هناك ثالوث مقدس في الديانة المسيحية، ولكنني لست بصدد التحدث عنه، أنا بصدد التحدث عن ثالوث آخر، إنها التجليات الثلاثة للرجل المصري، بطاقة تعريفه وهويته، طريقة حكم الناس عليه، أقسى وأسوأ أهداف للحياة (الكلية، الوظيفة، الزوجة).

 

منذ نعومة أظافرنا يقوم أهلنا بتربيتنا علي اختيار الكلية التي قد تعطي لنا مظهرًا مناسبًا – من وجهة نظرهم – فلا يوجد طفل منّا لم يحلم يومًا بأن يصبح طيارًا أو طبيبًا او مهندسًا أو ضابطًا، هم يرون أن هذه الوظائف ربما تؤمن لنا حياة كريمة دون تعب، ليس فقط حياة كريمة وربما سلطة اجتماعية تؤمن لنا راحة أثناء التعامل بفوقية مع باقي البشر، ولا يمكن أن تلوم مواطن مصري على هذا التفكير فهذه إحدى ركائز التفكير المصري “يا قاتل يا مقتول”.

 

نحن نكبر بصورة أسرع مما نظن، ففي السابعة عشرة أو الثامنة عشرة نرى أنفسنا أمام أول مفترق طرق في حياتنا، يُصنّف المجتمع المصري الثانوية العامة على أنها “أكون أو لا أكون؟!” ثم تدخل الكلية التي تريدها، أو ربما التي لم تحلم بها قط في أسوأ كوابيسك.

 

ثم تنتهي حياتك الجامعية لتبدأ رحلة كفاح المواطن المصري المطحون، تريد وظيفة لتؤمن لك قدرًا من المال، يكفي لكي تستطيع أن تشتري شقة، أو على أقل تقدير يكفي لأن تبدأ بناء أُسرة، حين تتم هذه العملية التي بدأت بدخولك الكلية وحصولك على شهادة ثم زواجك، يرى الأهل أن مهمتهم في الحياة قد اكتملت، وأنهم الآن قد أنهوا رسالتهم، ويمكنهم أن يرقدوا بسلام للأبد.

 

الثالوث المقدس هي نظرة الديانة المسيحية – الأرثوذوكس- للوجود الإلهي، فهم يرون أنه واحد في ثلاثة أقانيم. (الأقنوم هو الكيان)، والرجل المصري أيضًا له نفس التجلي، لا يأبه المجتمع لطموحاتك وأحلامك وتفكيرك ولكنه يأبه فقط لهؤلاء الثلاثة الذين ذكرتهم من قبل.

 

“قل لي كم مرتبك، أقل لك من أنت؟!”، نظرية اعتمدت حديثًا في مصر، وجاري تطبيقها بامتياز، هذا الثالوث بمثابة “ساقية” يضعك فيها المجتمع المصري كي لا تفلت منه، كي تصبح فردًا أخر ضمن من أفنوا حياتهم من أجل لا شيء، ربما ترى معيدًا في إحدى الكليات لديه حلم بأن يسافر يومًا ليكمل تعليمه خارج البلاد؛ ليسهم بصورة أو بأخرى في مجاله، ولكنه “يا عيني مرتبه مش كبير”.

 

قد ترى شابًا آمن بفكرة وأراد لها النجاح، ولكنها استنفذت منه وقتًا كبيرًا كي تنجح فأصبح “يا عيني بقي كبير أوي ومش هيلحق يتجوز”، قد ترى شابًا متفوقًا في دراسته في كلية الألسن مثلاً، ولكنه “يا عيني هيعمل إيه بشطارته دي ما هو مش في طب”، التوابيت المُعدة مسبقًا التي يجبرك هذا المجتمع علي ارتداء إحداها لا تحتاج مجهود لإرتدائها ولا وقت.

 

فقط كل ما عليك هو أن تظهر قابلية لإرتدائها وستجد من سيساعدك، فنحن عاشقون في مصر للمثل، إن أنت أفنيت في لا شيء فصدقني سيكون كل همك أن تجعل الآخرين يفنون حياتهم في نفس اللا شيء، بلا تغيير.

 

ربما لا يستطيع كثير منا أن يُخرج حيز التفكير هذا من حساباته، فقد استطاع المجتمع المصري ببراعة أن ينسج خيوط تفكيرنا، ويجعل هذه الطموحات الواهية هي طموحاتنا جميعًا، ولكن ما سأقوله هو للقلة القليلة التي ما زالت ترى عُقما في تفكير هذا المجتمع.

 

أعزائي، لا تدخلوا توابيت هذا المجتمع، اكفروا بثالوثه المقدس، لا تجعلوه يجبركم على طريق أنتم لا تريدونه، فأنتم أصحاب القرار في حياتكم، وأنت يا عزيزي من سيصبح سعيدًا بما وصل إليه، لا مشكلة في أن تفشل وأن تحاول مرة أخرى، لا مشكلة في أن يضيع بضع سنين من عمرك في المحاولة والتجربة.

 

إذًا فلماذا خلق الله لنا الوقت؟ خلقه لكي نتعلم، كي نبحث عما نريده نحن لا عما يريدونه هم، حتى ولو كان ما نريده غير موجود في قواميسهم، فالأهم أننا مؤمنون بوجوده، ولا نحتاج لمن يزعزع إيماننا به.

 

الرب في اللغة العربية لها معانٍ كثيرة منها: المالك.

 

فإذا كان للرجل في مصر ثالوث مقدس، فالمرأة لها رب واحد قائم على شئون حياتها ومنتهى آمالها، فكما تربى الطفل في مصر علي اختيار وظيفة أو كلية معينة، تربت الأنثي على اختيار زوج لها، يرى مجتمعنا أنه ليس من ضروريات الأنثى أن تمتلك حياة.

 

 

هذه الحياة إما تتمثل في وظيفة وتدرج، أو حلم، أو حتى حد أدنى من حريتها في التفكير لمستقبلها، فالأمر كله لذلك الكائن المستقبلي الذي سيأتي ليخطفها علي حصانه الأبيض – وبالتأكيد هم لا يعلمون ثمن الحصان العربي الأصيل حاليًا – ليذهب بها لآخر العالم ويريها ما لم تره من قبل.

 

لن أتحدث عن أن تلك النظرة تزيد من أغلال ثالوث الرجل، وتودعه سجنًا لا مفر منه ولا مهرب، إلا أن يرضخ لما يريده ذلك المجتمع، ولكنني سأتحدث عن أنه كيف تُظلم المرأة في ذلك، لا يوجد اختلاف ما بين الرجل والمرأة.

 

إذًا فما المانع من أن تحمل هي الأخرى حلمًا ساميًّا تسعى لأجل تحقيقه، تُفني فيه حياتها، لا أن تجعل هدفها السامي هو أن ترتبط بشخص في ساقية المجتمع، ليصير هدفهما أن ينجبا أشخاصًا يدخلوا هم الآخرون في هذه السباق الذي لا جائزة له، أو تجعل حلمها أن تنجب أشخاصًا قادرين على تحطيم توابيت المجتمع.

 

أصبح المواطن المصري تقليديًّا، ويمكننا أن نرسم دورة حياته كما نرسمها لأي طفيل من الطفيليات. في كل جيل هناك مجموعة قادرة علي تغيير المجتمع ولكن المجتمع يرفض التغيير علي مر السنين، أتمنى من مجتمعنا الحالي أن يسمح لهؤلاء بأن يفعلوا ما يريدونه دون التقيد بقوانينه، أتمنى أن نسمح لهم بتغييرنا.. إنني فقط أتمنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد