إذن نحن على موعد مع عاصفة بُعثت من مرقدها لغرض ما في نفس صانعيها، ويبدو لها أنها لن تهدأ قبل أن تهنأ، وتتيقن أنها قد نجحت في محو جبال المحبة والهيبة الراسخة، والتي صنعتها المؤسسة الأزهرية العريقة لنفسها وبنفسها في نفوس عشاقها من كل حدب وصوب.

الأزهر الشريف الذي وجد نفسه في الآونة الأخيرة، وإذ فجأة، مطعونًا بغير ما اكتسب من الإثم، فأصبح هو منبع كل تطرف، وسببًا لكل تأخر، وعدوًّا لكل تقدم، بل تحول إلى أصل كل الشرور التي تؤرق العالم بأسره في منامه ونهاره.

لم تكن قضية الطلاق الشفوي أكثر من مجرد سجال فكري، دار بين الرئيس السيسي وشيخ الأزهر، بهدف الوصول إلى ما ينفع الناس من صيغة تساهم في الحد من تلك الظاهرة المقلقة، التي استشرت بقوة داخل أرجاء المجتمع المتدين بطبعه.

لم تفعل المؤسسة الأزهرية خلال نظرها للقضية، أكثر مما حملها الدستور على فعله، حين جعلها المرجعية الوحيدة المنوط بها إبداء الرأي وإسداء الفتوى في كل ما يتعلق بأمور الشريعة الإسلامية، فجاء رأي هيئة كبار العلماء قاطعًا وبالإجماع، بوقوع الطلاق الشفوي، ليؤكد بما لا يدع مجالًا للشك، أن تلك المؤسسة قد تمرض ولكنها لا تموت، وأنها لا ترضخ أمام ذي سلطان ولا تخضع لأي ضغوطات، خاصة وإذا كان الأمر متعلقًا بمخالفة سنة الله التي فطر الناس عليها.

لكن المثير والمؤسف في آن واحد، تمثل في طريقة تناول بعض المنابر الإعلامية لدعوة الرئيس السيسي لتوثيق الطلاق الشفوي، والتي تعاملت معها على طريقة «عُلم وينفذ»، فجاء رفض الأزهر للقضية ليكون بمثابة الصدمة بالنسبة لهم، لتبدأ تلك الأبواق في الكشف عن وجهها القبيح، والذي ما أنزل الله به من سلطان.

هؤلاء القاسية قلوبهم والمتطاولة ألسنتهم وأقلامهم بحق المؤسسة الأزهرية، هم أنفسهم من عموا أبصارهم وصموا آذانهم، عندما تمكن الرئيس السيسي في موقف مشابه حدث من ذي قبل، من انتزاع فتوى من فم الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، كانت تدور حول ضرورة تحديد النسل وتنظيم الأسرة.

ورغم أن شيخ الأزهر قد وافق الرئيس فيما ذهب إليه، وكانت الفتوى علانية وعلى رؤوس الأشهاد، غير أنها مرت مرور الكرام دون أن تتحدث عنها أي وسيلة إعلامية، بغير طريقة التلميح عن بعد، في طريقة يمكن وصفها بأنها ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

وبعيدًا عن الجدل الدائر حول موضوع الطلاق الشفوي، فالمحتمل أن هناك حلقات جديدة من الصراع آتية لا ريب في ذلك، ستدور حول قضايا أخرى، سيجد الأزهر فيها نفسه متربصًا به، حول ما يقوله أو يفعله، لكن بحكم التاريخ فهو قادر على الصمود والمواجهة، باعتبار أن ما يتعرض له حاليًا، ليس إلا نوعًا من «اللمم»، مقارنة بما واجهه من قبل، وتاريخه طيلة الأعوام الألف الماضية يشهد على ذلك، وطوبى لمن صمد.

وخلاصة القول أن الأزهر ليس مطالبًا بأن يتحمل أخطاء ارتكبها غيره، فمن صنع الإرهاب هو من حكم بالاستبداد، وكبل تلك المؤسسة العريقة بالقوانين، التي حجمت دوره، وجعلته يتراجع لصالح مدارس خارجية، والتي أخرجت ما يعرف بظاهرة الدين النفطي.

ورغم ذلك فالأزهر الشريف جامعًا وجامعةً، ليس معصومًا من الخطأ، وهناك بعض الثقوب التي باتت تمثل نوعًا من العوار الظاهر في ثوبه، وهو ما يحتاج تدخلًا فوريًا، قبل أن تتفاقم الأمور، وتصل إلى مرحلة لا تُجدي معها محاولات العلاج، وأيضًا حتى لا تجد المؤسسة الأزهرية نفسها عرضة للانتقادات بين الحين والآخر، والتي تكلفها الكثير والكثير من هيبتها وتاريخها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد