الشيفونية هي مصطلح يعني المغالاة غير المعقولة والمبالغة في انتماء الفرد لذاته أو مجموعته – العرقية أو الوطنية أو القومية أو الدينية – التي ينتسب إليها، حتى يعتقد أنها ذات تميز يجعلها فوق مثيلاتها جميعًا، ويمنح نفسه أو مجموعته بالتالي ما لا يمنحه للغير من حقوق ومميزات، ويرى أنهم فوق النقد وفوق المحاسبة والمؤاخذة.

وينظر للأفراد والمجموعات الأخرى نظرة دونية ويرى فيهم كل مسلبة ونقيصة.
والشيفونية حين تتغلغل في مجتمع ما فإنها تدفع به نحو الهلاك بخطى حثيثة، والأمثلة المعاصرة على ذلك واضحة وجلية، وليس أوضح من شيفونية هتلر ومجتمعه النازي التي حملتهم على تصنيف الجنس الآرى كجنس سام تجلس تحت قدميه كل الأجناس الأخرى، ثم ترجمة ذلك التصنيف من خلال كل ما مارسوه، بداية من محاولتهم لحكم العالم والسيطرة عليه واحتكار خيراته، وحتى تجاربهم على البشر والتي استخدموا فيها الأجناس الأخرى كحيوانات تجارب.
وللأسف فقد تسربت الشيفونية إلى مجتمعنا وظهرت أعراضها عليه في الفترة الأخيرة بوضوح. تسربت من خلال العسكر أولًا، ثم راحت أعراضها تنتقل منهم إلى بقية المجتمع مع محاولاتهم إعادة ترسيخ نظامهم بعد ثورة 25 يناير. والشيفونية التي نصفها هنا هي شيفونية عسكرية. بمعنى أنها تنبثق من الانتماء لتلك الفئة والانتساب إليها.

 

وأعراض تلك الشيفونية واضحة في جوانب كثيرة، نورد بعضها على سبيل المثال لا الحصر.

شيفونية العسكر الدينية:

“خير أجناد الارض”، تلك هى العبارة التى اعتمد عليها العسكر للتدليل على تميزهم من ناحية الدين، ورغم أن مدار تخريج روايات الحديث المحتوى على تلك العبارة عند المحدثين لا يخرج عن الضعف او الانكار، ورغم أنه حتى إن  صح الحديث فإنه يوجد أحاديث أخرى لا تقل عنه قوة ولا عددا ولا فضلا تتحدث عن فضل جند اليمن وجند الشام وجند اكناف بيت المقدس وغيرهم، إلا أننا هنا سنفترض صحة الحديث، ونفترض تفردهم بالفضل. ونتجاوز ذلك الى ما يقتضيه المفهوم المطروح.
 
فالخيرية المطروحة من مفهوم شيفونيتهم هى خيرية مطلقة، تقتضى فساد كل من يعارضهم تعاظمت معارضته لهم أو قلت، حقا كان منطلقها أو باطلا.  وتقتضى انهم الأخيار الذين لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم. ورغم أن ذلك المفهوم لم يوجد قط فى أمة الإسلام حتى فى خير قرونها،ورغم أن فى قول الله تعالى لنبيه (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم) إشارات لا يمكن التغاضي عنها، ورغم ان عمر بن الخطاب خير الأمة بعد نبيها وأبى بكر رضى الله عنهم اجمعين، واحد المبشرين بالجنة ،قد ردته امرأة من العامة عن تحديد المهور، ورغم كل تراث الأمة الذى لا يثبت عصمة ولا خيرية مطلقة لأحد، إلا أنهم ادعوها لأنفسهم مطلقة لا تقبل شكا ولا جدالا. 
 
فهم إن قتلوا فلا شك أن قتيلهم مهدور الدم،لأنهم الأخيار. وإن اعتقلوا فلا شك أن سجينهم شقى، لأنهم الأخيار. وإن اغتصبوا فلا شك أن ما اغتصبوه مستباح، لأنهم الأخيار. هكذا بلا أدلة معتبرة، أو تحقيق منصف. فهم الأخيار مهما فعلوا أو انتهكوا أو استباحوا. هم الأخيار مهما خالفوا من نصوص أو ثوابت أو تعاليم.
 
وكأنهم يقولون  (نحن اخيار الله واحباؤه).

شيفونية العسكر الوطنية:

لم يجعلوا من أنفسهم منتسبين للوطنية، بل جعلوا أنفسهم الوطنية ذاتها. فهم الوطن والوطنية مجسدة في الواقع. موالاتهم موالاة للوطن، ومعارضتهم خيانة له. ما يتخذونه من قرارات هي مصلحة الوطن بلا حاجة إلى بحث أو دراسة، وما يمنعونه عن الشعب فمن أجل مصلحة الوطن ولا ريب.

لا حاجة إلى أدلة أو مبررات أو حتى منطقية، فهم الوطن والوطنية!!!.
من ينعتونه بالخيانة فهو كذلك بدون أن يحتاجوا إلى تقديم أدلة، حتى وإن كان تاريخه مليء بالعمل والتضحيات للدين والأمة والمجتمع والدولة، ومن يمنحونه صك الوطنية فهو وطني بلا شك، حتى وإن كان تاريخه مليء بالفساد والإفساد، وإكثار ثروته على حساب الشعب المطحون.

وطني مهما تواترت الأدلة واجتمعت على أنه أبعد ما يكون عن اتصافه بهذه الصفة.

 

شيفونية العسكر المهنية:

فالمهن العسكرية – من وجهة نظرهم- هي أسمى المهن وأرفعها قدرًا!! فهم من يضحون بأنفسهم من أجل حماية الوطن والشعب، وهي تضحية تتصاغر دونها قيمة كل تضحيات المهن الأخرى، فتضحيات الأطباء مثلًا في رعايتهم لمرضاهم وتعريضهم أنفسهم لشتى أنواع الأمراض والعدوى من أجل قيامهم بمهامهم تتصاغر دون احتمال تعرضهم هم لرصاصات العدو.
ومجهودات المهندسين والصيادلة والعمال في مصانعهم، لا ترقى لمقارنتها بمجهوداتهم هم في السهر على حماية الوطن. ودور المدرسين وأساتذة الجامعات والعلماء في بناء علم ومفاهيم وعقول الأمة، دور ضئيل بالنسبة لدورهم السامي.
فالتضحيات الحقيقية منهم وحدهم، والبقية مجرد أدوار تكميلية لم تكن يومًا أساسية!

 

شيفونية العسكر العقلية والإدارية:

حتى عقولهم هي عقول سامية لا تقارن بعقول غيرهم، حتى إنه من الطبيعي أن يقوموا هم بتصحيح دين الأمة بدلًا من علمائها، والطبيعي أنهم أجدر بالإدارة من أربابها مهما كانت خبراتهم، والطبيعي أنهم أقدر من متخصصي كل مجال وعلمائه على تحديد الصواب فيه من الخطأ. ولذلك فلا نزاع في أن من الطبيعي أن يكون منهم مدراء الشركات والمشاريع والهيئات، وأن يصبحوا محافظين ووزراء ورؤساء الأحياء والوحدات المحلية والبلدية، وأن يكون منهم (الخبراء الاستراتيجيون) الذين يفهمون كل شيء ويعرفون كل شيء. فهم عقول لا تضاهيها أو تنافسها عقول.

شيفونية العسكر الاقتصادية:
ولأنهم متميزون في دينهم ووطنيتهم وأعمالهم وعقلياتهم، فطبيعي جدًّا أن يتميزوا في العائد الذي يتلقونه من الدولة.

فزيادة رواتبهم لتوفر لهم المعيشة المرفهة في حين أن رواتب كثير من القطاعات الأخرى لا توفر حتى الحد الأدنى من المعيشة الكريمة، هو أمر لا يستحق التفكير فيه ولا التوقف أمامه. وزيادة معاشات متقاعديهم بأثر رجعي لعدة مرات على الرغم من تخفيض قيمة الموضوع في ميزانية الدولة لتنمية الصعيد الذي لا تجد قراه الحد الأدنى من الخدمات المعيشية هو أمر بديهي مسلم به.
ولو ظللنا نعدد الأوجه الظاهرة لتلك الشيفونية ما انتهينا، ولكننا ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي تفسير كثير من أفعالهم من خلال منظور الشيفونية.

بداية، الشيفونية العسكرية تأبى الخضوع لأي نوع من أنواع الرقابة أو المحاسبة الخارجية، وكيف يحاسبهم من هم دونهم في كل شيء؟!

 

ولذلك كانت معركة رفض الرقابة على ميزانية الجيش هي معركة ذات منطلق شيفوني قبل أن تكون معركة مصالح. ولذلك رأينا وسمعنا قائدهم وهو يعدهم أن من يقتل أو يصيب أحد المتظاهرين فلن يحاسب.
وذلك أيضًا هو منطلقهم للتوسع في المحاكمات العسكرية.

وشيفونيتهم هي التي دعتهم إلى بث مفهوم أن مصر لا يصلح لحكمها إلا رجل عسكري، وهو مفهوم مغرق في العنصرية والشيفونية، يقصي كل الفئات الأخرى عن حقها المشروع في المشاركة في القيادة، بل والانفراد بها إن استحق ذلك.

وشيفونيتهم هي التفسير المنطقي لحديثهم عن دول على اعتبار أنها أنصاف دول، واحتقارهم لدول أخرى لصغر مساحتها أو قلة تعداد سكانها. واندفاعهم لانتهاك سيادة دول أخرى تحت دعوى (أحقية الرد)!
وشيفونيتهم هي أيضًا التي دفعتهم لمناطحة كل القواعد العلمية المعروفة والدفاع عن اختراع لقيط بلا أصل علمي ولا دليل منطقي.

وتدريجيًّا نجح العسكر في ترسيخ شيفونيتهم في نفوس مؤيديهم، حتى تمكنوا بمنتهى البساطة من انتزاع (شيك على بياض) بتأييد كل أفعالهم تأييدًا مطلقـًا، وسموه (تفويضًا)، فالتأييد المطلق لا يكون إلا لصاحب العصمة المطلقة، وإلا فلو أني أفترض في طالب التفويض احتمالية حدوث الخطأ لطالبته بخطة محددة أؤيده فيها أو أعارضه بدلًا من تفويضه الذي يطلبه.

وكذلك انتقلت أعراض الشيفونية لمجتمع المؤيدين، فصاروا يرون أنفسهم أنهم (شعب الدولة الحقيقي)، والبقية دخلاء لقطاء، لا مكان لهم في وطن لا يؤيدون ما يحدث فيه وإن كان خارجًا عن كل منطق ومنافيًا لكل تعقل.

هذه هي الشيفونية التي تسربت وترسخت في مجتمعنا في الأشهر الماضية، ولا نعلم إن كان سيفيق من سكرتها المجتمع ويقلع عنها، أم أنها ستقوده سريعًا إلى حتفه؟!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد