يمثل حزب التحرير تونس أحد الفروع المكونة لحزب التحرير الذي تأسس سنة 1953 في القدس، ويدعو الحزب إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية التي يراها النظام الأمثل لإدارة حياة الناس.

وقد تحصل الحزب في تونس على التأشيرة القانونية بعد الثورة في 17 جويلية/ يوليو من سنة 2012 بعد رفض مطلب التأشيرة في مرة أولى بدواعي مخالفة النظام الجمهوري والمادة الثالثة من الدستور.

عاد الحزب مرة أخرى إلى الواجهة بعد أن ارتبط اسمه بضجة إعلامية نتجت عن الملفات القضائية التي تعلقت به.

وقد خلفت هذه القضايا ردود فعل من أطراف حكومية وحقوقية عديدة، إما مساندة للحزب مستغربة إقحام القضاء العسكري في مثل هذه المسائل وإما مساندة للقرارات الصادرة وصلت حد المناداة بحل الحزب.

ملفات ثلاث وردود فعل مختلفة

أصدرت وزارة الداخلية في وقت سابق قرارًا بمنع انعقاد المؤتمر السنوي لحزب التحرير الذي كان من المقرر أن ينعقد في 4 جوان/ يونيو الفائت، وقد قدم الحزب طعنًا في هذا القرار أمام المحكمة الإدارية التي أصدرت قرارها في مادة توقيف التنفيذ [1] قبل يوم من موعد المؤتمر.

لم تلتزم وزارة الداخلية بإيقاف قرار المنع بحجة أنه لم يتم إعلامها بذلك[2] فيما أصدر والي تونس قرارًا بغلق قاعة المؤتمرات بالعاصمة معتمدًا في ذلك على حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد، وقد صرح بأن قراره أتى بعد معاينة مناشير ولافتات للحزب تمس بالنظام العام وتحرض على الدولة[3].

الملف الثاني الذي تعلق بالحزب كان بعد تقدم المكلف العام بنزاعات الدولة إلى المحكمة الابتدائية بتونس التي أصدرت إذنًا على عريضة في 15 أوت/ أغسطس 2016 يقضي بتجميد نشاط حزب التحرير لمدة 30 يومًا.

وقد طعن الحزب في هذا الإذن أمام الدائرة المدنية للمحكمة الابتدائية التي ألغت هذا التجميد في 29 أوت/ أغسطس ما مكن الحزب من العودة لسالف نشاطه، ويصدر بيانـًا في اليوم الموالي بعد إزالة أعوان الأمن لشعار الحزب المثبت فوق مقره في أريانة، جاءت فيه عبارات «لتعلم الحكومة ومجرموها وأسيادها الإنجليز أن هناك رؤوسًا وأيادي ستقطع، كان سببًا في فتح تحقيق جديد بعد أن أذن وزير العدل للوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس بفتح بحث تحقيقي بخصوص هذا البيان، وقد صرح سفيان السليطي الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بأن النيابة لم تتخل عن التحقيق في هذا البيان لفائدة القضاء العسكري.

أما القضاء العسكري فقد أذن بفتح تحقيق في بيان الحزب الصادر بتاريخ 27 مايو 2016[4] تحت عنوان «الصهاينة يقتلون المسلمين في فلسطين ويهودون المسجد الأقصى والحكومة الثورية في تونس تسخر الضباط والجنود لحمايتهم وتسهيل حجهم كل عام؟»، وقد أشارت وكالة الدولة العامة لإدارة القضاء العسكري أن بيان الحزب تضمن تصريحات خطيرة تتعدى مجرد النقد والاستنكار، كما تضمن دعوة مباشرة للعسكريين للنفور من الخدمة العسكرية والانضمام للحزب.

تم استدعاء الممثل القانوني لحزب التحرير عبد الرؤوف العامري للمثول أمام قاضي التحقيق بالمحكمة العسكرية من أجل استنطاقه يوم 20 سبتمبر، وقد حضر في هذه الجلسة المحامون العشر الممثلين للحزب، ولم يحضر الممثل القانوني للحزب، وقدم فريق الدفاع تقريرًا بينوا فيه أن المحكمة العسكرية قضاء استثنائي يختص في الجرائم العسكرية فقط.

وقد أثارت القضايا المتعلقة بحزب التحرير ردود فعل مختلفة؛ إذ انتقدت جمعية القضاة التونسيين[5] في بيان لها عدم تطبيق قرار المحكمة الإدارية بعقد مؤتمر حزب التحرير معتبرة أن «التبريرات التي قدمها والي تونس وأطراف حكومية لعدم الإذعان لقرار المحكمة الإدارية بخصوص عقد المؤتمر السنوي لحزب التحرير هي تبريرات غير مقبولة تمامًا «خاصة لمساسها بهيبة القضاء انطلاقـًا من «استفحال ظاهرة عدم تنفيذ الأحكام القضاء الإداري.»

الرئيس السابق المنصف المرزوقي ساند حزب التحرير وانتقد قرار المنع من إقامة المؤتمر أيضًا في تدوينة على صفحته في فيسبوك معتبرًا أن «التلاعب بالمبادئ والثوابت وقرارات القضاء يؤشر بأن الديمقراطية في خطر».

الموقف نفسه تبناه الحزب الجمهوري في بيانه[6] الذي ندد فيه بمنع مؤتمر حزب التحرير معتبرًا أن منع حزب سياسي معترف به من ممارسة نشاطاته بالرغم من الاختلاف مع مواقفه وأفكاره هو اعتداء على الحقوق الدستورية، رافضًا التبريرات التي قدمتها السلطة، وخاصة التعلل بحالة الطوارئ، كما كان ذلك موقف الرابطة التونسية في بيانها بتاريخ 15 جوان/ يونيو 2016.

في الجهة المقابلة اعتبر الوزير السابق كمال الجندوبي المكلف بالعلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان أن منع مؤتمر الخلافة قرار حكومي وطني وسياسي ومسؤول يستند إلى دواعي موضوعية[7] منها المساس بالنظام العام وقد وصف قرار المنع بأنه قرار «سياسي صائب» مضيفًا بأنّ ما قام به هذا الحزب من مخالفات منذ تأسيسه في 21 جويلية/ يوليو 2012 وتنظيم الأنشطة وتقديمه لتصريحات تعد مخالفة لأحكام الفصلين 3 و4 من المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية؛ لذلك تم التنبيه عليه في ثلاث مناسبات سابقة، هي 10 جويلية/ يوليو 2014 وفي 3 نوفمبر 2014 وكذلك في 30 جوان/ يونيو 2014.

ردود الفعل تجاوزت الحديث عن منع المؤتمر إلى التطرق إلى محاولات إقحام المحكمة العسكرية في الصراعات السياسية والحزبية.

القضاء العسكري: الصبغة الاستثنائية والمس بمعنويات المؤسسة العسكرية

ليست المرة الأولى التي تأذن فيها النيابة العسكرية بفتح تحقيق في تصريحات وبيانات لأحزاب أو شخصيات سياسية؛ فالقضاء العسكري يقر باختصاصه في الجرائم التي تمس من هيبة المؤسسة العسكرية طبقـًا لمجلة المرافعات والعقوبات العسكرية، ودائمًا ما يتمسك القضاء العسكري بكون هذه المحاكمات ليست محاكمات للرأي وإنما هي أداة لحماية المؤسسة العسكرية وقيمتها الاعتبارية.

هذا التوسيع في الاختصاص الحكمي للمحكمة العسكرية أتى في المرسوم عدد 69 لسنة 2011 والمؤرخ في 29 جويلية/ يوليو 2011 فقد أصبحت صفة العسكري تكفي لإسناد الاختصاص للمحكمة العسكرية، كما أصبح بإمكانها محاكمة المدنيين الذي يتهمون في القضايا التي يكون المتضرر فيها عسكريًا[8].

فقد مثل أمام القضاء العسكري المستشار الإعلامي السابق للرئيس المنصف المرزوقي أيوب المسعودي  في سبتمبر 2012 على خلفية اتهامه بالمس بهيبة المؤسسة العسكرية، عملاً بالفصل 91 من مجلة القضاء العسكري والتشهير بموظف عمومي عملاً بالفصل 128 من المجلة الجزائية بعد أن تقدم قائد الجيوش الثلاثة التونسي السابق الفريق رشيد عمار ضده بشكوى للنيابة العامة العسكرية تظلم فيها من تصريحات كان أدلى بها على خلفية تسليم الحكومة التونسية للوزير الأول الليبي الأسبق بغدادي المحمودي للسلطات الليبية.

الأمر نفسه حصل مع وزير الداخلية السابق القاضي فرحات الراجحي على خلفية تصريحات أدلى به إلى مدونين، ذكر بمناسبتها أن الجيش أعد خطة سرية للقيام بانقلاب عسكري في صورة فوز حركة النهضة في انتخابات 2011، ومع المدون ياسين العياري على خلفية تدوينة كتبها على فيسبوك انتقد فيه أداء وزير الدفاع السابق غازي الجريبي، وتطرح مساءلة حزب التحرير أمام المحاكم العسكرية إشكالية المحاكم الاستثنائية.

القاضي أحمد الرحموني رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء اعتبر[9] «إقحام القضاء العسكري هذه المرة في علاقة الحكومة بحزب التحرير يرسخ الاعتقاد بأن الالتجاء من قبل السلطة إلى المحاكم العسكرية لفض النزاعات المدنية لم يعد مجرد سوابق معزولة بل أضحى توجهًا مستقرًا يهدد الحيات العامة والفردية».

وقد أرجع رئيس المرصد حضور القضاء العسكري في قضايا السياسة والرأي والصحافة لوجود معطيين اثنين؛ أولهما الاعتقاد في حزم المحاكم العسكرية والدعوة إلى تدخلها في كافة النزاعات والانتهاكات ظنًا منها بأن الطبيعة العسكرية لتلك المحاكم المتأثرة بانضباط المؤسسة العسكرية من شانها أن ترجح حقوق الدولة على ضمانات الأفراد ومقتضيات المحاكمة العادلة، وثانيهما يتعلق بعدم تحمس السلطة لإعادة هيكلة المحاكم العسكرية طبقًا لمبادئ النظام الديمقراطي والأحكام الواردة بالدستور الذي اقتضى إعادة النظر في صلاحيات المحاكم العسكرية، واعتبارها مختصة فقط في الجرائم العسكرية «الفصلان 110 و149 من الدستور الجديد»[10].

هل يتم حل حزب التحرير قضائيًّا؟

يعتبر البعض أن مسألة حل حزب التحرير الإسلامي هي مسألة وقت، وأن الاتهامات المنسوبة له والملفات القضائية المتعاقبة عليه ما هي إلا خطوة في طريق حل الحزب.

آخر هذه التهم المنسوبة تعلقت بدور الحزب في اعتصامات قرقنة وإيقاف العمل بشركة بتروفاك والتي تبعها فتح تحقيق إداري عاجل من قبل رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، بخصوص ما ورد في تقارير إدارية حول حضور ممثل عن حزب التحرير في جلسة المفاوضات، التي جمعت بقرقنة أطرافـًا حكومية وممثلين عن المجتمع المدني، وهو الأمر الذي نفاه والي صفاقس مؤكدًا عدم إرسال أية دعوة لأي حزب سياسي.

رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي تطرق لنشاطات حزب التحرير الأخيرة في اجتماع المجلس الأمن القومي 1 سبتمبر الماضي معلقـًا عليها بقوله: «حزب التحرير إلى متى؟ أصبح يهدد ماذا نفعل نحن؟ نصفق؟ أم نذهب إلى المحكمة فتقول لهم سامحتكم».

وقد صرح عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير محمد ياسين صميدة بأن ما قاله رئيس الجمهورية حول  تسامح القضاء «غير قانوني لأن القضاء لا يسامح، وإنما القضاء يحكم، وأنّ تعامل الحزب مع القرارات القضائية والإدارية هو تعامل مع الوضعية الإدارية كوضعية إدارية، أما إذا تحولت إلى وضعية سياسية فالتعامل يكون سياسيًا بالأساليب الفكرية السلمية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1]  القضية عدد 419919 بتاريخ 3 جوان/ يونيو 2016: «الإذن بتوقيف تنفيذ قرار عدم الموافقة على عقد المؤتمر السنوي الخامس لحزب التحرير تونس بقصر المؤتمرات بالعاصمة يوم السبت 04 جوان 2015 وذلك إلى حين البت في القضية الأصلية».
[2]  تصريح لوزير الداخلية الهادي مجدوب لإذاعة محلية express fm  في 5 جوان/ يونيو 2016: «القرار نابع من تقديرنا للوضع، إذ إن تنظيم هذا الحدث، من شأنه الإخلال بالأمن العام، لاسيما أن البلاد في حالة طوارئ ... لم يتم إعلام وزارة الداخلية بقرار المحكمة الإدارية بتوقيف قرار المنع.»
[3]  تصريح والي تونس فاخر القفصي للصباح نيوز – 4 جوان/ يونيو 2016.
[4]  بلاغ وكالة الدولة العامة للقضاء العسكري بشأن التحقيق في بيان 27 مايو الصادر من حزب التحرير.
[5]  بيان المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين بتاريخ 6 جوان/ يونيو 2016.
[6]  بيان الحزب الجمهوري بتاريخ 6 جوان/ يونيو 2016.
[7]  تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء – 1 جوان/ يونيو 2016.
[8]  يمكن الاطلاع على مقال الأستاذ محمد عفيف الجعيدي بالمفكرة القانونية تحت عنوان : " مدنيون أمام المحكمة العسكرية في تونس " هيبة الجيش " رغم الثورة – نشر بتاريخ 13 – 10 – 2012.
[9]  مقال بعنوان "  قضية حزب التحرير وأوهام القضاء العسكري " ، القاضي أحمد الرحموني.
[10]  الفصل 110 من الدستور: «تحدث أصناف المحاكم بقانون ويمنع إحداث محاكم استثنائية أو سن إجراءات استثنائية من شأنها المساس بمبادئ المحاكمة العادلة. المحاكم العسكرية محاكم متخصصة في الجرائم العسكرية ويضبط القانون اختصاصها وتركيبتها وتنظيمها والإجراءات المتبعة أمامها والنظام الأساسي لقضاتها.» الفصل 149: «تواصل المحاكم العسكرية ممارسة الصلاحيات الموكلة لها بالقوانين المفعولة إلى حين تنقيحها بما يتماشى مع أحكام الفصل 110.»
عرض التعليقات
تحميل المزيد