أيقن فولتير أن أبواب الطغيان السلطوي موصدة بأقفال كهنوت الدين/ الكنيسة، فكان معوله في هدم معبد التخلف والرجعية التي هزمت المجتمع الفرنسي حينئذ: «اقتلوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس».

الخلاف الشكلي الذي دار مؤخرًا بين قمة الدولة ومؤسسة الأزهر حول قضية الطلاق الشفهي أثار السؤال وربما الرغبة لدى البعض؛ هل قررت الدولة إخراج الأزهر من قمقمه التاريخي وغرس مشرط التحديث في جسد الأزهر الكـَهل؟

أم أن الأمر مهارشات سطحية على طريقة «مصارين البطن تتعارك»؟

مذ نشأته قبل ألف عام على يد جوهر الصقلي، ارتبط الأزهر برأس الدولة وكان سريع التأثر بمجريات الحالة السياسية وترمومتر الحكومات. ولعل النبش في ذكريات الأزهر وتاريخه الممتد يفسر ويجيب؛ هل الأزهر قابل للتحديث طواعية؟ وما هي حقيقة وجوده وثقله السياسي والثقافي/الفقهي في حياة مصر والمصريين؟

– ارتبطت نشأة الأزهر برغبة سياسية من رأس الدولة الفاطمية لتدريس ونشر المذهب الرسمي للدولة، المذهب الإسماعيلي ويكون الأزهر نواة تعليمية سياسية منافسة لجامعة القرويين بالمغرب والتي سبقتها بالنشأة مائة عام وحصنًا فقهيًا تتحصن وتنطلق به الإمبراطورية الوليدة في مواجهة مذاهب العباسيين السنيّة المصطدمة بها بالشرق العربي. إذن الأزهر لم يكن نتاج فرقة فلسفية أو فقهية أو كلامية طليعة أو منبر حديث لتجديد ديني قائم بذاته، بل لم يعدُ كونه مؤسسة ارتبطت برغبة سلطوية من أجل تقوية نفوذها ونفوذ مرجعيتها الدينية ومشروعيتها السياسية.

– عندما حل الأيوبيون محل الفاطميين لم يجد الأزهر الإسماعيلي سوى النبذ والإهمال من السلاطين الجدد إلى أن جاء المماليك وأدركوا أن مشروعيتهم السياسية لدى المصريين ستخرج من الأزهر لكن بالصيغة السنية الحنفية (مذهب أبي حنيفة)، واهتم المماليك بالأزهر والاعتناء بشئون الدين والمذهب الحنفي الجديد لتعويض فارق اللغة والدم بينهم وبين سكان مصر. وأعطى المماليك للأزهر أوقافًا كبيرة وسلطات ونفوذًا لمشايخه كانت كفيلة بأن تضمن لسلاطين المماليك سند الشرعية طيلة مئتي وخمسين عامًا.

– في زمن الخلافة العثمانية، ظل الأزهر في حضرة الولاة المماليك الذين تولوا شئون العثمانيين في مصر وأصبح الأزهر المؤسسة التعليمية الرئيسية – إن لم يكن الوحيدة – للتعليم؛ واعتنق الأزهر المالكية والشافعية كيفما أقر خليفة المسلمين في الأستانة. طيلة خمسمائة عام ارتبط الأزهر بحالة الحاكم والسلطة ولم تقم فيه أي كيمياء ذاتية تخص مذاهبه واستقلال إداراته لكنه استحوذ على أوقاف ونفوذ قوي لمشايخه أعطته سلطة روحية له ولمشايخه.

– اصطدم الأزهر بمشروع محمد علي باشا في التحديث والاتجاه غربًا لإنشاء نظم تعليمية مدنية تواكب رغم الوالي الجديد في إنشاء دولته الحديثة. المدارس في مواجهة الكتاتيب، الخبراء الأجانب والمبتعثون في مواجهة الشيوخ؛ الأمر الذي أنشأ ثنائية التعليم في مصر؛ الأزهر بعلومه الشرعية، والمدارس بالعلوم الطبيعية والحديثة. استطاع محمد علي أن يحجّم دور الأزهر ومشايخه في الحياة السياسية خاصة بعد دوره الفعال في مقاومة الحملة الفرنسية ووضع الوالي الجديد على قمة السلطة، فنفى الشيخ عمر مكرم لينفرد بالشرعية وقام بفرض ضرائب على أوقاف الأزهر وقلصها، وأصبحت الوظائف الحكومية حكرًا على خريجي المدارس الحكومية؛ لكن ظلت ثنائية التعليم والثقافة كابوسًا يؤرق محمد علي. وقام أبناء محمد علي بإصلاحات وتوسعات ميدانية محدودة دون أن تشمل تحديث الأزهر إلى أن جاء الاحتلال البريطاني.

– ظل الأزهر بمنأى عن التحديث الذي تبناه محمد علي وأبناؤه، بل رأى فيه هجمة شرسة على الإسلام وظل قابعًا في راديكاليته ليخوض معركته الوجودية ضد المبتعثين القادمين من أوروبا. في بدايات القران العشرين وأواخر القرن التاسع عشر خرجت بشائر تحديثية وتنويرية من الأزهر مثل الإمام محمد عبده وسعد زغلول ومحمد الظواهري، لكنهم قوبلوا باستهجان وظل الأزهر خارج الحالة التنويرية التي صاحبت مصر في الربع الأول من القرن العشرين إلى أن أصدر الملك فؤاد قانونين لتنظيم الهيكل التعليمي للأزهر وأصبحت مدارسه خارج جدران المسجد، ووجدت أفكار محمد عبده والظواهري لها مكانًا بالأزهر، وتعيين مصطفى المراغي رئيسًا لجامعة الأزهر ومحمد الظواهري تولى ذات المنصب أيضًا. قام المراغي بإدخال العلوم الحديثة بمناهجه. بنهاية النصف الأول من القرن الماضي كان في الأزهر تياران متعارضان أحدهما يتبنى التحديث والآخر متمسك بالأصولية التاريخية للأزهر ومنه خرج حسن البنا.

– وصل الضباط الأحرار لقمة السلطة السياسية؛ توجهوا ناحية الأزهر بأمرين؛ الأول تأميم ممتلكات وأوقاف الأزهر وأنشأت حكومة الثورة وزارة الأوقاف لتزاحم الأزهر على ممتلكاته؛ الثاني السيطرة على نفوذ الأزهر وإدارته، فأصبح تعيين شيخ الأزهر بيد رئيس الجمهورية وأوقفت المحاكم الشرعية والدينية، وأُدرج الأزهر في الجهاز البيروقراطي الجديد. رفض عبد الناصر مشروع طه حسين بخصوص بناء نظام تعليمي حديث يقوم على تفكيك مدارس الأزهر الابتدائية والثانوية وتحويل جامعة الأزهر إلى كلية للاهوت وإدراج الأزهر في المنظومة التعليمية المدنية الحديثة والتخلص من ثنائية التعليم الموجودة؛ لكن الحقيقة أن عبد الناصر والضباط الأحرار رغبوا في استخدام الأزهر ذراعًا سياسية لمنح الشرعية للنظام وللاشتراكية (وهي التي هاجمها الأزهر بالفترة الملكية) ورفض عبد الناصر مشروع طه حسين حتى لا يصطدم مع مشايخ الأزهر ولا مع أصوليته.

– استخدم السادات الأزهر في إطلاق مشروعية جديدة لنظامه تدمج الروحي مع الزمني فيصبح «الرئيس المؤمن» الذي يعرف متى يحارب ومتى يسالم مع إسرائيل؛ ولم يجد حسني مبارك من درع يحميه من غلو التطرف الديني الذي ضرب مصر منذ كامب ديفيد سوى الأزهر؛ فأصبح الأزهر يمثل صحيح الدين في المقابل رفعت الدولة بعضًا من القيود على الأزهر وسمحت له بفرض رقابة على كلمة تُكتب أو تقال؛ وأمسى للأزهر قدم في مجريات السياسة وحامي/ رقيب الهوية الدينية للأمة، وملاذ الدولة في مواجهة اليمين الديني.

إذن الأزهر نتاج السلطة، وقد وجدت السلاطين المتعاقبة في الأصولية والراديكالية الأزهرية سلاحًا وذراعًا قويًا في توطيد سلطانها بشرعية مستمدة من كاهن الدين الأعظم، مستفيدًا من الأصولية الفقهية لمفهوم الحاكم والدولة التي يلتزم بها أئمته، فهي بضاعتهم.

وتحديث الأزهر تنظيميًا وفكريًا متوقف على رغبة الحكومات فهو لا يملك مقومات التحديث الذاتي؛ والشواهد تشير إلى أن الأزهر لازم الدولة في فض اشتباك مسائل فقهية تتطلب حداثة معينة كقضية فوائد البنوك وختان الإناث والتقرب/ الصدام مع إيران الشيعية، وليس بآخرها الغطاء الشرعي والديني الذي تطلبته لحظة 3 يوليو 2013!

بفعل ميكانيكا السياسة والسلطة، تبقى المرجعية الفقهية الأصولية للأزهر منجمًا متجددًا لكل سلطة هابطة على سدى الحكم ولرجال الدين الذين يرفضون أن تبور بضائعهم في حراك التجديد والتحديث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد