عنوان المقال هو نفسه عنوان كتاب الباحث الفرنسي أوليفييه روا. يحاول الباحث في كتابه هذا دراسة العلاقة بين الدين والثقافة من خلال ملاحظة حالات معينة من التحول الديني، الفردي بالخصوص، وحالات صعود بعض المذاهب الدينية، الأصولية خاصة. «لماذا يصبح عشرات الآلاف من المسلمين في آسيا الوسطى مسيحيين أو شهود يهوه؟ وكيف أمكن لكنيسة بروتستانتية إنجيلية أن تتجذر في المغرب أو الجزائر؟ ولم تحقق الإنجيلية البروتستانتية اختراقـًا مدهشًا في البرازيل «بلغ عدد أتباعها 25 مليونًا في عام 2007»، ولم تستهو السلفية الجذرية شبانًا أوروبيين، بيضًا أو سودًا؟ وكيف أضحت القاعدة التنظيم «الإسلامي» الذي يضم أكبر نسبة مئوية من المتحولين إلى الإسلام؟ وعكسيًا، لماذا تجد الكنيسة الكاثوليكية كثيرًا من العناء في الاحتفاظ برعاياها وتشهد هبوطًا في عدد الملبين لدعوة الرب في الغرب؟ لم تحقق البوذية نجاحًا مشهودًا في الغرب؟ ولم يقد الاحتدام العقائدي للدين في إيران إلى علمنة المجتمع المدني؟ ولم تقدم كوريا الجنوبية العدد الأكبر، قياسًا على عدد سكانها، من المبشرين البروتستانت في العالم؟» ص19.

هذه بعض الأسئلة التي يحاول الباحث العثور على إجابة عنها. وهو يرى «أن نظرية صدام «أو حوار» الحضارات لا تتيح فهم هذه الحركات المُزَعزِعة التي تخلط الخرائط والأقاليم والهويات، وتحطم الروابط التقليدية القائمة بين الدين والثقافة» ص20. «فما نشهده هو إعادة صياغة للديني في فضاء معلمن أعطى الدينيَّ استقلاله الذاتي وتاليًا شروط توسعه. لقد أرغمت العلمنة والعولمة الأديان على الانفصال عن الثقافة، وعلى أن تعتبر نفسها مستقلة وتعيد بناء ذاتها في فضاء لم يعد إقليميًا وبالنتيجة لم يعد خاضعًا للسياسي» ص20. هذا هو ما يدخل في صلب نظرية الباحث «انفصال الدين عن الثقافة» الذي تلعب فيه العلمنة والعولمة الدور الأبرز. فإن العلمنة كما يرى الباحث «لم تُزِل الديني، وهي إذ تفصل الديني عن بيئتنا الثقافية فإنها تظهره على العكس دينيًا محضًا» ص20. وهي تستدرج الديني «لكي ينأى عن ثقافة مُدرَكة منذ الآن على أنها لا مبالية، بل عدائية» ص28- 29.

أما تطور العولمة «فهو ينظم إلى أقصى مدى جميع مكونات الظاهرة، ولا سيما منها إزالة الصفة الإقليمية «عن الديني»، ويُدخل بعدًا مستجدًا: هو التفريق المستمر بين الأديان، والأقاليم، والمجتمعات، والدول، ما يستتبع قدرًا أكبر من الاستقلالية للديني» ص51. «إن العولمة توحد نمط الديني وتُشاكله، وتؤدي إلى تصوره في أصناف مشتركة تفرض نفسها على المؤمنين» ص54. والنقطة المهمة لفهم صعود الحركات الأصولية، هي أن ما تفعله كل من العلمانية والعولمة في إزالة الفوارق الثقافية والإقليمية يشكل خدمة للأصولية، فالأصولية «هي شكل الديني الأفضل تكيفًا مع العولمة، لأنه يضطلع بإزالة هويته الثقافية الخاصة، ويتخذ من ذلك أداة لطموحه إلى العالمية» ص27. من هنا يرى الباحث أن الحديث عن عودة الديني هو من قبيل الوهم البصري، وإنما يجدر الحديث عن تحول؛ حيث «إن العلاقة بين الدين والفضاء العام هي ما يتغير، ذاك بأن عودة الدين إلى الفضاء العام ما عادت تحصل في شكل بداهة ثقافية؛ بل على شاكلة العرض المتباهي لديني «محض»، أو تقاليد مستعادة» ص26. إذن ثمة ظاهرتان تلعبان دورًا رئيسيًا في طفرة الديني اليوم هما: زوال الصفة الإقليمية وفقدان الهوية الثقافية. وكرد فعل على هذا الانفصال بين الدين والثقافة يظهر هناك تياران «أصولي» و«توافقي»؛ «فالأصولية تضطلع بالقطيعة الثقافية، والتوافقية تعتبر أن تجسد الديني في ثقافة «مكينة أو في طور التكون» شرط لحضورها في العالم. يرى الأصولي أن معيار الانفصال هو الإيمان: لا نتقاسم إلا في الإيمان. أما التوافقي فيرى أن المؤمن يمكن أن يتقاسم ثقافة وقيمًا مشتركة مع غير المؤمن» ص29.

تترتب على فقدان الهوية الثقافية نتائج أساسية: «فهي أولًا تحول المسافة بين المؤمن وغير المؤمن إلى حاجز، فلا يعودان يتقاسمان لا تناسق الحركة ولا قيمًا مشتركة». وثانيًا «يترك الحضور المتزامن في السوق «المنتجات الدينية» المختلفة أثرًا على صعيد المنافسة وتوحيد النمط في آن، لا يمس النظرية اللاهوتية بل التدين» ص30.

الثقافي في نظر الديني

يستخدم الباحث كلمة «ثقافة» في معنيين:

1- منتجات أنظمة رمزية، وعروض خيالية، ومؤسسات خاصة بمجتمع.

2- المنتجات الرمزية المقوَّمة اجتماعيًّا، كأصناف جمالية مستقلة ذاتيًّا «الفن» ص55.

لكي يطرح الديني نفسه على أنه ديني «محض» فهو يضع نفسه مقابلًا للثقافة ومتعاليًا عليها، «إن الدين الذي يثبت أنه (دين حقيقي) هو الذي يطرح بوضوح، وفي لحظة، معينة، الثقافة بوصفها غيرية، وإن بذل قصارى جهده عند الاقتضاء للاستيلاء على تلك الثقافة أو ليجعل منها ثقافة، (…) والحال أن أي دين لا يمكنه أن يلبي شروط العولمة وأن يصبح عالميًا، إلا إذا قدم نفسه، وإن على نحو مجرد، على أنه غير ثقافي» ص58. «عندئذ تتوفر للدين ثلاثة مواقف ممكنة: أن يعقل الثقافة بوصفها دنيوية، أو علمانية، أو وثنية. دنيوية، هي الثقافة غير المبالية بالديني. (…) علمانية، هي الثقافة غير الدينية ولكنها شرعية. وثنية، فالثقافة يمكن أن تستند إلى علامة تصنيف دينية، لكنها متعارضة مع الدين المهيمن» ص58- 59. تميل المذاهب الأصولية إلى تقليص الفضاءات الممنوحة للميادين الثلاثة، وعكسيًا تميل الأديان المعلمنة إلى رؤية الإلهي في مجمل الفضاء الثقافي. «يتجرد الدين من الهوية الثقافية عندما يريد استئصال الوثنية؛ ويتثاقف عندما يتكيف مع الثقافة المهيمنة؛ ويندرج في ثقافة عندما يسعى إلى الحلول في صلب ثقافة معينة؛ وينسحب من الثقافة عندما يخال أن غائص في ثقافة مهيمنة كان هو طرفًا مستحوذًا فيها، ولكنها بدت له فجأة أو تدريجًا في مناخ سلبي، (وثني)، أو لا ديني، وإذن مدمر. (…) غير أن الدين يصنع أيضًا شيئًا من الثقافة: فهو يثبت لغات، ويطور المكتوب، ويلهم فنًا دينيًا يحتمل أن يتعلمن (…) ويمكنه أن يتماهى مع شعب فيصبح بذلك دينًا شبه عرقي. (…) وبمُكْنة الدين أن يذهب إلى حد فقدان كل بعد ديني بحيث لا يتعدى كونه معلمًا للهوية ليس إلا» ص65.

في سياق حديث الباحث عن الإسلام يشير إلى نعت الثقافة العربية السابقة عليه بـ«الجاهلية»، وكذلك يلاحظ نظرة الأصوليين للقرآن ليس بصفته نتاجًا للغة العربية، بل على أساس أنه أوصل اللغة العربية إلى درجة الكمال لأنه غير قابل للتقليد بل غير مخلوق. «وكان من أثر ذلك أن غدت عربية القرآن من صميم ما سيأتي من إنتاج الثقافة العربية، وبذلك استحوذ الدين على حق الرقابة على الإنتاج الثقافي» ص74. فالثقافة السابقة على الإسلام لم تقدم إلا كثقافة «إناسية»، وكانت تلك وسيلة ناجحة، كما يرى الباحث، للتحويل إلى الإسلام، وتم تجاهل العلاقة بين اللغة والثقافة في الاستقلال الذاتي لمدونة ثقافية. بمعنى أن الإسلام لم يشر إلى تأثير تداخل اللغة التي يشترك فيها مع الثقافة نفسها التي يسميها «جاهلية»، والتي تنفي الاستقلال الثقافي. ويشير الباحث كذلك إلى أن «خرافة الجاهلية ما تزال قيد الاستخدام من قبل الليبراليين والإصلاحيين، الذين يرون أن مشكلة الإسلام لا تنجم عن الدين بل عن الثقافة. (…) وعلى ذلك يتعين إعادة موضعة القرآن في سياقه الإناسي لاستخلاص مغزاه الحقيقي؛ لكن في أثناء القيام بذلك تُعَزَز في الواقع فكرة الثنائية بين ثقافة إسلامية وثقافة عربية، مع انتقاص الثانية» ص74. ويرى الباحث «أن تصدير الإسلام في ثقافات أخرى هو الذي أظهر الاستقلال الذاتي للعامل الثقافي» ص75. هذا التصدير أظهر فئة جديدة، هي فئة المسلم ذي الثقافة الأخرى «غير العربية».

ففي حين توجد اليوم أزمة إنتاج «ولعلها أزمة استهلاك بوجه خاص» ثقافي باللغة العربية، في حين أن المنطقة اللغوية التركية والفارسية حسنة الحال؛ وذلك لأن أي فضاء ثقافي ينشأ في العالم العربي الإسلامي يكون «عرضة لسهام أصولية متلفة للآثار الفنية، ومعادية للثقافة، من الموحدين إلى طالبان، مرورًا بالوهابيين، أو حركات لا توفيقية ترتاب، بحق وفقًا لوجهة نظرها، في فكرة الثقافة نفسها» ص75. والباحث يرى في الوهابية بالخصوص «شيئًا مثيرًا للاهتمام» حيث «إن الميل إلى التخلي عن الهوية الثقافية هنا هو ميل داخلي حقًا، وليس نتيجة هيمنة أجنبية فحسب» ص75.

تثاقف أم سوق دينية؟

«يفترض التثاقف أن تحولات الديني هي نتيجة فرض طراز مهيمن، يحيل في التحليل الأخير على هيمنة سياسية، و«المغلوب» يتبنى أو يكيف الثقافة المهيمنة، إما في سياق استراتيجية اندماج، أو في وضعية تمرد» ص233.

يرفض الباحث مفهوم التثاقف في تفسير ظاهرة التحول الديني، وبرأيه أن هذا التصور يخلق مشاكل لأسباب ثلاثة: «فهو يتجاهل خاصية الديني بإرجاعه إلى الثقافة، ويجعل من الابتكار الديني نتيجة لعلاقة الهيمنة، ويرى «ينظر؟» إلى العامل الديني من خلال نافذة الاستلاب، أي فاعل غير واعٍ» ص237.

أما مفهوم السوق المقتبس عن الاقتصاد، فإنه «يطرح، خلافًا لنظريات التثاقف، مصادرة مفادها أن يوجد في المقام الأول طلب من قبل الديني «محيلًا عندئذ على طبيعة إنسانية، أو في جميع الأحوال، على «حاجة» دينية» الذي يبحث عن السلع الحاضرة في السوق. والحال أن العولمة خلقت سوقًا عالمية للديني» ص248. «وكان من أثر الانفصال بين المعالم الدينية والمعالم الثقافية أن أتاح بوجه خاص إمكان «استهلاك» منتج ديني من دون حاجة إلى معرفة الثقافة التي أنتجته.» ص248- 249. «إن عدم تنظيم السوق يؤدي في الوقت نفسه إلى مجانسة للمنتجات ومنافسة متزايدة. والحرية الدينية [تجب الملاحظة أن الباحث يتكلم في سياق غربي] ليست حقًا مجردًا فحسب: فإنها تسهم في تطور الديني. وعلى ذلك فالعولمة تتلاءم والتوسع العام للسوق وتضع في مضمار المنافسة جميع الأديان، على الرغم من محاولات انغلاق محلية».

 «بيد أن انفتاح السوق يفترض تكوين فاعل فردي، متحرر إلى هذا الحد أو ذاك من الإكراهات العرقية، والثقافية والاجتماعية، والتاريخية، ويختار بمطلق الحرية المنتج الذي يناسبه في السوق الديني. إن ظاهرة التحولات الكثيفة عن دين إلى آخر، الحرة والطوعية، التي تحصل فرديًا وليس جماعيًا، وهي ظاهرة تسم عصرنا بلا ريب، تحكم حقًا نظرية السوق» ص249. إن ما يحدث هنا ليس تحويلًا للدين بواسطة السوق إلى منتج «إذ يجب أن يمتلك الدين مقدرة على التكيف مع السوق. وما يجعل المنتج جذابًا هو الفصل بين المعالم الثقافية والدينية» ص252. هنا يتجلى توافق العولمية والأصولية، ولو مؤقتًا، فالأصولية «هي عامل من عوامل العولمة ونتاج لها في آن، فالعولمة تقدم للديني فضاءً جديدًا وتسهم في تقهقر الهوية الثقافية للأديان القائمة. إن العولمة والأصولية إذ تفصلان الديني عن الثقافة، وتجعلانه مستقلًا، إنما تصنعان منه على وجه الدقة منتجًا معدًا للتصدير. عندئذ يصبح التحول الحر والفردي عن دين إلى دين آخر دليلًا على مقدرة دين ما على التعولم» ص253- 254.

ركز الباحث بشكل متوسع على المذاهب المسيحية المتنوعة، وبالخصوص الكاثوليكية والبروتستانتية. ولكن لو أردنا أن ننظر إلى علاقة الدين بالثقافة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، فسيبدو الأمر معقدًا إلى حد ما، فمعظم مجتمعاتنا قد اجتاحتها العولمة، بكل أدواتها ووسائلها. ولكنها من جهة لم تزل معالمها الثقافية الخاصة، كما هو حاصل في الثقافة العشائرية المنتشرة خصوصًا في العراق، وهذه الثقافة نفسها تتلقى الانتقاد تلو الانتقاد من الخطاب الديني الذي يرى في بعض ممارساتها مخالفة للدين القويم. هنا أيضًا يتجلى مسعى الأصولية والعولمة في فصل الدين عن الثقافة، ولكنه لم يظهر كل نتائجه بعد، ومع ذلك فإن هذا المسعى يظهر في داخل المؤمن الذي يحاول الالتزام بالأوامر الدينية، ولكنه في الوقت نفسه مرتبط ثقافيًا ببيئة عشائرية لها أحكامها الخاصة، ومن جهة أخرى يظهر تأثير العولمة في بعض الممارسات، وسيبدو مثال سماح المملكة العربية السعودية للمرأة بقيادة السيارة مثالًا واضحًا، فالرفض أساسًا كان قائمًا على أساس ثقافة ذكورية وليس ثقافة دينية «حتى لو تمت محاولة تبريره دينيًا من قبل بعض المشايخ من خلال تبريرات مثيرة للسخرية»، ثم جاءت العولمة من خلال مثال السيارة لتفك هذا الارتباط الوهمي بين ثقافة ذكورية وبين الدين.

ومع التنبيه على أن تركيز الباحث، وجل مادته التحليلية هما من سياق غربي، فإن هذا لا يعني النظر إلى الموضوع من زاوية المشاهد الذي لا يعنيه الأمر؛ فالعولمة تجوب العالم ولا تترك حيزًا إلا ودخلته. ولا نحتاج مزيدًا من تأكيد الأصولية «الإسلامية» فنحن على تماس تام بها. وإذا استمر هذا الشرخ بين الثقافة التي نعيشها وبين الدين «مع الإشارة إلى أن مفهوم الدين مفهوم ملتبس وغير محدد» الذي علينا تطبيقه، فربما نكون في طريقنا نحو «الجهل المقدس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أوليفييه روا: الجهل المقدس. ترجمة صالح الأشمر، دار الساقي، الطبعة الثالثة، ٢٠١٥.
عرض التعليقات
تحميل المزيد