لكي نفهم جيدًا ما يحدث في حي الشيخ جراح يجب أن نلقي نظرة على جذور الخطاب اليهودي في كتبهم وأسفارهم.

السيكولوجيا الصهيونية تُحركها خلفية توراتية حتى وإن لم تعلن ذلك. ولا يجب أن نفرق بين الصهيوني المتدين أو العلماني؛ لأنهما في غالب الأحيان يتفقان حول أمور كثيرة. نأخذ على سبيل المثال ما يؤمن به القائد الصهيوني الملحد ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي الذي لا يجد مانعًا في الترويج لأساطير الكتاب المقدس طالما تستطيع السياسة في إسرائيل الانتفاع بها، وطالما كان الفلكلور الديني مصدرًا مهمًا من مصادر بقاء الكيان اليهودي ومحفزًا له. لذلك فهو يرى أن «رواية الحرب في الكتاب المقدس تشكل قاعدة مثالية لخرافة موحدة للهوية الوطنية». وبالتالي فلا يمكن أن ننفي المحرك التاريخي المتمثل في الأساطير الدينية للسياسات الصهيونية.

أسفار العهد القديم تعجّ برسائل عنصرية تشرع لنهب الأرض عبر القوة والحروب وتسوّغ الاستيلاء على أراضي الغير بحجة أنهم الشعب المختار الذي يحق له ما لا يحق لغيره من «الغويم»، وهي التسمية التي يطلقها اليهود على من سواهم من أمم الأرض.

ولا يصف اليهودي استيلاءه على ممتلكات غيره بالسرقة كما يحدث الآن في أحياء القدس القديمة، بل يؤمن بعملية «تخليص الأرض»؛ لأنه حسب تصوراته وعقيدته تبقى الأرض في معاناة طالما كان عليها «الجويم» ولأجل ذلك يسعى هو لتخليصها والعيش فيها، وبذلك تتطهر الأرض من دنس الأغيار. ولا غرابة في ذلك فهو يعتبر نفسه عرقًا مميزًا لا يدانيه أي عرق بشري.

نعود إلى أصول فكرة التدليس وأخذ الحق من أصحابه عبر أساليب تلاعب ملتوية كما يُفعل هذه الأيام في حي الشيخ جراح التي لها عدة أصداء في كتابات العهد القديم. بدأت القصة عندما ولدت رفقة زوجة النبي إسحاق توأمين ولدين: عيسو خرج أولًا، ثم يعقوب خرج ممسكًا بعقب أخيه. وقد كان هناك قانون أو عرف يُسمى بـ«حق البكورية» وهو ما يعطي الابن الأكبر كل السلطة التي يمتلكها الأب. وفي هذه الحالة كان عيسو هو الأكبر لأنه خرج أولا. ورد في سفر التكوين (إصحاح 25).

فَقَالَ لَهَا الرَّبُّ: «فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ، وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ» (تكوين 25:23).
ومن هنا تبدأ قصة السرقة، فالقصة المزعومة في التوراة تقول إن رفقة كانت تفضل ولدها يعقوب على عيسو، وفي المقابل كان إسحاق يفضل هذا الأخير على أخيه؛ لأن عيسو كان قويًا وصيادًا ماهرًا، بينما كان يعقوب لا يحب الصيد، بل يكتفي بالعبادة والتأمل. وجاء الوقت الذي أحس فيه إسحاق بأنه سيموت، فدعا ابنه البكر عيسو كي يذهب للصيد ويحضر له طعامًا، ثم يباركه ويمنحه حق البكورية كي يرثه. سمعت رفقة ذلك فهرعت تجري لتخبر يعقوب بالخطة. والخطة باختصار تتمثل في خداع إسحاق، والأمر سهل؛ لأنه أصبح طاعنًا في السن، وفي طريقه إلى العمى. اتفقت رفقة مع يعقوب أن يحضر طعامًا لوالده، بينما تذهب هي لجلب ملابس عيسو كي يرتديها يعقوب، وجعلت على يديه جلودًا بها شعر كثيف (لأن عيسو كان كثيف الشعر). فتمت المهمة بنجاح، وهكذا استحوذ يعقوب على حد زعمهم على حق البكورية، الأمر الذي يصوغ له استعباد الغير. بهذه الطريقة يروج تاريخهم وموروثهم إلى عمليات السطو، والسرقة، والنهب، والتدليس، وإخراج الناس من ممتلكاتهم دون الشعور بأدنى ذنب؛ لأنه هذا هو بالضبط المنهج الذي تربوا عليه، ولهم في كتاباتهم المقدسة قدوة. ولا يجب أيها القارئ أن تستغرب أو تستنكر فلا أحد يدعي عليهم شيئًا. عليك بقراءة تلك القصة التي سردناها بشكل مقتضب في التوراة، سفر التكوين الإصحاح (27. 1-30).

والآن نستطيع فهم مقاطع الفيديو التي تصور مستوطنين يقولون بكل صراحة «نريد أن نُخرجهم من منازلهم ونسكن نحن فيها»، يقولونها بدم بارد وبضحكة مسمومة. والآن نستطيع أن نفهم أيضًا ما الذي يحرك المستوطن إن كان بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، عبر تراكمات نفسية ينشأ عليها الإسرائيلي، بأنه عرق مميز، ويحق له ما لا يحق لغيره، كما يحق له استعباد الآخر وسرقته.

لهذا فقضية حي الشيخ جراح ليست قضية قانونية بالمرة لأن كل الأوراق والوثائق والحقائق التاريخية تشهد بأن العائلات الفلسطينية التي هجرت من بيوتها تمتلك المنازل التي تسكنها اليوم في القدس وذلك عبر اتفاقية سنة 1956حصلت بين الحكومة الأردنية (التي كانت تضم الضفة الغربية ضمن الأراضي التابعة لها) مع منظمة غوث من أجل تأمين بيوت للمهجرين في حي الشيخ جراح، لكن جاءت هزيمة 1967 وسيطرت إسرائيل على القطاع، ولم تسجل الحكومة الأردنية حينها المساكن بأسماء الأسر الفلسطينية التي تجد نفسها اليوم أمام احتمالية تهجير جديد بعد تهجيرها الأول وخروجها من ديارها مكرهة.
القضية ليست قضية محاكم وإثبات لحقوق لأن المستوطنين يعلمون يقينًا أن تلك المساكن لم تكن يومًا لهم، القضية قضية وعي بجذور دوافع الجمعيات الاستيطانية التي تنتهج طريق «السرقة المقدسة». لذلك ليس من الغريب أن نلاحظ أن أهم الجمعيات الاستيطانية التي تنشط في القدس والتي تطارد المقدسيين في حي سلوان وحي الشيخ جراح خاصة تشترك في خلفيتها الدينية وتحظى بدعم كبير من المستوطنين، وبغطاء حكومي من الناحية القانونية. من أهم هذه الجمعيات نذكر:

جمعية «إلعاد» التي تمثل الجبهة الاستيطانية الأولى في القدس. كلمة إلعاد تعني «نحو مدينة داود» لذلك فهي تسعى إلى تحقيق مخطط استيطاني حسب جغرافيا الكتاب المقدس اعتمادًا على النصوص التوراتية.

وجمعية عطيرت كوهنيم الاستيطانية التي تسعى إلى تهويد القدس وذلك عبر خطة تهجير المقدسيين من منازلهم. تمتلك هذه الجمعية «يشيفا»، وهي مدرسة دينية مختصة في تدريس ونشر تعاليم التوراة، يتخرج منها مستوطنون متطرفون ينخرطون في العمل الجمعياتي الصهيوني يعملون على تنفيذ كل ما تم تلقينهم إياه، ومن عنصرية وتاريخ مزور وأساطير تعطيهم الحق في التنكيل بالمقدسيين وإخراجهم من ديارهم وسرقة ممتلكاتهم. فالسرقة فعل مُقدّس يتعلمونه من كتبهم وأسفارهم وأحبارهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد