أقيم حاليًا في مدينة هوليوود- لوس أنجلوس، على بُعد خطواتٍ من شارع النجوم.

ولأن المدن كما النساء لا تكتشف جمالهن إلا في الليل -البعض قبل أن ينهي السطور سيرفع بوجهي اتهامات باطلة- وفي بعض الليل أسرار وسحر وجمال، بعيدًا عن رداء الأزمة الذي يحيط بملامح المدن في النهار، فهي تخلع ملابسها في الليل لتظهر في أسمى تجلياتها، نجمة تتلألأ أضواؤها طوال اليوم، يتداخل فيها الليل مع النهار، عالم في مدينة، هي المرة الثانية التي أتعلق فيها بمدينة أمريكية بعد مدينة فورت كولينز في ولاية كولارادو.

ثمة نجوم ثلاثة في المدينة، نجوم على الرصيف تكريمًا لرواد السينما، نجوم لشركات أسهمت في صناعة السينما، ونجوم الإعلام، إضافة إلى نجوم تضرب بقدميها الأرض جاءت من كل فج عميق لرؤية المدينة وشارعها بحثًا عن نجمة يفضلونها، وثمة نجوم سماوية تحرس المدينة وتزين لياليها، وتراقب شقيقاتها على الأرض.

يعتقد الزائر أن المدينة تشبه منهاتن أو لوس أنجلوس، أو شيكاجو، أو سياتل مثلًا، حيث الأبراج العالية والاكتظاظ السكاني، لكنه يصاب بخيبة أمل ما أن يراها مدينة عادية جدًّا، هادئة جدًّا، لا أبراج فيها، لا أزمات، لا اكتظاظ سكاني، مع أنها لا تنام أبدًا.

غالبية بيوتها مكونة من عدة طوابق، تندر فيها الأبراج العالية، شريانها شارع هوليوود بوليفارد، ونجومه التي تصل إلى أكثر من ٢٠٠٠ نجمة ممتدة على مسافة ٥ أميال في كلا الاتجاهين، تجد جميع نجوم العالم في هذا الشارع، لكنك لا تجد عربيًّا مبدعًا واحدًا من بينها كما فيروز، وأم كلثوم، وعبد الحليم، ومصطفى العقاد.

لشارع هوليوود رونق خاص، فهو مسرح مفتوح للعروض الفنية، الفتى يعرض موهبته بالرقص يجتمع حوله المارة، إلى يمينك فتاة تستعرض موهبتها في الرسم، بالقرب منها شاب يقدم وجبته الفنية في النحت، آخر يمنح الزائرين شيئًا من الكوميديا، على الرصيف المقابل شاب يغني بشكل جميل يسحر المارة بصوته -لا شك هو مشروع نجم قادم- كل يقدم فقرته، وعندما تنهي يقوم الجمهور بالتبرع لدعم موهبتهم، بما تجود به أنفسهم، دون الحاجة لدعم الحكومة او النقابات الفنية، فثقافة الفن هنا مجتمعية، يتم تقديرها ودعمها وتبنيها.

كذلك، ثمة من يحاكي أبطال الأفلام العالمية بملامحهم وملابسهم، ففي الشارع تجد شارلي شابلن، مارين مارونو، ورامبو -سلفيستر ستالوني-، وباتمان، وسوبر مان، وباربي، ومجسمات الرجال الآليين المتحولين، وغزاة الكاريبي، مع ميمي وميكي ماوس، وتوم وجيري.

أحد الشباب السعوديين، دخل في استعراض راقص، يسعى أصحابه لإشراك الجمهور في عرضهم لزيادة تفاعلهم، وحثهم على التبرع، من يدخل الدائرة يلفت نظر الجمهور له؛ فيصير بمثابة هدف لأصحاب الفقرة، يجبر على التبرع أكثر مما يتبرع به الجمهور المحيط بالفرقة، مقابل ذكر اسمه بصوت عالٍ ليسمعه الجمهور، الشاب السعودي تورط في لعبتهم، فما كان منه إلا أن تبرع بـ١٠٠ دولار -هذه عن المملكة العربية السعودية- صراحة استفزني الشاب، ذهبت إليه، وسألته، لماذا فعلت ذلك، رد قائلًا: أريد أن أرفع اسم بلادي عاليًا، تعاطيت الصمت هنا، ورحلت، كنت أتوقع إجابة غير ذلك، أهكذا ترفع أسماء الدول؟

في الشارع الكثير من المطاعم العالمية ذات الأسعار المعتدلة مثل ماكدونالدز، وتاكو بيل، وبيتزا هات، إضافة إلى المطاعم المتنقلة تصطف على جانبي الشارع، من الاستحالة بمكان أن تجد مطعمًا يقدم طعمًا ونكهةً عربية لتلك التي تقدمها المطاعم في بلادنا، مثل الفلافل والحمص والشاورما، كلها -وهنا التعميم مطلوب- مجرد محاولات لم تصل بعد إلى أستار الكمال والتميز.

الوجوه التي تلقاها في الشارع قادمة من كل بقاع الدنيا، نسبة كبيرة من الزوار صينيون وهنود وفرنسيون، كما يوجد نسبة كبيرة من الزوار العرب تحديدًا من الخليج العربي، تميزهم من ملامحهم، وكشرتهم -الكشرة ليست حصرًا في الشعب الأردني الذي يضحك كثيرًا في الخارج عكس الداخل- التي تغلب على ملامحهم المتجهمة.

السمة التي يحملها الخليجي خصوصًا، والعربي عمومًا، إن جاء سائحًا أنه هدف لمشروع نصب واحتيال؛ لذا ترى التردد والخوف يسيطر عليه في مسيره وسياحته، كما أنه ينظر إلى الثقافة الأمريكية من منظوره الثقافي الديني، لا من خصوصية الثقافة الأمريكية، الذي أستغربه هنا أن دول الخليج رغم أنها تضم في جنباتها جميع جنسيات العالم، إلا أن الشعوب لم تستفد من هذا الاختلاط، بحيث يسهل عليهم الاندماج في الخارج.

في حوار عابر مع زائر -خليجي- سألته عن رأيه في المدينة، رد قائلًا: انظر إلى العري والفجور الذي في الشارع، صراحة كنت متوقعًا الإجابة، فالعربي يريد العالم أن يتحول وفق رؤيته ومشيئته، وثقافته، وعاداته وقيمه، دون مراعاة لعادات وتقاليد وثقافة الدول التي يزورها، قلت له: في اللحظة التي تصف فيها العري، تنشغل عيناك باستباحة أجساد المارة، وفي اللحظة التي تنتقد بها المدينة تذكر أنك ترتدي «تي-شيرت» موسومًا بعلم الولايات المتحدة!

لماذا جئت هنا إذن، سكت، وتهرب من الإجابة، من ثم سألني: لماذا لا تعود إلى بلدك أو لتأتي إلى الخليج لتعمل هناك! قلت له: يا سيدي، منذ أن دخلت أمريكا لم يسألني أحد عن أصلي وفصلي وديانتي، وعشيرتي، وقيمي، وثقافاتي، وأفكاري، لم يجبرني أحد على توقيع أوراق «الكفالة» لضمان العمل، كما هو الحال في دول الخليج التي تستعبد -استعباد مقنع- الإنسان ثمنًا للقمة خبزه، بشكل لا يتوافق مع القيم والتعاليم حتى الإسلامية منها، نظر لي بطرف عينه، وقال بغضب: يا لك من جاهل، أدار ظهره ورحل، فأطلقت العنان لضحكة مجلجلة بحزن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد