الزلزال يفعلها مرة أخرى… يضرب خلسة ويهرب. ويترك المدينة الجميلة الهادئة والمناطق المجاورة لها غارقة في الخوف والقلق ونفوس الناس كلها رجاء برحيل الوحش عن منطقتهم بلا رجعة..

زلزال 2004 كان درسًا قاسيًا لسكان الحسيمة. الأنفس لم تندمل جروحها بعد بفعل الصدمة. فقد اختطف الموت أرواحًا كثيرة وأسقط جرحى ومشردين بدون مأوى… حكايات كثيرة محزنة يتداولها السكان عن أسر رحلت بالكامل وأخرى تركت أطفالا في حضن المجهول…

الحسيميون فهموا الدرس واستوعبوه بلا شك… الزلزال يتربص بمنطقتهم  باستمرار. قد يغيب لمدة تطول أو تقصر لكنه بالتأكيد سيعود لحصد ضحايا جدد… كثيرون طاروا بعيدا إلى مدن مغربية أخرى، وأغلبهم عجز عن مقاومة الحب الجارف لتربة الريف وهوائه ومياه بحره الساحرة، وفضَّلَ البقاء حتى آخر رمق.

تلك الليلة الليلاء من شتاء 2004 شكلت حدثًا مفصليًا في تاريخ الحسيمة. واتضح للجميع أن المنطقة وعلى غرار باقي مناطق الريف تؤدي الثمن باهظًا بسبب الضعف الكبير في البنية التحتية والمرفقية، مما ساهم في الرفع من الفاتورة البشرية للزلزال…

في تلك الأيام الصعبة عرف الأهالي من معهم ومن لا يكترث بوجودهم حتى… من يريد لهم الخير ومن يرى في معاناتهم هدية نزلت عليه من السماء، وفرصة لا يجب تضييعها… حتى المساعدات الإنسانية التي تقاطرت عليهم من الداخل والخارج كانت تصل إلى مستحقيها بصعوبة والكثير منها لا يصل أصلا…

الشباب الجمعوي كان دائمًا في المقدمة يساعد وينقذ وينظم صفوف المحتجين دفاعًا عن الحق، ويضم صوته إلى جانب صوت الضحايا المكلومين… مظاهرات ولافتات تندد وترفض التميز والتهميش والقمع.

صور كثيرة ما زالت عالقة بالذهن… قنوات أجنبية تجوب شوارع إمزورن تنقل لمشاهديها الحدث بالصوت والصورة، وتأخر للإعلام العمومي وتخلفه عن نقل ما يقع بالميدان بحيادية… وأفضل ما قام به هذا الإعلام كان بعد أسابيع من الفاجعة حين انتقلت دوزيم إلى بعض المناطق لتنقل جزءًا من معاناة السكان… نتذكر ذلك الطفل الريفي الصغير الذي توفي أبوه وأمه وبقي وحيدا وتحدث للقناة بلكنة أمازيغية تدمي القلب “بابا يموث… يما ثموث..”.

ولن أنسى طبعا ذلك الشرطي الذي  أطلق لسانه في إمزورن يسب ويلعن الريفيين بألفاظ نابية، متوعدًا إياهم بتكرار أحداث “عام إقبارن” (الاسم المحلي الذي يطلق على أحداث عام 1959.1958).

اثنا عشر عامًا تمر.. عودة الزلزال تطرح معها السؤال: بأي حال عدت يا زلزال؟ الضربة الأولى الموجعة لم تصب الوجه هذه المرة لكنها تركت الجسم كله يرتعش  خوفًا من أن يعيد الوحش الفعلة.

من يَزُرْ الحسيمة فسيلاحظ أن أمورًا عدة تغيرت فعلا. طرقات أجمل ومؤسسة جامعية وأشياء أخرى هنا وهناك… والحقيقة أن الجرح أعمق، فالحسيمة هي جزء من منطقة لم تتحرك فيها عجلة التنمية على غرار باقي المناطق المغربية، وعانت من تهميش ممنهج طيلة سنوات الرصاص، وفقرها الاقتصادي غير متناسب مع موقعها الإستراتيجي الهام وإمكاناتها الكبيرة…

الريف ضحية للتاريخ وللسياسات الرسمية للدولة قبل أن يكون ضحية للجغرافيا، وجبر الضرر الجماعي في الريف يكون أولا بإعادة تعريف المصطلح وتحديد  من أين يبدأ الريف وإلى أين ينتهي، وإعادة النظر في التقسيمات الإدارية التي تشتت أوصاله وترمي بقبائل ريفية حتى النخاع خلف الجدار.

الأكيد أن الريفيين لا يطلبون المستحيل. يريدون حقهم في التنمية، والمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية… وحماية إرثهم الثقافي والتاريخي من الاندثار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد