هل بإمكان أي شخص أن يقرر الانتحار؟

عندما نشاهد الانتحار عبر وسائل الإعلام المختلفة، فإن ردة الفعل الطبيعية هي الشعور بالحزن والأسى على أن حياة إنسان قد أخذت قبل الأوان، كما وتبدأ الحركات والمنظمات المناهضة للانتحار بالتحرك والإلحاح على تسليط الضوء على الحالة العقلية والنفسية للشخص المنتحر، ولكن يبقى الحزن دائمًا على الأشخاص الذين تم خسارتهم ولم يكن بالإمكان تقديم يد المساعدة لهم وتقدير حياتهم.

أحدث الأفلام في هوليوود المستدر للدموع هو فيلم (أنا قبل أنت) (Me Before You) والذي يعزز الرسالة الخطيرة التي تقول: «إنه من الأفضل وعلى نحو من النبل اختيار الانتحار (القتل الرحيم) على أن تعيش مع إصابة في الحبل الشوكي (الشلل)»، فهذه هي الكليشيهات ونفس الصورة النمطية المبتذلة وغير المسؤولة التي رأيناها مرارًا وتكرارًا في عدد من الأفلام وأبرزها:

Who’s Life is it Anyway (1981, Richard Dreyfuss) – هي حياة مَنْ على أي حال

Gattaca (1997, Ethan Hawke, Uma Thurman)  – غاتاكا

The Sea Inside (2004, Javier Bardem) – البحر في الداخل

Million Dollar Baby (2004, Hillary Swank, Clint Eastwood) – مليون دولار بيبي

لكن فيلم (أنا قبل أنت) (Me Before You) يتحدث عن (ويل) وهو شاب ثري يتعرض لحادث يجعله يصاب بشلل في أطرافه الأربعة (شلل رباعي) ولكنه وفي أثناء عملية التأهيل والعلاج التي يخضع لها في البيت يتعرف ويقع في حب شابة جميلة جاءت لتعمل عنده مساعِدةً، ومن خلال الابتسامات والضحكات والمشاعر الدافئة تبدأ قصة حب جميلة، ولكن (ويل) يكون قد قرر منذ فترة من الزمن وبالاتفاق مع عائلته أن حياته لا قيمة لها ولا تستحق العيش، لأنه لن يكون قادرًا على التعامل والتأقلم مع واقع الحياة اليومية الجديد بعد الحادث والإصابة، وأنه سينتحر في إحدى العيادات الخاصة بإنهاء الحياة في سويسرا، وذلك في ردة فعل غير معهودة في مثل هذه الحالات.

ففجأة ودون سابق إنذار يصبح انتحار (ويل) عاديًا ومقبولًا من وجهة نظره، مبررًا ذلك لمساعدته قائلًا: «لا أريد أن تفتقدي وتحرمي من أشياء يمكن لشخص آخر أن يوفرها لك». وهنا إشارة مهمة وهي تفترض أن الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة أقل قيمة كشركاء قادرين على بناء حياة زوجية والعيش كأفراد طبيعيين في المجتمع.

بالنسبة لي والجزء الأكثر إثارة للقلق في الفيلم هو أن فهم وتمثيل شخصية المصاب بالشلل الرباعي كان يبدو سطحيًا لأبعد درجة، وخاليًا من أي عمق لحالات كهذه، ومنها ما قاله بطل الفيلم من أنه اتبع نظامًا غذائيًا خاصًا ليفقد كتلة العضلات عنده حتى تبدو ضعيفة ومتعبة، وذلك تأكيد لفكرة أن كل مشلول يجب أن يكون ضعيفًا ومتعبًا (صورة نمطية) وهذا غير صحيح، كما يقول إن شخصيته في الفيلم قرر إنهاء حياته كنوع من عدم الأنانية والعمل المتفاني لأنه يريد أن يسمح لمن حوله (العائلة – الأهل – الأصدقاء) أن يعيشوا حياتهم دون الحاجة إلى التركيز والقلق عليه، لأنه يمتلك عزة نفس ويريد أن يخلص الناس من مشكلاته، إلا أن هذا العمل من نكران الذات (الانتحار) كان في نهاية المطاف القمة في التمركز على الذات والخوف، وذلك بدلًا من استكشاف إمكانيات حياته بالرغم من إصابته.

هذا الفيلم يعزز من الصورة النمطية الخطرة لذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع ويؤكدها، والتي تقول إنه من الأفضل أن يموت هذا الفرد بدلًا من العيش شخصًا من ذوي الإعاقة، وذلك على الرغم من أن هذا الشاب في الفيلم ليس محكومًا عليه بالموت نتيجة لإصابته، وأنه بالإمكان أن يعيش بسعادة مع مساعدته إن هو أراد ذلك، فحياته لم تنتهِ لكنها اختلفت، والمفارقة في الفيلم أن المساعدة تقول للشاب: «في حياتك إنه من واجبك أن تعيش قدر استطاعتك»، حتى إن الهاشتاج الرسمي للفيلم هو#liveboldly وهذه نصيحة عظيمة وممتازة ولكن لم يؤخذ بها في الفيلم، فكيف يمكن أن تعيش حياتك إذا كنت ميتًا؟

هذه الصورة النمطية وغيرها لها تبعات في الحياة الحقيقية الواقعية، ونذكر هذه القصة مثالًا على ذلك؛ ففي عام 2013 (تيم باورز) والبالغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا والذي كان متزوجًا حديثًا وأبًا، سقط من على شجرة أثناء الصيد، وبعد نقله إلى المستشفى تبين أنه أصبح مشلولًا من الكتفين إلى أسفل، فوضعه الأطباء في غيبوبة اصطناعية وعلى جهاز التنفس الصناعي، لكن وفي اليوم التالي وبناء على طلب من عائلته، سمح الأطباء له بالخروج من التخدير وشرحوا له كيف ستكون حياته مستقبلًا نتيجة الإصابة التي تعرض لها، فقال إنه لا يريد العيش بحالة كهذه وطلب أن يتم إزالة أنبوب التنفس فمات بعد خمس ساعات.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن وسائل الإعلام المختلفة وخاصة الأفلام والتلفزيون تؤثر علينا في تحديد مفهوم ما هو الطبيعي، وذلك من خلال تعزيز الصور النمطية والحكم على الآخرين بناءً عليها، وهذا ما تؤكد عليه وتعززه أفلام هوليوود في معظم الحالات ودون أية حركات معارضة تذكر لهذا التوجه.

فأكثر من 99% ودون مبالغة من الحالات التي يظهر فيها ذوو الاحتياجات الخاصة في الإعلام تكون النظرة إليهم نظرة الشفقة وعدم القدرة وعدم الكفاية، وهذا يعزز من خرافة وأسطورة أن العيش مع هؤلاء الأشخاص أو أن تكون من هؤلاء الأشخاص لا يمكن حتى يتم علاجهم (إصلاحهم) وإلا فالموت أفضل لهم، وهذا ما يراه ويفكر به الجمهور من المشاهدين حول مجتمع ذوي الاحتياجات الخاصة.

كم من الأشخاص يعتقد أن حياته لا تستحق العيش؟

أعتقد أن الشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة (المعاق) يجب أن يضع صعوباته الخاصة قبل اهتمامه وحبه للآخرين، لكن على أن لا يسمح لصعوباته الخاصة هذه أن تملي عليه ما إذا كان يجب أن يبقى على قيد الحياة أم لا، لأن الجميع في العالم يعاني بشكل أو بآخر في هذه الحياة، وذلك سواء من الإعاقة أو المشاكل الصحية المختلفة أو الإدمان أو الحالات الأسرية الصعبة، أو من زملاء العمل أو البطالة أو الجوع أو الجفاف، والقائمة تطول، إلا أنه ليس هناك أكثر أنانية من الشخص الذي يتخلى عن حياته متعمدًا، ملحقًا بذلك الأذى والحزن وحتى المعاناة لمن حوله، فهؤلاء الناس المقربون منه سوف يواجهون خسارة كبيرة بموته (الانتحار) والكل في هذه الحالة خاسر.

أنا أقول وأرى أنه من الأفضل أن نتقبل هؤلاء الأشخاص والأفراد أيًّا كانوا كما هم، وأن نعالج العوائق والحواجز التي تجعل الحياة مع العجز صعبة ومستحيلة وغير مناسبة، وذلك بدلًا من قبول الناس لهم فقط وهم أموات، فالأرقام تقول إنهم يمثلون 12% – 15% من أفراد أي مجتمع، وأن عدد المعاقين بكافة فئاتهم يتجاوز المليار شخص في كل أنحاء العالم، ولهذا يجب القضاء على السياسات البالية التي تعقد من وصول ذوي الاحتياجات الخاصة إلى التعليم والعمل ومجالات الحياة الأخرى، بالإضافة إلى تطوير وسائل الرعاية الصحية الأساسية المتهالكة في بلادنا والتي لا تلبي أبسط المتطلبات، وصولًا للطرق والمباني غير المهيأة أحيانًا لاستخدام البشر العادي، فما بالك بمن يعانون الصعوبات.

وأخيرًا أقول: فبدل أن تقدم لنا هوليوود فيلم (أنا قبل أنت) (Me Before You) فيلمًا غير واقعي وخياليًا، كان يجب عليها أن تقدم فيلمًا لبطل رواية واقعية مصاب بالشلل مثل (كيرك كيلغور)، (Lucky Break: A Love  Story)، (استراحة محظوظة: قصة حب) كتاب لـ(بليندا بيغلي)، وهو الذي تتحدث فيه المؤلفة والكاتبة عن قصة وقوعها في حب (كيرك كيلغور)، إذ إن (كيرك) كان لاعب كرة طائرة في جنوب كاليفورنيا وبعدها أصبح لاعبًا أولمبيًا ثم أصبح لاعبًا محترفًا ودرب بعدها في إيطاليا، حتى كسر رقبته C4 وأصبح مشلولًا كاملًا (شللًا رباعيًا) وهو في سن الثامنة والعشرين، وإصابته هذه كلفته كل شيء في حياته من وظيفته إلى مدخراته وحتى زوجته، لكن (كيرك) اختار أن يكون (أفضل مشلول في العالم) على حد قوله، وهكذا أصبح خبير كمبيوتر ودرس التمثيل والشعر، بالإضافة إلى أنه عاد للتدريب في الكرة الطائرة، وفي نهاية المطاف أصبح مذيعًا لإحدى الشبكات الرياضية الكبرى في أمريكا، كما يذكر الكتاب أنه التقى بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني ليحتفل بقصيدة شهيرة كاتبها هو، مما جعل البابا يطلب تكريمه، وهكذا اعتبر (كيرك كيلغور) قدوة وملهمًا لكل من عرفهم وعرفوه حتى وفاته عن عمر الرابعة والخمسين عامًا، فلماذا لا نرى فيلمًا عن قصة حياته أو مستوحاة من حياته؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد