ذهبت منذ عدة سنوات إلى زيارة أعرق أثر تاريخي وحضاري في العالم على الإطلاق، أهرامات الجيزة، بدأت الرحلة حين اصطحبتني إحدى قريباتي وأبناءنا بسيارتها إلى الأهرام، كان يوم جمعة، وتوقعنا بعض الزحام، بوصف اليوم هو العطلة الأسبوعية في مصر. وصلنا إلى شارع الأهرام، وقبل أن نشرف على الصعود إلى المنطقة، وفي إحدى الإشارات المرورية استوقفنا أحد المارة الذي أخذ يطرق بيده على السيارة بعنف، لا نعلم لماذا؟ لا يمكن أن أصف حالة الرعب التي انتابتنا عندما تجرأ علينا هذا الكائن غير المعلوم هويته أو غرضه مما يفعل. أيحاول سرقتنا؟ هل يترقبنا أحد من على بعد ينتظر وقوف السيارة ليتهجم علينا؟ ماذا يحدث بالتحديد، لم نستطع أن نفهم إلا بعد انتهاء الزيارة، واستوعبنا أنه كان يحاول أن يوجهنا إلى طريق نزلة السمان بدلًا من طريق الأهرام المعتاد؛ لتتمكن منا جماعات أخرى من المرتزقة مالكي الكاريتات أو الخيول؛ كي تتلقفنا بدورها وتجبرنا على تأجيرها لنتمكن من الصعود إلى هضبة الأهرام.

أصرت قريبتي على استكمال طريقنا والصعود من الطريق المتعارف عليه، ووصلنا إلى ساحة انتظار السيارات وقمنا بحجز التذاكر، كانت قيمتها جنيهات قليلة للمصريين، دخلنا وأعداد الزائرين كانت ضئيلة جدًّا، ليستقبلنا بلطجي آخر، محاولًا تعويض فشلهم المسبق في توجيهنا عن طريق نزلة السمان، ليقنعنا بضرورة استئجار كاريتة لتجول بِنَا في المكان، وبعد مهاترات على الأجرة اتفقنا وركبنا، وانضم إلينا أحد البلطجية مرشدًا وأخذ يشرح لنا معلومات ملفقة ومغلوطة عن الأثر والتاريخ.

أثناء الجولة شعر أحد أبنائنا ببعض التعب؛ فعرض عليه المرشد البلطجي «برشامه» نوعًا من الرعاية الطبية المتوفرة في المكان، وفي طريق العودة قابلتنا أعداد جديدة من البلطجية اقترحوا تصويرنا بكاميراتنا، اعتقدت لوهلة أنه لطف منهم الذي تحول سريعًا بعد إتمام عملية التصوير إلى ابتزاز سافر إلى حد الشجار على الأجرة، وبالطبع يحدث هذا على مرأى ومسمع وبرعاية شرطة السياحة التي تقف على مسافة وعلم أيضًا بممارسات هؤلاء المرتزقة، ولا يطرف لها جفن أو تجد فى ذلك ما يشين! وبعد انتهاء الزيارة دون أدنى متعة، والتي استبدلنا بها القلق والتوتر من عمليات الابتزاز والبلطجة بدلًا من الاستمتاع بعظمة الأثر وهيبته، كما اكتشفنا أن الزيارة قد كلفتنا ما يفوق 100 جنيه للفرد، والتي لا نمانع أبدًا في إنفاقها إنفاقًا رسميًّا مقابل خدمات حقيقية تحت رعاية جهة سياحية متخصصة تنظمها، وبالرغم من أننا لم نتمكن من دخول الهرم لشدة حرارة الجو؛ فقد انتهت الزيارة، وحمدت الله على السلامة وأقسمت ألا أعود.

مرت فترة على زيارتي أهرامات الجيزة، وأتيحت لي الفرصة بعدها لزيارة تمثال الحرية في إحدى الجزر القريبة من مدينة نيويورك، جزيرة «منهاتن» هي الأقرب «لإيليس أيلاند» حيث يستقر تمثال الحرية؛ فالوصول من مدينة نيويورك إلى جزيرة منهاتن بالسيارة عبر الأنفاق، ثم نستقل إحدى المراكب لتقلنا إلى «إيليس أيلاند».

هذا التمثال الذي عرضه مصممه الفرنسي «بيرتهولدي» على «الخديوي إسماعيل» سنة 1869 لوضعه في مدخل قناة السويس، ورفضه الأخير لعدم قدرة مصر على تمويل تمثال بهذا الحجم.

عاد «بيرتهولدي» إلى فرنسا واختصارًا جمعت التبرعات على مراحل وأدخلت بعض التعديلات على التصميم وقد نفذ، وأهدته فرنسا بدورها إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر، وعد رمزًا للحرية. بمعنى أن قيمته هي قيمة فنية وليست تاريخية،إذ إن عمر التمثال لا يتعدى 150 عامًا؛ فلا يوجد أي وجه مقارنة بينه وبين أهرامات الجيزة التي تشهد على حضارة وتاريخ 7 آلاف عام.

وصلنا إلى منهاتن، ووقفنا في صفوف لا تنتهي طوال ساعات العمل التي تبدأ من الثامنة صباحًا وحتى الرابعة مساءً، كان متوسط قيمة التذكرة 20 دولارًا سعرًا موحدًا يغطي جميع الخدمات، بما فيها رسوم الانتقال بالمركب، عند هذا الحد تنتهي المطالبات المادية لإعطاء الزائرين الفرصة كاملة للاستمتاع بالزيارة. تحملنا إحدى المراكب التي لا تتوقف عن الحركة لنقل الزائرين ذهابًا وإيابًا، والكاميرات تعلو من أعلاها لالتقاط الصور التذكارية للتمثال الذي يقف شامخا على جزيرة وسط المحيط الأطلنطي، وصلنا إلى جزيرة «إيليس» لنقف في صفوف أخرى يوزع من خلالها سماعات لا سلكية لشرح كل ما يتعلق بالتمثال من تفاصيل دقيقة وموثقة خاصة بتاريخه، بما يتناسب مع معدل السير، ولكل زائر فرصة التحكم في الشرح المسجل بتوقيفه، أو إعادته، أو اختيار لغة مناسبة من بين عدة لغات. لكن لأسباب الصيانة لم نتمكن من الصعود إلى أعلى التمثال، ما جعلني أتشوق مرة أخرى للعودة للاستمتاع بالرحلة مجددًا لأتمكن من صعود التمثال على عكس تجربتي لزيارة الأهرامات.

تشير الإحصائيات إلى أن متوسط عدد زائري تمثال الحرية حوالي 10 آلاف زائر يوميًّا، بمتوسط سعر 20 دولارًا للتذكرة، بمعنى أن تمثال الحرية يحقق متوسط إيرادات قيمتها 200 ألف دولار يوميًّا.

في تقديري أنه إهانة لأثر مثل أهرامات الجيزة أن تحقق أقل من قيمة 10 أضعاف هذا الإيراد، والسؤال هو هل تحقق أهرامات الجيزة اثنين مليون دولار في ساعات العمل الصباحية يوميًّا؟

والسؤال الأهم، لو قبل «الخديوي إسماعيل» عرض «بيرتهولدي» ووضع التمثال في مدخل قناة السويس؛ فهل كان سيحقق إيرادًا دولارًا واحدًا يوميًّا؟

لقد سنحت لي الفرصة التنقل بين بعض الولايات الأمريكية وزيارة معالمها، وأستطيع أن أجزم بكل ثقة، ليس فيها أدني شك، أنه لا توجد أي مقارنة بين الثراء الحضاري والتاريخي والكمي الذي تتمتع به مصر مقارنة بالولايات المتحدة. كذلك أستطيع أن أجزم أن ما تحصل عليه الولايات المتحدة الامريكية من إيرادات زيارة معلم واحد بسيط لا تحققه مصر من زيارة 100 معلم تاريخي وأثري.

إن السياحة قبل أن تكون ثراء تاريخىًّا وحضاريًّا فهي في المقام الأول صناعة متكاملة، تشمل الأمن والتنظيم والخدمات التي فى مجملها تمثل دعاية ذاتية إلى جانب الدعاية التسويقية، والتي تضمن لمصر دخلًا قوميًّا وفرص عمل مذهلة، ومن ثم انتعاش للاقتصاد، بينما يبدو لى أن القائمين على الأمور ليس لديهم الوعي الكافي بأهمية هذا المورد الهائل للدخل، أو كيفية تنميته واستثماره؛ فيقف معلم مثل تمثال الحرية شاهدًا على نجاح صناعة السياحة من العدم، لو أن أثرًا مثل أهرامات الجيزة كان في الكفة الأخرى من الميزان، والذي يعلن بكل فجاجة عن فشل تام في إدارة مورد من أهم وأحد ثلاث موارد قومية رئيسية للدولة، بالرغم من الثراء التاريخي والحضاري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد