قال تعالى: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا أياته وليتذكر أولوا الألباب» (ص: 29)، ولما كان أحد مقاصد الله – جل وعلا – من إنزال الكتاب على رسوله الكريم أن نتدبر آياته فقد وجب علينا ذلك.

وكما قال الإمام ابن القيم الجوزية في تفسيره للآية الكريمة: «وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا» (الفرقان: 30) «فإن هجر القرآن أنواع:

– أحدها هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.

– والثاني هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

– والثالث هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.

– والرابع هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

– والخامس هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب، وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به.

وإن كان بعض الهجر أهون من بعض» انتهى كلام الإمام.

فالقرآن الكريم فيه بيان كل شيء، ومنهج حياة متكامل، وشفاء لما في الصدور، حيث قال ربنا تبارك وتعالى: «ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين» (النحل: 89).

«وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون» (الأنعام: 155).

«يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين» (يونس: 57).

وبما أن طوارئ الحياة لا تنتهي إلا بفراقها وأمراض القلوب لا تنفك عن طرق بابه، كان لزامًا على العبد التقي أن يستمسك بكتاب ربه دائمًا متفاعلًا معه بهمومه ومشكلاته وأمراض قلبه مستخرجًا منه فرجًا لتلك الهموم، وتصحيحًا لرؤيته، وحلًا لتلك المشكلات، وعلاجًا لأمراض القلب من شبهات، أو شهوات، أو غفلات، أو هوى، فكلهن حجب عن الله جل وعلا.

ومن المعلوم بداهة أن القراءة لا تقدح زناد فكر القارئ إلا عندما يصيب موضوعها شيء ألمّ بنفس القارئ من قبل وأهمه، فقد يمر قارئ القرآن مثلًا على آيات المواريث مرور الكرام مسرعًا في تلاوتها متجاوزًا إياها لغيرها، لأنه لم تلم به مشكلة من قبل في هذا الباب، ولكن إذا تعرض في حياته المقبله بعد ذلك لأزمة في المواريث، فسوف يفاجأ بإعادة اكتشاف معاني تلكم الآيات، وكأنه لم يقرأها ألبته من قبل، وسينبهر كيف يمكن لها أن تقع في قلبه وعقله، وتكون حلًا عمليًا رائعًا لمشكلته التي أعضلته، وبهذا يتحقق التفاعل مع القرآن الكريم ليؤثر في شخصياتنا، فنتخلق بخلق القرآن، أسوة برسولنا الحبيب – صلى الله عليه وسلم – حيث كان «قرآنا يمشي على الأرض»، وهذا هو غاية طموح المسلم، فيحيا في الدنيا حياة طيبة، ويجزيه الله في الآخرة أجره بأحسن ما كان يعمل.

وبناء على ما تقدم من تصور فأرى أنه لا سبيل للمسلم إلى تحقيق ذلك، إلا من خلال ختم تلاوة القرآن مرات ومرات عديدة، ما بقي حيًا يرزق، وفي كل مرة يتدبر ويتفاعل مع القرآن بما يشوب عقله، ونفسه، وقلبه، من ملمات، وأن يستخرج من القرآن منهجًا وشخصية، وهدى، وبنهاية كل ختمة يدون في «مذكرة تدبره» نتاج هذا التفاعل، فتمثل تلك المذكرة خلاصة معرفة وعلم ورؤية الشخص نتيجة خوضه غمار الحياة وتفاعله مع القرآن.

وأقترح على القارئ الكريم تقسيم مذكرة تدبره إلى ثلاثة أقسام: عقائد، صدق مع الحق، خلق مع الخلق.

والفكرة وراء هذا التقسيم هي أنه من المستقر في الأفهام أن رؤية المرء للعالم من حوله وتفاعله معه بتصرفاته من قول أو فعل ما هو إلا انعكاسًا لما استقر في قلبه وصدره من عقائد وأفكار، ومن أهم أدوار القرآن أن يعيد تشكيل معتقداتنا بما يتفق مع مراد ربنا ويمحص ما في قلوبنا لينقيها من كل معتقد خاطئ استقيناه بوعي أو بدون من خارج مشكاة الوحي النقي الصافي.

«ربكم أعلم بكم» (الإسراء: 54). ومؤكد أن ربنا أعلم بما يصلح أو حولنا، وما يناسبنا من معتقد، «وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير» (الملك: 13-14).

ومع ضبط المعتقد تنضبط حركة الإنسان في الحياة بشرط أن يتسق ما يعتقد ويقول مع ما يفعل «يا أيها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» (الصف: 2-3). وكما قال الإمام الفخر الرازي: اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق وخلق مع الخلق. انتهي كلام الإمام.

ومما تقدم يستقر عند القارئ الكريم لما من المفيد تقسم مذكرة تدبره لتلك الأقسام الثلاثة للتدبر والفائدة من القرآن الكريم، وأرى أنه لابد من حفظ تلكم الآيات الواردة في مذكرة التدبر عن ظهر قلب، وتكرارها، مرارًا وتكرارًا في الصلاة، والقيام، والحديث مع الناس، كي تستقر عند المتدبر كعقائد لا تنسى ومنهج حياة دائم مستقر، فالإنسان دائم النسيان، ويحتاج دائمًا للتذكرة، فقال ربنا – سبحانه وتعالى – عن أبينا آدم عليه السلام: «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا» (طه: 115)، «وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين» (الذاريات: 55).

والحفظ مهم بشكل لا يمكن أن يوصف، ومختلف عن القراءة تمامًا، فالحفظ يوقر المعنى في القلب، ويشرب به العقل ويغلغله في النفس. ففي كل مرة يكرر الشخص الآية التي يحاول أن يحفظها، يزداد اختلاطًا وتشربًا لمعناها حتى تتحول لسلوك وسمة فيه. وبعد ذلك في كل مرة يصلي بها، أو يقرأها على أحد، أو يقيم بها الليل، يتذكر معناها وإرشادها له، وعندما يواجه في الحياة بعد ذلك موقف يتطلب تذكره لموعظة تلك الآية، يجدها تلقائيًا قفزت إلى عقله وقلبه وتصرف بمقتضاها. فمثلًا عندما تستقر آية «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها وإلا ذو حظ عظيم». وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم» (فصلت: 34-36) في قلب وعقل المسلم يجدها قفزت في عقله تلقائيًا عندما يسيء إليه أحدهم فيجد في نفسه هدوءًا، وفي قلبه سعة تجعله يقابل السيئة بالحسنة، وإن وجد في نفسه ما يحدثه بعكس ذلك من الانفعال والجهل على الشخص الآخر، فيعلم أن ذلك من نزغ الشيطان، فيستعين بالله، ويستعيذ به من الشيطان الرجيم، وهكذا يتحول القرآن الكريم إلى سلوك حي في شخصياتنا.

وليس معنى الحث على حفظ آيات بعينها لتشكل الشخصية والرؤية أن لا نقبل على حفظ القرآن الكريم كاملًا.. أسأل الله أن يتم ذلك على جميع من يسعى فيه ويحفظه على من أتمه. ولكن المقصد أنه إن كان الشخص للكتاب كله حافظًا فلابد أن يكون لتلك الآيات أحفظ لأنها منهج حياة ورؤية وأخلاق.

ونهاية أعوذ بالله أن أكون أنا أو أنت أيها القارئ الحبيب ممن يصح فيهم قول الله تعالى «أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون» (البقرة: 44) داعيًا الله – جل وعلا – لنفسي وإياكم أن يجعلنا ممن يمشوا في هذه الدنيا أسوياء على صراط ربنا المستقيم على بينة من ربنا متجردين متخلصين من الهوى مخلصين لربنا طامعين في رضوانه في الدنيا والآخرة.

«أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشي سويًا على صراط مستقيم» (الملك: 22).

«أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم» (محمد: 14).

«أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير» (ال عمران: 162).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد