من السخرية بمكان أن تتلاقى مصالح دول تتبنى تجربة حكم عقائدي ديني كإيران والعراق وسوريا، مع دولٍ نهج حكوماتها علماني شبه إلحادي!

روسيا والصين وكوريا الشمالية, دول يزخر تأريخها بحوادث وجرائم تخص انتهاك حقوق الأقليات المسلمة لديها, لدرجة أنها تغاضت عن عمد عن إيقاف جرائم إبادة ارتكبت في أكثر من مكان, كما جرى مثلاً وليس حصرًا بحق شعوب داغستان التي قتل فيها نحو ثمانية ملايين مسلم, فضلا عن منطقة القرم التي أبيد فيها خمسة ملايين آخرين, وفي الصين قتل ما يقارب الثلاثمائة ألف مسلم بمدينة كاشفر وحدها.

وبالرغم من هذا, فقد استنجد حكام طهران وبغداد ودمشق بالكرملن وبكين، وطلبوا منهم النصرة في حربهم التي عدّوها معركة وجود كما وصفها حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني, وهي حروب سبق وأن أحيطت بهالة من القدسية المذهبية عبر دعم لا محدود من الفتاوى التي أصدرتها مرجعيات في النجف، حول وجوب التحاق كل قادر على حمل السلاح بصفوف الحشد في العراق وكتائب مقاتلة في سوريا، وخوض معركة تم التعبئة لها نفسيا عبر مكنة إعلامية كرست نشاطها لأجل ذلك.

ولست هنا في محل تسقيط طائفي لطرف على حساب آخر, فمن البديهي والمسلم به أن من حق أي كائن الدفاع عن نفسه فيما لو شعر بالخطر, ولكن وفي الوقت نفسه فمن حقنا أن نتساءل عن حقيقة وقائع غير منطقية بمفهومها المعلن.

فحينما تعلن الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا إن بلادها تقود حربًا مقدسة, فلأمر يستلزم التوقف والتمحص عن المدلولات والدوافع لمثل توجه كهذا, فلربما هناك أمرٌ غاب عنا ولم نعره انتباهنا, فإن استدللنا عليه فلربما سنتمكن عندها من أن نمنع أنفسنا الأمارة بالسوء من أن توسوس لنا بما معناه إننا بصدد حرب صليبية جديدة، على غرار ما جرى في القرون الوسطى, ولربما أيضا سيعزينا ويعزز من موقفنا في إبعاد شبح هذه الفكرة كون طبيعة الطرف الآخر ضمن التحالف يحمل راية “لبيك يا حسين”، والتي تتنافى وحقيقة الاصطفاف مع شعوبيين متعنصرين ضد الديانات الأخرى.

المرجع الديني علي السيسستاني وأحمد القبانجي, كلاهما رحب بشكل أو بآخر بالتحالف مع روسيا, ودعوا لتوسيع دائرة الارتباط مع أطراف أخرى لغرض مقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية, واستبشروا بطائرات السيخوي الروسية وهي تقصف مواقع التنظيم, ولا أريد أن أجزم دون علم فيما لو كان أسطول الطائرات هذا هو نفسه قد شارك في قصف مدنٍ شيشانية, وهو نفسه من وفر غطاءً جويًّا لقوات الصرب التي أبادت آلاف المسلمين في البوسنة والهرسك.

وعلى ما يبدو، فإن الحرب على تنظيم الدولة قد أباحت المحظورات وبررت الوسائل لتلك الغايات, ويكفي اليوم أن تقول إنك استهدفت وكرًا لقيادات كبيرة في داعش لإسكات كل الألسن التي قد تلومك فيما لو تسببت بمقتل مئات المدنيين بغارة جوية واحدة.

 

وعلى ضوء حراك لعام مضى وأكثر، ودون الحاجة للبحث والتقصي بين وريقات تحقيقات ومقالات انهدرت كزخات المطر فور إعلان موسكو تشكيلها للحلف الرباعي, فإن الأمر ليس بالحبكة الدرامية التي يصعب فك أحجيتها, الأمر واضح للعيان, وإن حماقات أوباما وفشل نظرية الفوضى الخلاقة, حفزت المعسكر الشرقي ليجرب حظه من جديد, فوقع الاختيار على جبهتي العراق الغربية وسوريا الشرقية ليصنع منهما ساحة بلقان جديد، يتصارع فيها أعداء الأمس وتُصفَّى عبرها حسابات كانت مجمدة، ليتم بعدها رسم خارطة نفوذ جديدة تتناغم وحجم الاحتياطيات من الغاز الطبيعي والنفط الموزع ومراكز التحكم وقواعد الضغط والمراقبة, انطلاقا من مسمار جحا في طرطوس.
فروسيا التي تعاني أساسًا من مشاكل مالية وداخلية بسبب أزمة أوكرانيا ونفور أوروبا عنها, فضلا عن قناعتها بأن مشروع الشرق الأوسط بات أمرًا واقعًا لا محال, دفعها كل ذلك للقبول عن رضا بالتورط في المستنقع السوري؛ لعلها تجد هناك ما تساوم عليه مستقبلا للحصول على مكاسب ومنافع تخفف عنها وطأة ما تعانيه من عزلة وحجر شبه دولي.

أمريكا بمكرها ودهائها لن يستلزم منها الأمر إنفاق المليارات أو تعريض جنودها للخطر في حرب ترى أنها ستكفيها شر الدب الروسي وغطرسة إيران ونوويها. فإعلامها الهوليوودي بدأ العمل بالترويج على شيطنة روسيا والإيحاء بعدم الرضا في تدخلها بمعارك سوريا والعراق, مستغلة بذلك الإعلان الصريح للكرملن حول كونه مُصرًا على دعم نظام بشار الأسد.

 

نكتة عدم رضا أمريكا على التدخل الروسي بالمنطقة، مدعومًا بسيل من التصريحات الأوروبية التي تستنكر وتدين غارات موسكو, كلها بمثابة ضوء أخضر للجهاديين الإسلاميين في إمكانية التوجه للمنطقة ومعاودة سيناريو أفغانستان هناك، وبالتالي سيضرب بحجر واحد عصفورين لطالما تسببا لأميركا بأرق وقلق, فمن جهة ستستنزف دول تعدها أمريكا أعداء كلاسيكيين، وبالتزامن مع شبه انهيار لاقتصاديات مجموعة المحور بسبب انخفاض أسعار النفط والغاز في البورصة العالمية, ومن جهة أخرى ستستقطب التيارات السلفية الجهادية لدفع أنصارها للمشاركة في حرب بات يروجُ لها بأنها تحمل ملامح معركة “هيرمجدون” آخر الزمان.

وما الفتوى التي أجمع عليها كبار علماء المسلمين مؤخرًا، حول وجوب توحد فصائل المعارضة المسلحة السورية ومقاومة التدخل الروسي؛ إلا دليلًا على أن الخطة تسير وفق ما رسم لها.

سارعت أمريكا لتضع أطر اللعبة عبر تحديد نقاط النفوذ وما يحق لها ولا يحق لغرمائها, فأعلنت أن محافظتي الأنبار ونينوى منطقتان خارج نطاق تحرك الحلف الرباعي, واستثنت من ذلك ديالى وصلاح الدين اللتين تزخران بنفوذٍ إيراني واضح, وبحسب محللين عسكريين, فهو تحرك يهدف لقطع الوصل ما بين التحشد الروسي بالطرف الغربي والتحشد الإيراني بالطرف الشرقي, ما يضمن إطالة مدى الحرب لأكثر وقت ممكن, وهو ما يؤكد تصريحات سابقة أدلى بها قادة في البنتاغون حول كون مهمة القضاء على داعش ستتطلب سنوات عدة.

أنجزت أوروبا ما وضِع على عاتقها, ففتحت أبوابها لاستقبال مئات الآلاف من المهاجرين العرب الذين نزحوا من المناطق الساخنة, فساهمت بإفراغ محيط الدائرة الواقعة ضمن ساحة الاقتتال المنتخبة لتهيئة بيئة تتلاءم وما ستشهده المنطقة من حرب ستتبع فيها سياسة الأرض المحروقة, فضلا عما باتت تعتمده بعلم أو بدونه كل من ميليشيات الحشد في العراق والشبيحة في سوريا، عِبر منع المدنيين من العودة لمساكنهم, فأنشأت أحزمة ومساحات يمكن تسميتها بالأرض المحرمة.

ومن غير المنصف أن نقول إن روسيا ابتلعت الطعم, فهي ليست ساذجة لهذه الدرجة, ولكنها ما عادت تملك خيارات عدة, خاصة وقد غلب صوت جموح حكام الكريملن لإعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي بتاج قيصري على صوت العقل، وإن كان قد أصابها الهرم ونخر السوس أعمدة أركانها التي لطالما اتكأت على ما ظنته بأنه نصر مؤزر، وهي تلوح بحق الفيتو ضمن أروقة مجلس الأمن بين الحين والآخر.

ورُب سائل يسأل, ما الذي ستحصده روسيا من إقحام نفسها في هذا المأزق وما الذي ستستفيد منه, والأصح أن يكون السؤال “ما الذي ستخسره روسيا أساسًا”.

لا نريد أن نغالي إن قلنا بأنه لو عاد الله وبعث ابن كثير من جديد وتم تكليفه بتدوين ما يجري من أحداث, فإنه لن يشق عليه الأمر ولن يستلزم منه سوى إعادة نسخ بعض الصفحات من كتابه المعنون “البداية والنهاية”، وخصوصًا تلك التي تسرد ما جرى إبان غزو التتار لبغداد والمنطقة قبل نحو ثمانية قرونٍ مضت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد