مقدمة:

الإنسان في أصل تركيبه الطبعي مبني على الافتقار في كل جوانبه، فمكونات الكائن البشري ثلاثة: جسد، ونفس، وعقل. وهذه المكونات الثلاثة كل منها أجوف غير مكتف بذاته إنما يتطلب ملئًا متعمدًا كي يسد جوفه فيطمئن الإنسان بذلك، وإلا أصابه ألم وهم ووجع. وأوضح مثال على ذلك هو جوف الجسد فهو أمر متكرر نشعر به جميعا فهذا الجسد غير قادر على الاكتفاء الذاتي، إنما يفتقر لطعام يسد جوفه وإن لم يسد هذا الجوف بما يناسبه من طعام يبعث على تقويه الجسد واستمراريه عمله بكفاءة يكون رد فعل الجسد أن ينبه الإنسان بألم الجوع كي يدفعه دفعًا لسد جوفه بما يناسبه ويكفيه وإن حاول الإنسان سد الجوف بما لا يناسبه فما زال هذا الألم فمثلًا إن حاولت أن تملأ جوفك بماء وأنت جائع لما سكن ألم الجوع. وإن بالغ الإنسان بملء جوف جسده بأكثر مما يكفيه لآلمه ذلك أيضًا في إشارة من الجسد لعدم تحمل كل هذا القدر الزائد المؤذي من الطعام – رغم مناسبته نوعًا – إنما الاتزان بما يكفي ويوفي – نوعًا وكمًا – هو المطلوب الذي يسد الجوف ويقيم الجسد ليؤدي وظائفه بكفاءة. وعندها يسكت أي ألم فإن الأصل في الألم أنه يوجه الإنسان نحو شيء يحتاجه أو ينبهه كي يقلع عن شيء يضره.

تأصيل فكرة الألم والجوف في النفس والعقل.

وبالقياس على المثال السابق من الجوف الجسدي المادي يمكن أن نخلص للأفكار التالية.

الألم: إنما الأصل في الألم هو إشارة لتوجيه الإنسان للبحث عن شيء ينقصه لسد جوفه واحتياجه أو للإقلاع عن شيء يؤذيه.

النفس: كالجسد لديها جوف لابد أن يملأ بما يناسبه نوعًا وكمًا، وإن لم ينجح الإنسان في ذلك يحدث ما يسمى «الألم النفسي» وهو في أصله دافع للإنسان للبحث عن ما يسد جوف نفسه وإحتياجها أو الإقلاع عما يؤذيها.

العقل: أيضًا ينطبق عليه نفس الفكرة التي تنطبق على النفس فيما يخص الجوف والألم، وإنما اختلافه عنها أنه يهيمن على قرارات الإنسان ويسيطر على تعامله مع نفسه وجسده.

جوف العقل

إن العقل هو الأداة المسيطرة المهيمنة على كل من النفس والجسد وهو بمثابة القائد الذي إن علا عليهم وتمكن من المقود في قمرة القيادة نجح الشخص وفلح، وإلا فتخبط وهوى من عليٍ. وإنما رجاحة العقل ومهارته في القياده تتوقف على خبرة الشخص وتجربته في الحياة وما قام بتغذية عقله به من مهارات ومعلومات. وجوف العقل مفتقر للمعلومات والمهارات التي تسد جوفه فإن كانت كافية مناسبة فتعمل على تطويره وصقله. وإن لم يملأ جوف العقل بما يكفي من معلومات مفيده منظمه مبنية فوق بعضها بشكل سليم حصل فراغ جوف العقل ونتج عن تألمه بأن يهيم في أي شيء بلا طائل مؤلمًا صاحبه بكثير من الندم على ما حدث في الماضي أو الخوف؛ مما سيحدث في المستقبل أو مستغرقًا في كثير من التحليل لمجريات ومشاهدات الحياة التي لا يترتب عليها أي فعل أو معرفة حقيقية. وفي هذا المبحث إنما نركز أكثر على جوف النفس ونكتفي بهذا التعريج السريع لمفهوم الجوف العقلي.

جوف النفس

إن النفس البشرية مفطورة على الضعف وحب الخير لنفسها والهلع من كل ما يؤذيها وحب الوجاهة والثناء عليها وأن تشعر بأنها مرغوبة محبوبة بين الناس مفضولة عليهم. مركب فيها رغبة في سد شهوات ورغبات صاحبها بأي شكل سواء اتفق مع العقل أو اختلف وهو ما يطلق عليه «هوى النفس». وقال الإمام ابن القيم: وأما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء وفعله وأما هوى بالفتح فهو السقوط، ويقال الهوى حب الشيء وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح. ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى: «فَأمّا مَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الُّدنْيا. فَإنّ الجحِيمَ هي المَأْوى وأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى فَإنّ الجنَّةَ هي المَأْوى» (النازعات: 37-41).
فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهي النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة، وإلى هذا مرة.
وهذا موضع المحنة والابتلاء، وقد وصف سبحانه النفس في القرآن بثلاث صفات: الأمارة بالسوء، واللوامة، والمطمئنة، انتهى كلامه.

وهنا يتضح أن الأصل في النفس هو الأمر بالسوء كونها تريد تلبية شهوات ورغبات صاحبها بأي شكل سواء أتفق أو أختلف ذلك مع أمر الله وإن دور العقل هنا هو الهيمنة عليها وتزكيتها ونهيها عن الطرق الحرام في سد جوفها واتيان ذلك فقط عن طريق ما أحل الله فحينها تتزكى وتنتقل من تلك المرحلة إلى مرحلة لوم صاحبها إذا حاول سد جوفها بطريق حرام نهى الله عنها وإن واصل صاحبها تزكيتها والهيمنة عليها بالعقل فتتحول إلى أرقى أنواع النفوس وهي النفس المطمئنة.

«وَنفس وَمَا سَوَّىٰهَا. فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتقوَىٰهَا. قد أَفلَحَ مَن زَكَّىٰهَا. وَقَد خَابَ مَن دَسَّىٰهَا» (الشمس 7-10).

وكما أن طريقة سد جوف الجسد بالطعام يتطلب وعيًا ودراية ودقة في الاختيار واتزان في الكم والنوع من حيث الاتزان بين البروتينات والكربوهايدرات والمعادن والفيتامينات والألياف كي يقوم هذا الطعام بالدور المرجو. فأيضًا سد جوف النفس ليس بالأمر السهل على الإطلاق وهو ما يجعل كثيرًا ممن على وجه هذه الأرض اليوم يعاني من أنواع من الألم النفسي. وكثيرون منا شاهد من قبل نماذج تحاول سد جوفها النفسي بطرق غير مناسبة – كمًا أو نوعًا – وما أودي بهم ذلك من خسارة وازدياد في الألم كجائع شرب ماءً فما زادته إلا جوعًا. وهنا يأتي دور الدين والوحي الإإلهي الذي يملأ فراغ النفس بطريق دقيقة منضبطه متزنه مستويه تتفق وغوائر وتعقيدات النفس البشرية «أَلَا یَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِیفُ ٱلخَبِیرُ» (الملك 14).

مثال لدقة وتكامل واتزان تعامل الوحي مع سد جوف النفس:

لا يكفي مبحث أو مقال واحد لمناقشة احتياجات النفس البشرية وكيف تعامل الوحي الإلهي معها لسد جوفها بما يناسبها، ربما يحتاج هذا لعدة كتب كل منها يتخصص في احتياج واحد تحليلًا ودراسة. ولكن للتأكيد على الفكرة سأحاول تناول مثال واحد ألا وهو «الاحتياج النفسي للتقدير والشعور بالقيمة».

كل منا يحتاج للشعور بقيمته وأهمية وجوده وأنه مقدر محترم ممن حوله وكلنا شاهد من قبل نماذج تحاول سد هذا الجوف أحيانًا باختلاق قصص مكذوبه تصوره بطلًا، أو شجاعًا، أو ذكيًا، أو صلبًا أو أخلاقيًا، أو محترمًا بشكل مبالغ فيه، إن لم تكن أنت شخصيًا يا صديقي قمت بهذا مرة حينما قصصت أحد القصص عن نفسك وسط مجموعة من الحضور حتي وإن كان أصل القصة حقيقي، إلا أنها لا تخلو من بعض الأضافات التي تجعلك تظهر أفضل. والبعض لا يلجأ للكذب إن كان عنده بالفعل من الإنجازات ما يجعله يذكرها متفاخرًا بها وينسب الفضل في تحقيقها لعلمه وذكائه وألمعيته ورجاحة عقلة وقوة شخصيته.

وما سبق هي الطريقة البشرية الخاطئة في سد هذا الجوف من النفس والتالي هو التصور الذهني المتقن المحكم التكامل لسد هذا الجوف النفسي من الوحي الإلهي في القران الكريم والسنة النبوية المطهرة.

1. النهي عن التفاخر بين الناس والأمر بالتواضع والإشارة إلى مركزية الدار الآخرة.

«إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ مَن كَانَ مختَالا فَخُورًا» (النساء 36).

«وَلَا تَمشِ فِی ٱلأرۡضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخرِقَ ٱلأرضَ وَلَن تَبلُغَ ٱلجِبَالَ طُولًا» «الإسراء 37».

«وَعِبَادُ ٱلرَّحمَـٰنِ ٱلَّذِینَ یَمشُونَ عَلَى ٱلأَرۡضِ هونًا» (الفرقان 63).

«ٱعلَموا۟ أَنَّمَا ٱلحَیَوٰةُ ٱلدُّنیَا لَعب وَلهو وَزِینة وَتَفَاخُرُ بَینَكُم وَتَكَاثر فِی ٱلأموَ ٰ⁠لِ وَٱلأوۡلَـادِ كَمَثَلِ غَیثٍ أَعجَبَ ٱلكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مصفَرّا ثُمَّ یَكُونُ حُطَـٰما وَفِی ٱلـَٔاخِرَةِ عَذَاب شَدِید وَمَغفِرَة مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضوَ ٰ⁠ن وَمَا ٱلحَیَوٰةُ ٱلدُّنیَا إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلغُرُورِ» (الحديد 20).

وقد يمتنع الشخص عن التفاخر أمام الناس وتذهب نفسه؛ لأن تسر بذلك ولا تصرح به فيغلق الوحي الإلهي هذا الباب كي لا تلجه النفس هاربة من عدم التفاخر العلني للعجب الداخلي.

2. نسب كل النعم والفضل في الإنجازات لله.

«وَمَا بِكُم مِّن نِّعمَة فَمِنَ ٱللَّهِ النحل» (53).

«وَلَولَاۤ إِذ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ مَا شَاءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ» (الكهف 39).

فإن تيقن الإنسان هذا، ما كان له أبدًا أن يفتخر بنفسه ولو داخليًا فهو يعلم أنه بذاته مفتقر لله تمام الافتقار. فقوته الجسدية، والعقلية، والنفسية، في السعي للتحصل على النعمه مستمدة من الله والناتج النهائي بتحصله عليها هو أيضًا من الله. ففيم العجب بالنفس إذا؟

والمهرب التالي للنفس قد يكون أنها تدعي أن الله هو المنعم، ولكنه خصها بهذه النعمة لعمل أو علم أو ملكة تمتلكها جعلتها مستحقة له. وأيضًا يغلق الوحي الإلهي هذا المخرج للنفس الأمارة بالسوء.

3. إنكار نسب النعم والفضل في الإنجازات للنفس وما حصلته من علم أو غيره.

«فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ضرّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلنَـٰهُ نِعمَة مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ علمِ بل هِیَ فِتنة وَلَـٰكِنَّ أَكثَرَهم لَا یَعلَمُونَ» (الزمر 49).

وإنكار الله جل وعلا إدعاء قارون باستحقاقيته للنعمة على علم عنده «قَالَ إِنَّما أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ علمٍ عِندِی أَوَلم یَعلَم أَنَّ ٱللَّهَ قَد أَهلَكَ مِن قَبلِهِۦ مِنَ ٱلقُرُونِ مَن هُوَ أَشَدُّ مِنهُ قُوَّة وَأَكثرُ جَمعا وَلَا یسألُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلمُجرِمُونَ» (القصص 78).

وبعد محاصرة النفس من جميع الجهات وسد جميع المهارب عليها، فقد تذهب للنقيض وهو فقد الدافعية للعمل. فإن كان مصدر دفعها للعمل والسعي وتحصيل العلم أو المهارات من قبل هو التفاخر بين الأقران والوسط المحيط واكتساب تقديرهم واحترامهم؛ وقام الوحي بسد كل تلك النوافذ فقد تذهب النفس للتكاسل والتراخي وفقد الدافع. وهنا يأتي الوحي لسد هذا المهرب أيضًا بتأسيس دافع جديد يدعو للسعي والعمل، ولكن لوجه الله دون تفاخر أو تكاثر مذموم بين الناس.

4. الحرص على الإحسان في كل الأمور ابتغاء لمرضات لله وإشفاقًا من سؤاله.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلمة: «كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ، فالإِمامُ راعٍ وهو مَسْئُولٌ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِهِ وهو مَسْئُولٌ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها وهي مَسْئُولَةٌ، والعَبْدُ راعٍ علَى مالِ سَيِّدِهِ وهو مَسْئُولٌ، ألا فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ». الراوي: عبد الله بن عمر، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم 5188، خلاصة حكم المحدث: صحيح

وبداية الحديث بكلكم تعني أن الأمر عام لكل الناس فقد أوكل الله لكل إنسان شيئًا يرعاه وسيسأله الله عنه ومن ذلك وجب عليه تقوى الله فيما أوكله إليه وإلا سيسأل عن تقصيره.

وقال رسول الله أيضًا: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». الراوي: شداد بن أوس، المحدث: مسلم، المصدر: صحيح مسلم، الصفحة أو الرقم 1955، خلاصة حكم المحدث: صحيح

وبفهم الحديثين معًا يتضح أنه يجب على المسلم أن يحسن في كل أمر أوكله الله إليه، وأنه مسئول عن ذلك حتي في أبسط الأمور من ذبح الحيوان.

وقال تعالى: «وَكَذَ ٰ⁠لِكَ مَكَّنَّا لِیُوسُفَ فِی ٱلأَرضِ یَتَبَوَّأُ مِنهَا حَیثُ یَشَاءُ نُصِیبُ بِرَحمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِیعُ أَجرَ ٱلمحسِنِینَ. وَلَأَجرُ ٱلـَٔاخِرَةِ خَیر لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ» (يوسف 56 – 57).
وفي تلك الآية الكريمة يخبرنا الله جل وعلا أنه يصيب برحمته من يشاء من عباده في الحياة الدنيا؛ وحرم ربنا سبحانه على نفسه الظلم حاشاه فيخبرنا بالقاعدة الحاكمة التي الزم ربنا تعالى بها نفسه لتلك الإصابة بالرحمة أنها لا تضيع أجر من أحسن عملًا. ثم يخبرنا ربنا أنه ادخر للمؤمنين المتقين أجرًا إضافيًا فوق أجر الدنيا هو أفضل منه، ألا وهو أجر الآخرة. وهنا حث واضح على إحسان العمل ابتغاء أجري الدنيا والآخرة.

ومن كل ما تقدم يتضح أن على المسلم أن لا يفقد دافعيته في الإحسان، والإتقان، والعمل، والاجتهاد أبدًا حيث أنه أمر إلهي، وهو مسئول بقدر ما أعطاه الله من مواهب وقدرات ومسئوليات ماذا سيفعل بها.

وللإمعان في سد جوف النفس من احتياجها للشعور بأنها مقدرة ومحبوبة وذات قيمة يذهب الوحي الإلهي لتغيير المعيار الذي يقيس به الإنسان قيمته، فيبدل جهة التقييم ليسحب الحكم من الناس إلى الله. فبدل من أن يقيم الإنسان قدرة برأي الناس فيه يصبح تقييمه لقدرة بمدى رضا الله سبحانه وتعالى عنه وعن أفعاله.

5. تغيير معيار حب الوجاهة والثناء بين الناس لمعيار حب الوجاهة والثناء عند الله وعاقبة العمل عنده وأن قيمة الشخص تستمد من قيمتة عند ربه لا عند الناس.

«إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ ٱللَّهِ أَتقَىٰكُم إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیر الحجرات» (13).

«فَإِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلمُتَّقِینَ آل عمران» (76).

«تِلكَ ٱلجَنَّةُ ٱلَّتِی نُورِثُ مِن عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِیّا مريم» (63).

«قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا یَومُ یَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِینَ صِدقُهُم لَهُم جَنَّـٰت تَجرِی مِن تَحتِهَا ٱلأنهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا أبدًا رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنهُم وَرَضُوا۟ عنهُ ذَ ٰ⁠لِكَ ٱلفوزُ ٱلعَظِیمُ» (المائدة 119).

«فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَقُولُ رَبّنَا ءَاتِنَا فِی ٱلدُّنیَا وَمَا لَهُۥ فِی ٱلـَٔاخِرَةِ مِن خَلَـٰق» (البقرة 200).

«وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یُعجِبُكَ قَولُهُۥ فِی ٱلحَیَوٰةِ ٱلدُّنیَا وَیُشهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِی قَلبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلخِصَامِ» (البقرة 204).

وبهذا يسد جوف النفس من احتياجها للشعور بأنها محبوبة ومقدرة وذات قيمة بشكل دقيق وصائب ومحكم باتباع الوحي الإلهي المصمم لضبطها وإصلاحها، وذلك بأن تبحث عن هذا الحب والتقدير والقيمة عند الله بتقواه وابتغاء مرضاته والإحسان إليه في كل الأمور. والله جل شأنه هو الثابت الذي لا يتغير والسعي في إرضائه طريق واضح سهل بين غير متقلب كتقلب قلوب البشر وتغيرهم، وهو الأمر المؤلم المحير للنفس إن حاولت أن تبحث عن قيمتها في عيونهم فهم يتغيرون بتغير الوسط المحيط، أو حوادث الحياة، أو تغير القلوب بين حب وبغض، أو اختلاف الطباع وتقلب الأهواء.

ولا أجد في هذا الباب من افتقار النفس إلى الله وجوفها الذي لا يسد إلا به وبوحيه جل وعلا خير من كلام العلامة الإمام ابن القيم الجوزية حيث قال إن في القلب شعث: لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن: لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب، وفيه فاقة: لا يسدها إلا محبته ودوام ذكره والاخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد