان فعبر تثبيت فكرة أن القائد هو الوطن والوطن بلا قائد ليس بوطن يبدو دائما لعموم الناس أن أي خروج عن الخط المرسوم الذي تسير علية الأمة وزعيمها المنقذ المفترض ليس إلا خيانة أو تخذيلا وليس فاعله إلا خائنا أو متواطئا أو يتحين الفرصة ليفعل كليهما فيخون ويتواطأ، يتجلى نجاح جوبلز في غسيل عقول الجماهير ومدى استطاعته اختصار الأمة الألمانية في شخص قائدها في الاستبسال المبهر للقوات الألمانية حينما لاح شبح الهزيمة وتفضيل كثيرين الانتحار وفاء لقائدهم وللفكر النازي ومنهم جوبلز نفسه، فاحتكار الوطنية وسحق أي بديل محتمل معنويا عبر دعاية تضليلية تستخدم فيها كل ما هو متاح تفرغ الحياة السياسية وتجرفها وتساعد في تثبيت دعائم الديكتاتورية وارتباط عموم الجمهور بالنظام بعد إفقاده الثقة في أي بديل على الساحة إن وجد، تحاول الديكتاتوريات المعاصرة فرض الصورة سالفة الذكر واحتكار الوطنية وتنحية أي بديل واغتياله معنويا وإن لم يعد بالإمكان ذلك فلا ينتج إلا صورة كاريكاتيرية مشوهة فيها الكثير من عبق الماضي البائد ولا تصلح لأن يبنى عليها مستقبل لأمة.


3- إعطاء الأمل الكاذب (خلق السراب)

اخر ظهور علنى للزعيم النازي محييا بضع من منظمة شباب هتلر قبيل نهاية معركة برلين

يظل دائما إيهام الجماهير بالانتصار الحتمي القادم أو الرخاء المنتظر في المستقبل عاملا مهما تكسب به الديكتاتورية وقتا وتطيل به عمرا، فخلق السراب يزيد من تحمل العموم للأوضاع الصعبة وتغذية الوهم والأمل الزائف وخلق بقعة ضوء في الأفق يطيل حتما في عمر الديكتاتور ونظامه. بإطباق الجيش السوفيتي على برلين من ثلاث جبهات اندلعت واحدة من أشرس معارك الحرب العالمية الثانية، استبسل فتية صغار والثلة الباقية من جيوش هتلر في الدفاع عن عاصمتهم ضد جيوش ستالين الجرارة، عانت الجيوش السوفيتية من خسائر فادحة ولكن لم يوقفهم شيء، اقتربت الحرب من نهايتها وبدا للجميع أن سقوط برلين أصبح مسألة وقت فقط، تمسك الإعلام النازي حتى اللحظة الأخيرة بإيمانه الزائف بحتمية النصر النهائي وظهر الفوهرر قبل أيام قليلة من انتحاره فيما يعد ظهوره العلنى الأخير محييا بضعة من شبيبة هتلر، بطولة نادرة أبداها فتية مراهقون في الدفاع عن برلين أدهشت الجنود السوفيت قبل أن يقتلوهم جميعا.

استمر أستاذ التضليل الأول جوبلز في بث الرسالة الإعلامية الواثقة من النصر حتى اللحظة الأخيرة وحتى بعد أن أصبح شبح الهزيمة جاثما يلوح في الأفق أمام أعين جميع الألمان.تعتمد الديكتاتوريات المعاصرة اعتمادا أساسيا على بث الوهم للجماهير كمسكن سريع المفعول تأمن به غضبة الجماهير إلى حين وتحاول به كسب الوقت ولكن في عصر السماوات المفتوحة وسلاسة نقل المعلومات لم يعد بيع الوهم مجديا وأصبح خلق السراب وبث آمال خادعة أمرا يثير سخرية الجماهير ويزيد من سخط العموم على النظام السلطوي.

4- التزييف الكامل (الإمعان في الكذب)

فريدريك فون باولوس قائد الجيش السادس الألماني ومخطط عملية بارباروسا لغزو روسياتعد معركة ستالينجراد الأسطورية والتي استمرت حوالى ستة أشهر كاملة ما بين أغسطس 1942 إلى فبراير 1943 نقطة التحول الرئيسية في مسار الحرب العالمية الثانية، لم يعد الجيش النازي كما كان قبلها أبدا وبدأ مسلسل الانحدار لأسفل للقوة الهتلرية الجبارة والتي كانت تعد لا تقهر، بعد صمود طويل يثير الإعجاب ووسط نقص معتبر للمؤن والإمدادات وسط ثلوج روسيا التي لا ترحم استسلم فريدريك فون باولوس قائد الجيش السادس الألماني ورجاله، طوابير لا تعد ولا تحصى من الأسرى الألمان سيقوا إلى معسكرات الاعتقال السوفيتية، لم تظهر أي من تلك المشاهد في نشرات الحرب الألمانية.

تطويع الحدث ليخدم النظام وبث الخبر بما يتوافق مع الخط المرسوم للديكتاتورية والكذب الكامل إن لزم الأمر من الركائز الأساسية التي اعتمد جوبلز عليها في مادته الإعلامية بدءا من المنعطف الثاني للحرب العالمية الثانية أي ما بعد ستالينجراد.

كلما كبرت الكذبة كلما سهل تصديقها.جوزيف جوبلز

فالإمعان في الكذب حينما لا تسير الأمور وفق ما يرتجي النظام والتضليل الفج للجماهير تعتبره الديكتاتوريات حقا أصيلا لها فبحجة الحفاظ على الروح المعنوية أو الحفاظ على ثبات واستقرار الجبهة الداخلية قد يذهب إعلام الديكتاتورية في تضليله إلى آخر المدى فترى الهزيمة وقد تحولت نصرا والضحية أصبحت جلادا يبطش.تعتمد الديكتاتوريات المعاصرة على مبدأ التزييف الكامل للحدث وتطويعه بما يتناسب مع خطها العام ولا تبث أبدا ما لا يتوافق مع رؤيتها للأحداث وقد تعمد إلى الإمعان الكامل في الكذب كما ذكرنا آنفا، مع النقلة النوعية لوسائل الاتصال وبث الخبر والتطور الجذري في وسائل الإعلام وتعدد مصادر نقل الخبر كثيرا ما يضع إعلام الديكتاتوريات المعاصرة نفسه في مواقف بالغة السوء ويظهر منه ما يثير الاستغراب والرثاء على حال من يتحكم فيما يتم بثه لوطن بأسره.

عناصر من الشرطة المصرية أعلى أحد المباني يقوم تليفزيون الدولة الرسمي باقتطاع الصورة وبثها على أنها لعناصر مسلحة من جماعة الإخوان المسلمين.


5- صناعة الجهل (نظرية التأطير)

تعد نظرية التأطير الإعلامي أي التحكم في شكل الخبر المعروض عن طريق إبراز جوانب منه والتركيز عليها أو إغفال جوانب أخرى وإهمالها عاملا رئيسا في تشكيل الوعي العام، فطريقة عرض الخبر والمعلومات التي يتم تناقلها معه تصنع رأيا عاما وتشكل وعيا لعموم الناس في مختلف القضايا البارزة التي يتم تناولها، استطاع جوبلز ولا ريب وآلة الإعلام النازية تشكيل الرأى العام الألماني برمته وفق ما يرتجي الفوهرر والنظام النازي عن طريق حصر المعلومات التي يتم طرحها في الإعلام تجاة القضايا البارزة التي يتم طرحها وإبراز جوانب فيها وإخفاء أخرى لتترسخ في عقول العموم فقط كما تريد الآلة الإعلامية، ليتم بناء موقف عموم الناس تجاه أي قضية وفقا للمعلومات التي تم إمداده بها عنها.تجد الديكتاتوريات المعاصرة لها في هذا المبدأ الخلاص وتلوذ به دائما وأبدا لتشكيل رأي عام مساند لها وتسيير المزاج العام للجمهور وموقفه تجاة القضايا البارزة وفق ما تريد فنرى في بعض الأحيان نتيجة الرسالة الإعلامية التي يقدمها صوت الدولة وطريقته في تقديم الخبر نماذج مشوهة تثير استغراب حتى بعض مؤيدي تلك الديكتاتوريات.

إذا لم ينقرض الجهل من بلداننا فسوف يأتي السياح ليتفرجوا علينا بدلا من الآثارنجيب محفوظ


إن عبثا هينا بكلمة إعلام يحولها ببساطة إلى إعدام

الشاعر أحمد مطر


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

هتلر
عرض التعليقات
تحميل المزيد