«هوليوود» اسم لطالما ارتبط بعالم الشهرة والأضواء، فضلًا عن كونها موطن العديد من أشهر وأضخم شركات الإنتاج السينمائي والنجوم العالميين الذين باتوا محور اهتمام الأجيال الشابة في أنحاء العالم منذ عشرات السنين. فقد نجحت أفلام «هوليوود» في إلغاء الحدود الجغرافية والحواجز السياسية والثقافية واللغوية عبر تلك الشاشة الصغيرة جدًا مقارنة بتأثيرها الذي لا يمكن احتواؤه أو ردعه.

نجحت «هوليوود» ما عجزت عنه أقوى جيوش العالم والأدوات الاستعمارية التقليدية عبر التاريخ، ومنحت البيت الأبيض قوة لا يستهان بها، ولا يمكن مجابهتها بسهولة، حيث تمكنت الولايات المتحدة من اجتياح العالم وبسط نفوذها الثقافي على عقول أجيال بأكملها، ورسخت فيها قيم وأفكار لا يمكن محوها؛ لتتحول لاحقًا إلى سلوك موجه يخدم مصالح البيت الأبيض في قضايا محددة، وذلك عبر استخدام السينما كأداة تأثير بصرية تُغّيب الوعي أو تشتت تركيزه عبر ضخ كم هائل من المحتوى البصري الذي يذهل عقول المشاهدين، ويداعب ما بداخلهم من رغبات مضبوطة بحكم الوعي أو الأنا، ليتم في هذه الأثناء تمرير أفكار معينة إلى ثنايا اللاوعي أو العقل الباطن المسؤول بشكل أو بآخر عن الكثير من سلوكياتنا.

وأكبر مثال على ذلك هو كيف صورت أفلام «هوليوود» العالم العربي في الكثير من أفلامها القديمة والحديثة على نحو ساخر ومشوه، خالٍ من التناول الموضوعي، حيث رسّخت في أذهان الأمريكيّين والأوروبيين أن شعوب المنطقة عبارة عن قبائل همجية وبدائية تقودهم الغرائز الجنسية، وأن الإسلام هو عدو الإنسانية الأول، حيث نجحوا في دمج كلتا الصورتين بهوية المنطقة التاريخية والمعاصرة. فضلًا عن ترويجها لمفهوم «الإسلام فوبيا» وربطه جغرافيًا بالشرق الأوسط، لنرى بأن مصطلح الإرهاب أصبح أحد المرادفات الرئيسة لكل ما هو عربي أو شرق أوسطي.

أما على المستوى العربي فقد عززت السينما «الهوليوودية» فكرة أن الولايات المتحدة هي جنة الأرض وموطن الديمقراطية الأول وأرض الأحلام الواعدة لكل شاب عربي، لنلاحظ بأن العديد منهم أصبحوا أكثر انتماءً للثقافة الأمريكية في العديد من جوانب الحياة، وبالتي أكثر استعدادًا لقبول كل ما تروجه المنصات الإعلامية الأمريكية من أخبار وما تسوق له من أفكار.

كما أصبح شباب اليوم أكثر اهتمامًا بكل ما يحدث في «هوليوود» والولايات المتحدة وفي حياة نجومها من ممثلين ومغنيين، الذين أصبحوا المثل الأعلى لشريحة واسعة من هؤلاء الشباب، وبالتالي توجيه اهتمامهم وأفكارهم عما يحدث في أوطانهم، والأخطر من ذلك، هو إلغاء شعور الانتماء إلى أرضهم، وإنشاء جيل منكرًا لهويته، وغير مرتبط أخلاقيًا أو ثقافيًا بحضارته المحلية.

وهنا نرى مدى تأثير السينما الأمريكية في قيم الشعوب، وهو أمر في غاية الخطورة لأن العبث بالقيم ومحاولة تغييرها هو بحد ذاته هدم للحضارة وعولمة الشعوب للاقتناع بقيم الغير حتى وإن كانت تتنافى مع خصوصيتها. لذلك يمكن اعتبار «هوليوود» بمثابة ذراع الحرب الأيديولوجية للبيت الأبيض، والبراهين عديدة على خدمتها لمصالح واشنطن السياسية: حيث إن هناك الكثير من الأخبار والفضائح حول اجتماعات تجمع رجال البنتاجون والمخابرات مع كبار صُناع «هوليوود»، من أجل توصيل الرسالة الأيديولوجية التي تريدها واشنطن في موضوعات محددة، كما حدث في فترة الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وكذلك في الحقبة المكارثية، وانتهاءً بالحرب على الإرهاب في مطلع القرن الواحد والعشرين.

ويقول تيد جب، مؤلف كتاب «أسرار الحياة والموت في وكالة الاستخبارات المركزية»: إنه على مدار عقود الحرب الباردة لم تهتم المخابرات المركزية الأمريكية بتقديم ما يحسن صورتها في أفلام «هوليوود»، بقدر ما كانت تهتم بتقديم صورة مثالية عن الحياة الأمريكية، ولكن مع نهاية الحرب الباردة أدركت أنها بحاجة إلى إصلاح شامل لصورتها دوليًا، وأدركت أن التأييد الشعبي لميزانيتها أصبح يواجه خطرًا كبيرًا، لذا بادرت إلى إنشاء مكتب التنسيق بينها وبين «هوليوود» عام 1996.

وبالتالي يمكن اعتبار صناعة السينما في الولايات المتحدة من أقوى وأهم أدوات الحرب الناعمة التي يستخدمها البيت الأبيض، والبوق الإعلامي الأكثر تأثيرًا لنشر سياساتها وثقافتها وتقاليدها التي ملأت العالم بالثقافة الاستهلاكية ونشر المخاوف حول نهاية العالم أو تصوير شعب ما على أنه العدو الأول للشعب الأمريكي.

ونرى في أفلام «هوليوود» التي تترشح أو تنال أرفع الجوائز السينمائية العالمية، غالبًا ما تكون حول الحرب على الإرهاب، والتي تُظهر قدرة المخابرات المركزية الأمريكية على قيادة المعارك النوعية لحماية أذرعها الأمنية الضاربة التي تطول لتصل إلى أي مكان يختبئ فيه كل من تسول له نفسه محاولة زعزعة الأمن الأمريكي.

كما تدعم الولايات المتحدة هذه الصناعة بشكل كبير وتضخ فيها أمولًا طائلة، فضلًا عن أبحاث ودراسات علم النفس التي تُعني بتعزيز الدور الفعال والمؤثر للسينما الأمريكية في توجيه المجتمعات والتأثير على معتقداتهم وقيمهم وسلوكياتهم، وحياتهم السياسة والاقتصادية، وكيفية تقديم الأفكار والرسائل المبطنة لتخترق اللاوعي وتستقر في أعماقه، ليتم تحريضها في مرحلة ما تنوي واشنطن استغلالها لتحقيق ما يخدم مصالحها في قضية محددة.

ورأينا كيف استخدمت الولايات المتحدة السينما لتحسين صورتها السياسية والعسكرية، مثل تلك الأفلام التي تُظهر مدى الجهود التي بذلتها الاستخبارات المركزية لتتبع وقتل زعيم «تنظيم القاعدة» أسامة بن لادن، وتخليص العالم والشعب الأمريكي من شروره، وإظهار أن الحكومة الأمريكية وجيشها الذي لا يقهر العين الساهرة على حماية العالم، مع العلم أن ابن لادن هو من صنيعة الاستخبارات الأمريكية، أو الأفلام الأخرى التي تصور مدى معاناة الجنود الأمريكيين في العراق من المقاومة الشعبية التي ألبسوها الثوب الجهادي التكفيري بشكل يثير التعاطف مع الجيش الأمريكي؛ لتحول بذلك الرأي العام إلى أمر آخر غير فكرة احتلال بلد وقتل وتهجير ملايين العراقيين، لا بل شرعنة هذا الاحتلال بحجة محاربة الإرهاب فيما بعد.

وهنا نرى كيف أن السينما هي واحدة من أهم أدوات الحرب الأيديولوجية، بل أكثرها فعالية، ولا سيما السينما الهوليوودية، فهي سلاح من نوع آخر، تتميز بأسلوبها الفريد والممنهج في صياغة الأنماط والصور الذهنية التي تخدم مصالح واشنطن حول قضايا محددة، وبكيفية غزوها للعقول، حيث إنها بلغت مرحلة جعلت العالم يسعى وراءها، ويطلبها ويدفع من أجلها، لا العكس، وهنا يكمن سر نجاحها وتميزها في أسلوب غزوها لعقولنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد