ضمن التركيبة الفسيفسائية اللبنانية الثماني عشرية الدينية والطائفية، يوجد طائفة اسمها الطائفة الشيعية يقدر نسبتها في لبنان بنسبة 27% من سكانها ويشكك كثيرون بهذا الرقم، يعتقد أن الطائفة الشيعية من أكبر الطوائف اللبنانية المتواجدة على الأرض اللبنانية في مجتمع أكثر من نصفه مغتربون في القارات العالمية، عاش الشيعة قرونًا من الفقر والقهر والتهميش، يتركز الشيعة في جنوب لبنان والمناطق الغربية والشمالية من واد البقاع وجبيل، مع الهجرة الريفية للعاصمة بهدف العمل والهروب من الفقر تحولت الضاحية الجنوبية لبيروت معقلا سكانيًا للطائفة الشيعية ومربعًا أمنيًا وحزبيًا لحزب الله اللبناني، فيها تقام كل احتفالاتهم الدينية والسياسية المركزية بالإضافة لاستعراضاتهم العسكرية، الضاحية التي تهدد إسرائيل دائمًا بتدميرها بأي حرب قادمة.

 دخل الفلسطينيون لبنان عقب نكبة الـ48، مورست الطائفية حتى مع اللاجئين الفلسطينيين، تم تجنيس اللاجئ الفلسطيني المسيحي وبعض اللاجئين المسلمين من أصحاب رؤوس الأموال، فيما مكثت الأغلبية الفقيرة المسلمة في المخيمات الموجودة اليوم في لبنان وعددها 12 مخيمًا منظمًا ومعترفًا بها من قبل الأنروا (UNRWA) «وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين»، وعدد من التجمعات في المدن والقرى اللبنانية، الأرقام السكانية في لبنان ليست أقل شأنًا من أسرار إسرائيل النووية، فالجميع يتحسس منها سواء إحصاء الطوائف اللبنانية أو اللاجئين الفلسطينيين، يقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين بحوالي نصف مليون والرقم قابل للنقض والطعن أيضًا.

تأسست حركة فتح وعديد من الفصائل اليسارية الفلسطينية وكانت لبنان أحد أهم الساحات للقوى الفلسطينية المختلفة، ركز الفلسطينيون على الطائفة الشيعية المتمركزة في جنوب لبنان والقريبة من شمال فلسطين، اجتذبت الفصائل الفلسطينية الكثير من أبناء الطائفة الشيعية التي كانت بحاجة لحاضنة شعبية فيما كانت فرصة للشباب اللبناني لإثبات الذات في بلد يعيش فيه الشيعة التهميش والفقر المتعمد من أنظمة الحكم المتعاقبة على لبنان عبر التاريخ، كانت القرى الجنوبية بلا كهرباء ولا أسفلت ولا خدمات، الشيعة خصوصًا والمسلمون اللبنانيون عمومًا شعروا بهيمنة مسيحية سياسية وأمنية على لبنان بعد الاستقلال عام 1943، حدثت خلافات واشتباكات لبنانية داخلية في أواخر الخمسينيات، حدثت اشتباكات فيما بعد بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني، إلى أن تم التوصل لاتفاق القاهرة عام 1969 رعته مصر وجمال عبد الناصر شخصيًا، وقعه ياسر عرفات عن الفلسطينيين وإميل بستاني عماد الجيش اللبناني، عمليا هذا الاتفاق كان بمثابة إقرار وشرعية للسلاح الفلسطيني داخل لبنان، كان الفلسطينيون قد تعرضوا لهزيمة قاسية ومذابح على يد النظام الأردني بمساعدة إسرائيل وقوى أخرى فيما عرف بأيلول الأسود، أصبحت لبنان مركز الثقل الفلسطيني.

الشعارات الثورية والحماسية أشعلت الوعي الثوري والوطني والقومي والديني للشباب الشيعي المقهور، يروي أنيس النقاش الكاتب اللبناني المعروف أن أول لقاء جمع موسى الصدر مع الحركة كان سنة 1971 مع سمير أبو غزال المعروف حركيا (الحاج طلال) حيث اقترح الصدر تشكيل «كتائب الإمام علي بن أبي طالب» لمحاربة إسرائيل إلى جانب الفلسطينيين، كان هناك مجموعة من الشباب المتدين متحمسًا لقتال إسرائيل لكن ليس في صفوف فتح العلمانية، كان لفتح فرق خاصة في الأردن ولبنان للمتدينين حيث احترمت خصوصياتهم العقائدية، رفض الاسم لأسباب غير معروفة واتفقوا في النهاية على تشكيل أفواج المقاومة اللبنانية «أمل» وأطلق عرفات شخصيًا عليها هذا الاسم، وأقيم أول معسكر تدريبي للأفواج أشرف عليه ضباط من حركة فتح، في عام 1974 أسس الصدر حركة سياسية أسماها المحرومين، وألحق بها أفواج المقاومة أمل كذراع عسكري لتشكيله السياسي، بالمناسبة الصدر ليس لبنانيا إنما إيرانيا قدم للبنان من قم إيران بأوامر من الشاه ومنحه الرئيس اللبناني استثنائيًا الجنسية اللبنانية، ليتحول إلى زعيم الشيعة في لبنان والذي اختفى عام 1978 أثناء زيارة لليبيا، قال علي نوري زادة في حديث لقناة العربية وهو صديق موسى الصدر كما ادعى أن القذافي أذابه بالأسيد.

عام 1979 سيحدث زلزال سياسي يهز المنطقة والعالم وهو نجاح الثورة الخمينية في إيران، ألهمت الحماس في عقول وقلوب كل الإسلاميين العرب سنة وشيعة، الإخوان المسلمون وحركة فتح كانوا أول المرحبين كما كل الأحزاب اليسارية والشيوعية والمعارضات جميعها في العالم العربي، الإخوان اعتبروها بارقة أمل ولبنة أولى لإمكانية صعودهم للحكم في البلدان العربية بشكل ثورة ديموقراطية أو كسر قاعدة احتكار القوى العلمانية للسلطة، حركة فتح سرت جدًا لأن إسرائيل خسرت صديقًا مهمًا وحليفًا قويًا، ارتعب العالم وارتعب العرب أكثر، خصوصًا مصر والأردن ودول الخليج، السادات قال أخشى أن أجدهم في قصري صباحا في محادثة مع الأمريكان، دول الخليج كانت تعتبر الشاه صديقا وما زاد الرعب العربي ما أسماه الخميني مبدأ «تصدير الثورة»، الخميني الذي عاد فاتحًا من باريس كان من أولى أهدافه إسقاط النظام العراقي الذي يترأسه صدام حسين، أقام الخميني سنوات في العراق وشعر أن الشيعة مضطهدون في العراق، اشتعلت الحرب العراقية-الإيرانية التي قال عنها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان «هي الحرب التي أتمنى أن لا ينتصر فيها أحد» استمرت الحرب 8 سنوات ودفع العرب باتجاهها بقوة وأطلق الملك حسين القذيفة المدفعية الأولى في إشارة للدعم العربي للعراق، سيكون لسوريا وليبيا موقف أخرى وإن كان الموقف الليبي غير علني.

بعد الانتهاء من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 شكل الرئيس اللبناني إلياس سركيس لجنة الانقاذ للتعامل مع نتائج الاجتياح الإسرائيلي للبنان، كان من ضمنها بشير الجميل حليف إسرائيل الذي أثخن قتلا في مسلمي لبنان ونبيه بري، ضجت حركة أمل والقاعدة الشيعية في لبنان، انشق الكثير من نشطاء حركة أمل خصوصًا أولئك المتدينين، حسين الموسوي الشخصية البارزة في حركة أمل دعا للتحكيم الإيراني في المسألة، احتكموا عند السفير الإيراني علي أكبر محتشمي سيصبح فيما بعد وزيرًا لداخلية إيران، أصدر حكمًا ضد بري الذي لم يلتزم به، انشق الموسوي وأسس حركة «أمل الإسلامية» فاجتمع المكتب السياسي لحركة أمل في بيروت وفصل الموسوي.

يمكن اعتبار أمل الإسلامية اللبنة الأولى لتشكيل حزب الله اللبناني، تجمع من المشايخ والمتدينين وتيارات إسلامية مختلفة والمنشقين عن حركة أمل وكوادر حركة فتح من الشيعة بعد خروج منظمة التحرير من بيروت، القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية الذي أغتيل في دمشق 2008 من بين هؤلاء الذين قدموا من حركة فتح، ووريث مغنية مصطفى بدر الدين أيضا المتهم باغتيال الحريري، قتل في سوريا أيضا بعملية اغتيال قبل أقل من عامين.

يمكن اعتبار السنوات الثلاث الأولى لتشكيل الحزب بالدعوة ما بين السرية وشبه السرية، لحركة أمل من الوسائل القهرية ما يمكنها من قمعهم ومن جملة أسباب الانشقاق عن حركة أمل عدى السياسية، تجاوزات مثل الفساد والسرقات وما شابه وانتهاكات وفظاعات ارتكبتها حركة أمل في الحرب.

نشأ حزب الله في ظروف طغى عليها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي الذي وصل بيروت، كان استهداف مبنيين للقوات الأمريكية والفرنسية في 23 أكتوير 1983، خرجت هذه القوات بخيبتها، سبقها مقاومة بإطلاق نار على قوات المارينز الأمريكية فقتل جنديًا أمريكيًا، واختطاف ديفيد س.دودج رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت وإمضائه سنة في الأسر قضى جزأ منها في إيران، واختطاف ويليام باكلي رئيس الاستخبارات الأمريكية في بيروت، تصاعدت عمليات اختطاف الغربيين، اختار حزب الله اسم الجهاد الإسلامي لتنفيذ هذه العمليات ونفى تورطه، دمرت السفارة الأمريكية غرب بيروت في نيسان 1983.

كانت المحاولة الأولى للتأسيس في حزيران 1982 في اجتماع أثناء مشاركة شخصيات لبنانية في مؤتمر للتيارات الإسلامية عقد في العاصمة الإيرانية طهران في يوم ما سمي «يوم المستضعفين في العالم» حيث بلغ مسامع الحاضرين الاجتياح الإسرائيلي للبنان، اقترحت إيران إرسال وفد إيراني للنظام السوري لطرح مبادرة لمساعدة اللبنانيين في مقاومة الاجتياح الإسرائيلي، عاد الوفد وقد حقق إنجاز سماح السلطات السورية بالسماح لوحدات الحرس الثوري بالعبور للأراضي البنانية عبر سوريا، تجمع تسعة أعضاء من الإسلاميين من بينهم صبحي الطفيلي الأمين العام الأولى لحزب الله والشيخ عباس الموسوي الأمين العام الثاني وحسن نصر الله الأمين العام الحالي ومحمد يزبك عضو مجلس شورى حزب الله، عقدت أولى اجتماعاتها بعد الاجتياح الإسرائيلي بأسبوعين، لم تستمر الهيئة التأسيسية من الأعضاء التسعة طويلا، حلت محلها لجنة من خمسة أشخاص سميت «شورى لبنان» بمباركة إيرانية وسيصبح اسم شورى لبنان رسميا «حزب الله» كتسمية رسمية ثابتة في أيار 1984.

في 16 فبراير أصدر الحزب البيان التالي «ملتزمون بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله وأيه الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة»، في أواسط الثمانينيات حدثت حرب المخيمات التي قادتها أمل وقوى فلسطينية حليفة لسوريا بدعم سوري كامل ضد الفلسطينيين، يسجل لحزب الله عدم مشاركته في هذه الحرب القذرة ضد التواجد الفلسطيني، صدرت بيانات منددة من حزب الله لحركة أمل واتهمتها بالإضرار بالمصالح الشيعية في لبنان وصورة الشيعة واتهمت الحركة بخدمة إسرائيل، وانشق أحد قادتها أبو علي الديراني وسمى مجموعته اسم «أمل المؤمنة» سينضم لحزب الله فيما بعد، خاض حزب الله معارك قاسية فيما بعد ضد حركة أمل فيما عرف بحرب الأشقاء بدأت في عام العام 1987 في الجنوب، وامتدت لإقليم التفاح وشرق صيدا في نيسان 1988، كانت في البداية الغلبة لحركة أمل حيث وصفه نبيه بري بالنصر على الراديكالية والخطف والإرهاب، لكن تمكن بعد وقت قليل حزب الله من السيطرة على 80% من الضاحية الجنوبية لبيروت معقل الشيعة في العاصمة وانحسر تواجد أمل في منطقة الشياح، فيما اشتبك حزب الله مرارا وتكرارا وحدثت حوادث قتل متبادلة بينه وبين الجيش السوري، يبدو أن سوريا وإيران لم تكونا على وفاق تام في تلك الفترة، بقيت العلاقة بين أمل وحزب الله قائمة على المناكفة حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، كثير ما اشتبك بالأيدي والعصي جمهوري الفريقين ولجانهم الطلابية في الضاحية كتلك التصرفات الصبيانية لأنصار فتح وحماس في الأراضي الفلسطينية في بعض الأحيان قبل انقسام 2007، ليومنا هذا يحيي أنصار أمل ما يسمونه مذبحة إقليم التفاح التي ارتكبها حزب الله بحق عناصر أمل، تمتنت العلاقة بين الطرفين أكثر من أي وقت مضى بعد 2005 عام اغتيال الحريري بسبب الخطر الداهم الذي شعر به الطرفان ليومنا هذا.

تصاعدت وتيرة المقاومة اللبنانية التي قادها حزب الله ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، تحديدا في محيط صور في البداية ثم انتقلت لباقي الجنوب، حيث قام الحزب حتى تاريخ الانسحاب الإسرائيلي بـ1493 عملية فدائية، وقتل الحزب من إسرائيل وفق تقديرات إسرائيلية ما بين 22 إلى 23 جنديًا إسرائيليًا سنويا، في عام 1988 وصل هذا الرقم إلى 36 جنديًا إسرائيليًا، كلف الاجتياح الإسرائيلي للبنان على مدار 18 عاما 1200 جندي، كانت فاتحة هذه العمليات تدمير مبنى الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور في نوفمبر 1982 حيث قتل 74 جنديًا إسرائيليًا بضربة قاسية وظل اسم المنفذ مجهولا حتى اعلنه حزب الله في ايار 1985 وهو الشهيد احمد قصير منفذ العملية الاستشهادية الأولى لحزب الله، وبعد عام اقتحمت سيارة ملغومة مقر المخابرات الإسرائيلية في صور وقتلت العشرات، بعد خروج منظمة التحرير شاركت بعض القوى الفلسطينية الحليفة لسوريا وحركة أمل ببعض العمليات جنوب لبنان.

سياسيًا أيد حزب الله اتفاق الطائف بتحفظ وشارك لأول مرة في الحياة السياسية اللبنانية عام 1992 وحصد 12 نائبًا، سيلعب بعدها حزب الله دورًا مهمًا في الحياة السياسية اللبنانية البرلمانية والحزبية والاجتماعية، وسيصبح الممثل الأول للطائفة الشيعية في لبنان، تصاعد هذا الدور عقب الانسحاب الإسرائيلي، واجه حزب الله أزمة القرار 1559 الذي دعا لسحب سلاحه، ثم واجه بعدها أزمة خطيرة جدًا تمثلت باغتيال الحريري 2005 واتهامات مباشرة أو غير مباشرة لحزب الله بقتل الحريري أو التواطؤ مع من قتلوه أو الدفاع عنهم، وجه إصبع الاتهام بشكل قوي للنظام السوري آنذاك، تلقى الحزب ضربة قاسية عام 2008 باغتيال قائده العسكري عماد مغنية في أحد ضواحي دمشق قرب مركز أمني سوري استخباري مهم، حلل البعض إمكانية شراء ذمم بعض كبار مسؤولي الأمن السوريين لاغتيال الرجل، سرب كلام نقل على لسان زوجة مغنية غير موثق المصدر، كلام باتهام سوريا باغتياله قال وليد جنبلاط أيامها «إن الذئاب تنهش لحم بعضها» في تلميح بإمكانية تواطؤ سوري بقتل مغنية، لليوم لم يرد حزب الله على اغتيال مغنية.

واجه حزب الله المعضلة الأكبر التي تمثلت بالثورة السورية، يعتبر حزب الله سوريا رئته التي تمده بكل احتياجاته، سقوط سوريا يعني إنهاء لوجود حزب الله وفرصة لخصومه بالانقضاض عليه وكسره سياسيًا وعسكريًا، دفع الحزب بالآلاف للقتال في سوريا دفاعًا عن نظامها، فقد العديد من أبرز قادته ومقاتليه في هذه الحرب إما قتلا بالمعارك أو قصفًا إسرائيليا يستهدفهم مثل سمير القنطار ونجل عماد مغنية ومصطفى بدر الدين المتهم بقتل الحريري مع 4 آخرين من حزب الله، بدأ بدر الدين حياته العسكرية في قوات الـ17 التابعة لحركة فتح الفلسطينية وانضم بعدها للخلايا الأولى لحزب الله، كان مكث 7 سنوات في السجون الكويتية وفر منها في الاجتياح العراقي للكويت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد