تطورت صناعة السينما بشكل هائل مع الطفرة التكنولوجية منذ استخدام الأخوين الفرنسيين أوغست ولويس لوميير نظام العرض السينمائي لأول مرة في التاريخ عام 1895، وغدت اليوم لغة عالمية وأداة فعالة للتواصل والتأثير والسيطرة، متجاوزة أغراض التسلية والمتعة.

السينما هي الاحتيال الأجمل في العالم، حسب تعبير المخرج الفرنسي جان لوك غودار، وقد يصعب إقناع الجماهير بالتأثير القوي للأفلام بشتى أنواعها على أفكارهم وتصوراتهم عن الحياة بشكل عام، “لكن دعونا نتخيل شكل عالمنا المعاصر دون الصورة المتحركة؛ هل نستطيع تصور تأثير خُطب أدولف هتلر الملتهبة دون أن تتوفر له فرصة نشرها بين ملايين البشر، أو تأثير المناظرة الشهيرة بين جون كينيدي وريتشارد نيكسون لو لم تذع على التلفاز، أو تأثير خُطب أسامة بن لادن الداعية لمحاربة الغرب فيما لو كانت محصورة بين الرجال الموجودين معه بنفس الكهف؟”.

قدمت جامعة Roskilde في الدنمارك عام 2005 دراسة أعدّها أربعة باحثين، بعنوان (صناعة الوعي في هوليوود؛ تحليل لتدخل الحكومة الاتحادية الأمريكية في إنتاج الأفلام المعروضة كوسيلة للتأثير الشامل). تبحث الدراسة في موضوع التعاون بين هوليوود والمؤسسات السياسية والعسكرية الأمريكية في فترات الحرب والمواجهة مع الآخر، كما تطرح الإشكاليات المترتبة على محاولة إعادة كتابة بعض الأحداث التاريخية وعرضها على الشاشة الفضية.

عمل الباحثون على دراسة الارتباط النفسي الذي يشعر به المشاهد إزاء الفيلم، من خلال فحص نظريات تتناول كيفية تواصل المشاهدين مع الأفلام، وكيفية تفاعل الأفلام مع معتقداتهم وخيالاتهم وعواطفهم. وسلطت الدراسة الضوء على التأثير العميق للأفلام، بواسطة مجموعة من الرموز والإشارات والمظاهر الاجتماعية التي تسمح بملاحظة وتفسير المعلومات التعسفية المشفرة التي يتلقاها المشاهدون من بعض الأفلام. وبطبيعة الحال؛ فحين نجلس في صالة عرض أو نشاهد فيلمًا على التلفاز، نعلم أن الممثلين لن يقفزوا فجأة من الشاشة “فالكلب في الفيلم يمكنه أن ينبح ولكنه لا يعض”، إلا أننا نكون على استعداد نفسي لتكريس اهتمامنا الكامل له. هو إذًا اتفاق صامت بين طرفين، يقضي أن نسمح لأنفسنا بتصديق ما نراه ولو لفترة وجيزة مقابل الترفيه عنا.

محطات في صناعة الوعي:
دور هوليوود في سرد الحكاية الأمريكية وصياغة أسطورتها كان وما زال أساسيًّا، فالأفلام الأكثر شعبية داخل أمريكا وخارجها ترمز بوضوح للقيم التي تنادي بها واشنطن. ووسائل الإعلام إجمالًا ومن بينها الأفلام ساهمت في خلق تعريف للهوية الأمريكية المُركّبة والمتغيرة باستمرار، وخاصة حين بروز أزمات تهدد الأمن القومي.

أ: الحرب العالمية الأولى
تشير الدراسة إلى تعيين الرئيس وودرو ويلسون لجنة إعلامية Committee on Public Information (CPI) في أبريل عام 1917، بعد أقل من أسبوع من دخول أمريكا في الحرب. كانت اللجنة بمثابة أول وزارة للدعاية، وتهدف “لتحويل قناعات الأمريكيين تجاه الحرب من الحياد إلى الاستعداد والرغبة في خوضها، بسبب الحاجة إلى جهد كامل من جانب الشعب الأمريكي لمواصلة الحرب، ولا يمكن أن يأتي هذا الجهد إلا من جمهور مقتنع تمامًا بدوافعها”.

سعت CPI بالتعاون مع الجيش إلى التحكم في تصوير الأفلام المعروضة خلال فترة الحرب، والسيطرة على المعلومات التي يتم نقلها للجمهور، بما في ذلك الأفلام الوثائقية والتقارير المتلفزة التي تنقل من ساحات الحرب في أوروبا.

في الفترة ما بين الحربين العالميتين كان تأثير الحكومة في صناعة الأفلام خفيفًا نسبيًّا، “وبدأت هوليوود في العشرينيات بصناعة نوع مختلف من النجومية والأفلام الدرامية، تدور أغلبها حول قصص الحب التي يتحكم فيها بطل رئيس بحبكة الرواية، ينتهي به الأمر لنهاية سعيدة عقب تجاوز العقبات”.

وفي سنوات الكساد الكبير التي بدأت مع انهيار سوق الأسهم أواخر عام 1929، كان على الحكومة الأمريكية اتخاذ خطوات جريئة لمواجهة الأزمة الاقتصادية وإعادة توظيف 13 مليون أمريكي عاطل عن العمل، وهنا ظهرت بعض الأفلام التي دعمتها الحكومة الاتحادية لتدعيم سياساتها الاقتصادية، مثل فيلم Hands (1934).

ب: الحرب العالمية الثانية
بعد انضمام أمريكا إلى قوات الحلفاء؛ أسس الرئيس فرانكلين روزفلت عام 1942 مكتب معلومات الحرب Office of War Information (OWI) بهدف توحيد الرسالة الوطنية، “واعتُبر المكتب الناقل الرئيس للحوار بين واشنطن والمواطنين في تلك الحرب الشاملة”.

تذكر الدراسة أن مكتب OWI كان يحرص على تأكيد عدم سعيه لفرض رقابة على الأفلام، رغم إقراره بحاجته إلى خبرات هوليوود في الحفاظ على دعم المجهود الحربي واستنهاضه المستمر لـ “وطنية” المؤسسة الفنية. وتجسدت استراتيجية المكتب بوضوح عبر كلمات رئيسه إلمر ديفيس: “إن أسهل طريقة لحقن فكرة دعائية في أذهان معظم الناس هو تمريرها عبر وسيلة ترفيهية في الوقت الذي لا يدركون فيه أنه يتم تغيير قناعاتهم”.

يعدّ فيلم Mission to Moscow واحدًا من أوضح التطبيقات العملية لتلك الاستراتيجية. الفيلم الذي أنتجته عام 1943 شركة Warner Brothers، مقتبس من رواية كتبها جوزيف ديفيس؛ السفير الأمريكي السابق في موسكو، “وهو مثال ساطع على ضبابية الحقيقة في عالم السياسة، إذ صور ستالين؛ الزعيم السوفيتي الشيوعي والحليف الأمريكي في الحرب، كرجل عظيم حريص على المصلحة العامة”.

ج: الحرب الباردة
احتفت الرأسمالية الحديثة – بأيديولوجيتها السياسية وحريتها الاقتصادية- بالخيارات الفردية كمبدأ أساسي من مبادئ تمايزها عما سمته بعبودية النظام السوفييتي. “الشعور بالتفوق السياسي والاقتصادي والأخلاقي ليس أمرًا جديدًا في الصورة الذاتية الأمريكية، واستمر استخدامه في حقبة الحرب الباردة لتسويغ شرعية القيادة الأمريكية للعالم وحقها الحصري في شن الحروب”.

وبغض النظر عن الاحتفاء الأمريكي بالخيارات الفردية، “فقد عصف جنون الشك بالحكومة الأمريكية فيما يتعلق بالمخربين السياسيين المفترضين وخاصة في العقد الأول الذي تلا الحرب العالمية الثانية”، وكان الممثل البريطاني تشارلي شابلن أحد أشهر ضحايا هذه السياسة، إذ بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي التحقيق فيما إذا كان متورطًا في أنشطة تجسسية لصالح السوفييت. “شابلن اشتهر بأعماله الكوميدية العميقة على بساطتها والتي جذبت الجماهير داخل وخارج أمريكا، واتسمت أعماله بفكر تقدمي يدعو للإنصاف والتسامح والمساواة بين جميع الشعوب، ما أثار شكوك الحكومة بشأن توجهاته السياسية”، فاضطر بسبب الضغوط الإعلامية والقضائية لمغادرة الولايات المتحدة عام 1952، والاستقرار في سويسرا.

كيف تؤثر الصورة على الرأي العام؟
في سعيها للإجابة على هذا السؤال، أوردت الدراسة رأي جريجوري كيوري، أستاذ الفلسفة بجامعة يورك في بريطانيا؛ الذي يعتقد أن الأفلام السردية لا تؤثر مباشرة في معتقدات المشاهدين لكنها تؤثر في ملكة الخيال لديهم. ففي حين يمكن للمعتقدات أن تندمج في حياة الفرد أو في مفاهيم الجماعة، يظل الخيال فكرة غير قابلة للاندماج في عقل الشخص. “يتم ترميز الأفلام في عرض بصري وسمعي، لتستقبل حاستا البصر والسمع المواد المعروضة، وعند معالجتها بواسطة الدماغ ينظر إلى هذه الرموز في البداية كأمر خيالي لا يمتّ للواقع بصلة”.

لا ينفي كيوري هنا أن معتقدات المشاهدين تتأثر بالأفلام، لكنه يرى أن التأثير يمرّ عبر قناة الخيال ويغير بشكل بطيء وخفي معتقدات المشاهدين ونظرتهم للعالم، مؤكدًا أن الخيال هو نظام مبني لتحقيق أغراض بعينها، حيث يقوم العقل إلى جانب القدرة على التخيل بخدمة وظائف معرفية مهمة وعمليات جمع معلومات، ويرسم صناع الأفلام ببراعة حدود الخيال الذي تعرضه الأفلام السردية.

عرضت الدراسة نموذجين لإثبات فرضيتها، الأول عن كمبوديا والثاني عن الصومال.

The Killing Fields (1984)
الفيلم مقتبس من كتاب The Death and Life of Dith Pran، للصحفي الأمريكي سيدني ستشانبيرغ، مراسل صحيفة نيويورك تايمز، يحكي فيه جانبًا من الحرب الأهلية في كمبوديا منتصف السبعينيات، حين سقطت الحكومة الكمبودية المدعومة من أمريكا وفيتنام الجنوبية، وسيطر حزب الخمير الحمر الشيوعي على مقاليد الأمور في بنوم بنه، حيث كان يعمل سيدني برفقة ديث بران، الصحفي والمترجم الكمبودي.

في المشهد الافتتاحي للفيلم يسمع المشاهدون تعليقًا بصوت الشخصية التي تلعب دور سيدني، يقدم نبذة سريعة عن خلفية الصراع الدائر في بنوم بنه ووضعه هو وسط الصراع. “استقبال المشاهدين بهذا التعليق يعطيهم صورة جادة عن الفيلم، ويحفزهم على تفسير أحداثه والتفاعل معها في أذهانهم باعتبارها أحداثًا واقعية”.

يصل سيدني برفقة بران إلى قرية Neak Luong الكمبودية، والتي تعرضت لقصف أمريكي (لم يذكر اسم القرية في الفيلم)، ليجد بقايا قرية متفحمة. في الفيلم يطلب أحدهم من سيدني التقاط صورة لابنه المصاب، لكن الرواية الواردة في كتاب سيدني مختلفة عن رواية الفيلم، فالرجل في الحقيقة أخبر سيدني أن زوجته وأطفاله العشرة أحرقوا في القصف. في المشهد نفسه يتعرف سيدني على أم لخمسة أطفال، وتخبره أن زوجها فقط قتل في القصف. تسأله بألم عما إذا كان الطيار الأمريكي الذي قام بالقصف سيتعرض للاعتقال والمساءلة، وسيدني لا يعطيها إجابة.

الفيلم لا يعرض الأحداث بعمق وشفافية، ويعطي انطباعًا عامًا مفاده أن جملة ضحايا القصف لم يتجاوز قتيلًا واحدًا و30 جريحًا، بينما قتل في حقيقة الأمر 137 مدنيًّا وجرح 258 آخرين، والطيار الذي قام بقصف البلدة دفع غرامة قدرها 700 $ وأُخلي سبيله. عرض هذا الفيلم في بداية الثمانينيات، وكان الشعب الأمريكي وقتها ما زال يتعافى من التداعيات الكارثية للتدخل الأمريكي في جنوب شرق آسيا، وأفلام من هذا النوع في تلك الفترة اعتُبرت جزءًا من العلاج ومحاولةً لإصلاح الشرخ الذي أحدثه التدخل بين الأمريكيين منذ أواسط الستينيات.

قدمت إدارة رونالد ريغان دعمًا حكوميًّا لإنتاج الفيلم، وفي المقابل حرصت على أن يقدم الفيلم رسالة تقول: “إن أية جوانب غير قانونية للتدخل الأمريكي في كمبوديا هي من أخطاء إدارة ريتشارد نيكسون السابقة، والنظام في أمريكا يصحح نفسه بنفسه في النهاية”. هذه الرسالة تجاهلت سلسلة المصالح والسياسات المتجاوزة إدارة نيكسون، والتي أدت إلى التدخل في تلك الحقبة.

يمثل سيدني النموذج الأمريكي؛ الشخصية القوية، التي تعرف ما تريد، ولا يخيفها المستقبل، “بينما يمثل بران الآخر، المحتاج، الخائف، غير الواثق، والعلاقة بينهما شبيهة بالعلاقة بين الأب والابن/ الزعيم والتابع/ الرجل وامرأته”. يحرص بران على حماية البطل من وحشية الخمير الحمر، وهو الكمبودي الوحيد الذي يتحدث الإنجليزية في الفيلم، ولذا تطلق الدراسة على شخصيته مجازًا وصف “الهمجي النبيل”.

بعد فراق قسري، إثر رحيل سيدني عن كمبوديا بسبب ظروف الحرب تاركًا وراءه بران، يلتقي الاثنان مجددًا ويتعانقان على الحدود التايلاندية الكمبودية، يعتذر سيدني عن “الخذلان المؤقت”، ويرد بران بتلقائية وطيبة: لا يوجد ما تعتذر عنه. وتبدو أغنية Imagine لنجم الروك John Lennon والتي تصدح في النهاية، خاتمة ملائمة لجملة الرسائل المخملية التي تضمنها الفيلم:
“تخيل لو لم توجد جنة، ولا جحيم أسفلنا، فوقنا سماء فقط، سهل أن تحاول، تخيل لو أن كل البشر، يعيشون من أجل يومهم فحسب. تخيل لو لم توجد ممتلكات، ولا جشع ولا جوع، أخوة إنسانية وبشر يتشاركون العالم. أتساءل لو تقدر، تخيل لو لم توجد بلدان، ولا شيء يُقتل أو يموت من أجله أحد، لا دين أيضًا. تخيل لو أن كل البشر، يعيشون بسلام، قد تقول أنني حالم، لكنني لست الوحيد، وأرجو أن تنضم إلينا في يوم ما، ويتحد العالم”.

Black Hawk Down (2001)
تدور قصة الفيلم حول المعركة التي وقعت في مقديشو يوم 3 أكتوبر 1993 بين القوات الأمريكية، وميليشيات أمير الحرب الجنرال محمد فارح عيديد. الفيلم مثال جيد على نوعية الأفلام التي تتطلب تعاونًا مع البنتاغون، فمروحيات البلاك هوك – مثلًا- ليست شيئًا يمكن لشركات الإنتاج في هوليوود استئجاره بسهولة، وبالتالي كان على منتجي الفيلم إعطاء البنتاغون حق الاعتراض على أي جانب من جوانب الفيلم لقاء حصولهم على دعم كامل من المؤسسة العسكرية، وعقب تعديلات في النص أجاز الجيش لمنتجي الفيلم الاستعانة بثماني مروحيات بلاك هوك Sikorsky UH-60 وأربع مروحيات Hughes H-6 ‘Little Birds’ مع الطيارين الذين حلقوا فوق مقديشو في ذلك اليوم المشؤوم.

يعرض الفيلم عددًا من جنود الرينجرز وعسكريين من نخبة قوة الدلتا، إلا أن بطل الرواية المركزي هو الرقيب مات إيفرسمان، الذي يظهر في الفيلم بصورة شاب تتجسد فيه معاني النزاهة، وحسب عبارته في الفيلم “أنا جندي دُرّب ليُحدث فارقًا”. طوال الفيلم تبدو صورة الجنود الأمريكيين التي يقدمها الممثلون متألقة في مثاليتها، فهم أقوياء صادقون مفعمون بالعزيمة ولا يمكن إخافتهم، يتورعون عن قتل الأطفال والعزّل، ولا يطلقون نيرانهم إلا إذا هوجموا أولًا. لا يتعرض الفيلم للمدنيين الذين قتلوا على أيدي القوات الأمريكية وحلفائها، ولا للاعتداءات الأخرى التي ارتكبوها.

مع المشهد الأول للفيلم تبدأ الحدود بالتشكل بوضوح في ذهن المشاهد بين الأشرار والصالحين، فميليشيات الجنرال عيديد ترعب مدنيين عزل، وتطلق عليهم النيران بهدف الاستيلاء على حصصهم من مواد الإغاثة أمام مركز غذاء تابع للأمم المتحدة، هذه الصورة قد تكون مطابقة للأحداث التي جرت حينها في جنوب البلاد، لكن شيطنة الصومالي في الفيلم استمرت على هذه الوتيرة في بقية المشاهد.

ورغم ظهور معلومات على الشاشة في نهاية الفيلم تقول أن أكثر من ألف صومالي وتسعة عشر أمريكي قتلوا في معركة مقديشو، فإن مقتل الصوماليين على يد الأمريكيين في الفيلم لا يبدو وكأنه شيء جدير بالاهتمام أو التعاطف، فجميع القتلى في الفيلم من ميليشيات أمير الحرب ويحملون بنادق AK-47 ولم توضع لحظات إصابتهم أو مقتلهم في قالب عاطفي، كما حدث في المشاهِد التي كان الأمريكيون فيها هم الضحايا.

طوال الفيلم استخدم الأمريكيون للدلالة على الصوماليين لقب Skinnies أو الناحلون، الاسم الوحيد الذي تردد هو اسم أمير الحرب عيديد الذي يرمز هنا لكل معاني الشر والهمجية، واللغة التي يتحدث بها الصوماليون غير مفهومة ولا توجد ترجمة لها في أغلب المشاهد، كما لا توجد شخصيات صومالية صالحة يمكن أن يتعلق بها المشاهد، عدا عن المدنيين الجوعى المضطهدين من قبل أبناء جلدتهم، والذين لا يثيرون فيه سوى الشفقة.

عُرض الفيلم في عهد إدارة جورج بوش الابن التي أعلنت “حربًا عالمية ضد الإرهاب”. وكانت رسالة هوليوود واضحة في تعريف الشر والخير في تلك الحرب، إذ اعتمدت النماذج المسلمة وحدها للدلالة على التطرف، ولا يمكننا أن نتجاهل إحدى لقطات الفيلم التي تربط بين همجية الصوماليين والإسلام. إنه فجر يوم المعركة، وتظهر لقطة بانورامية رائعة للمدينة المدمرة، التقطت بمروحية تطير في سمائها. تحلق المروحية فوق مسجد، تتعقب الكاميرا الإمام الذي يصعد إلى المئذنة ليردد الأذان، ثم تتجه صوب الاتجاه المعاكس وتصور مشهد الشروق البديع، لتنقلنا إلى رجل على تلة قرب المسجد، يلبي نداء الصلاة فوق التلة، نراه يسجد مرتين ويركع، ينهي صلاته، يرفع بندقية من طراز AK-47 من الأرض ويمتشقها، الصورة تقول لنا إن الرجل من معسكر الأشرار.

تؤكد الدراسة في الختام أن تحاشي مثل هذه الأفلام الإجابة على الأسئلة الجوهرية في السياسة الخارجية الأمريكية يجعلها شبيهة بالأساطير التي نُسجت حول الاستعمار والتصنيع في العالم الجديد. هي محاولة مُتقنة للاستقواء بلغة عالمية جميلة من أجل إعادة كتابة التاريخ والتصالح مع الماضي دون تحمل أية مسؤوليات أخلاقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد