بعد أن خلق الله الأرض وبسطها وخلق الإنسان وأنزله إلى الأرض، سخر الله الأرض للإنسان وسخر الإنسان لعبادته، وكان من إرادة الله وحكمته من خلق الإنسان واضحة، وهي عبادة الله الخالق حق عبادة، وتعمير الأرض.

بدأت الحياة البشرية دون خبرات سابقة أو كتابات ودساتير وقوانين وغيرها من الأشياء التي نعرفها الآن ونسير على نهجها، بدأ الإنسان الأول في اكشاف كل شيء بنفسه، وكانت الفطرة والغريزة «الشعور» هي الدليل الأكبر للإنسان على وجه الأرض، كانت معلم يسير مع الإنسان جنبًا إلى جنب على الأرض لتوجيهه وإرشاده إلى كيفية قضاء وسد احتياجاته للقدرة على الاستمرار في الحياة، ومن أوائل الغرائز مثلاً الشعور بالجوع والتي بحث بسببها الإنسان عن أي شيء يمكن من خلاله السيطرة على هذا الشعور، ودلته الفطرة على أشياء يمكن له مضغها وأكلها حتى يسد حاجته وجوعه، وبدأت التجربة والاستكشاف حتى أكل أوراق الشجر، ويتطور الأمر بعد أكل أوراق الأشجار حتى توصل للصيد وأكل اللحوم نيئة، ثم تعلم كيف يطهوها بعد استكشافه للنار وهكذا.

الشعور بالبرد القارس وأشعة الشمس المحرقة، كان هذا له دليل للبحث عن شيء يغطي به جسده العاري حماية من البرد وستر عورته، فاستخدم أيضًا أوراق الشجر الكبيرة، ثم تطور الأمر بعد الصيد واستخدام جلودها لتغطية جسده، ظل يحاول التطوير والاستكشاف حتى استخدم الكهوف للاحتماء من تقلبات الجو، وأيضًا للاختباء والحماية من افتراس الحيوانات، واستخدم أيضًا تجويف الأشجار الضخمة مسكنًا له، وتطور الأمر إلى أن أصبح الإنسان يصنع بنفسه مسكنه الخاص من أوراق الأشجار الكبيرة وجذوعها، وتطور أكثر حتى أصبح الإنسان يستخدم الطوب النيئ في البناء.

وأصبح المسكن من أولويات الإنسان في أي مكان يذهب له بعد أن يتأكد من وجود الطعام والماء، يقيم مسكنًا له يجلس وينام فيه ويحميه، ويتطور المسكن بتطور البشرية واحتياج الإنسان، وبعد أن كانت أوراق الأشجار وجذوعها مادة أساسية لبناء المسكن، تطور الأمر كثيرًا مع تطوير احتياجات الإنسان، حتى تطورت مواد البناء ليصبح البناء مشروعًا أوليًا في كل شيء وقبل كل شيء.

ولأن المسكن كان أساسيًا، مع تطوير البشرية أصبح من أولويات كل مجموعة أو مجتمع هو بناء مسكن أمن لأعضائها من البشر، وكان المسكن موحدًا تقريبًا على كل المجتمع بسبب توحد الجميع في صفاته وأهدافه، ومع ازدياد الفوارق بين متطلبات كل إنسان برز التباين والاختلاف بين مسكن كل فرد على قدر احتياجه، ومع تطوير المجتمع واختلاف الأهداف وتقسيم المجتمع لطبقات اقتصادية، اختلف المسكن شكلاً وموضوعًا وأصبح المسكن تعبيرًا واضحًا وكاشفـًا على فوارق الطبقات ورفاهية بعض أفراد المجتمع عن باقي الأفراد.

وهنا تولد الخوف عند أفراد المجتمع من أن ينتقل المسكن من أساسيات الإنسانية إلى رفاهية لكل من يستطيع فقط، وتبعًا الخوف على بعض فئات المجتمع غير القادرة من عدم وجود مسكن ومأوى لهم، فتكفل النظام الموجود «المجتمع، الأمة، الدولة» لإعطاء كل فرد حق المسكن.

ومع النظام العالمي الجديد بكل تطويره وتحديثه أصبح المسكن حقًّا للجميع دون تمييز بين أي فرد وآخر بسبب أي شيء «اللون والجنس والدين واللغة وغيرها»، وعلى ذلك كان الاتفاق الضمني على ألا يتم التحكم في سكن الإنسان بيد فرد أو مرهون بقدرة الفرد نفسه من عدمه، بل اتفق على أن يكون المسكن في يد ومسئولية المجتمع بجملته في شكل نظامه المتفق عليه وهو الدولة أو مؤسسات مسئولة عن ذلك.

وجاء بعد أن كان اتفاقـًا ضمنيًّا أصبح اتفاقـًا مكتوبًا «قانونيًّا دستوريًّا» يلتزم به كل مجتمع، بل زاد على ذلك وضعه في إعلان «قانون» ملزم لجميع الدولة، وجاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام ١٩٤٨ بنص المادة رقم ٢٥ في فقرتها الأولى «لكل شخص الحق في مستوى المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، ويتضمن ذلك التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية وكذلك الخدمات الاجتماعية اللازمة، زاده الحق في تأمين معيشته في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وغير ذلك من فقدان وسائل العيش نتيجة لظروف خارجة عن إرادته».

وجاء النص في كل إعلان خاص لحقوق الإنسان، كان لا بد أن يشمل حق الإنسان في المسكن.

وانتشرت منظمات حقوق الإنسان وتخصص بداخلها مجموعات في المجتمع تتبنى المطالبة بحق الأفراد الأقل حظـًا في المجتمع بحقوقهم في المسكن، وأصبحت جمعيات الحق في المسكن تملأ جميع المجتمعات تقريبًا ومنها على سبيل المثال في فرنسا اشتهرت جمعيات الحق في المسكن حتى جاء في يوم تصريح لجاك شيراك قبل الرحيل عن الحكومة، بان لكل مواطن لا يملك مسكنًا وغير قادر على أن يدبر بنفسه مسكنـًا له الحق في أن يقوم بمقاضاة الحكومة أو الجهة المسئولة عن توفير سكن آدمي له، ولا بد للدولة أن توفر له حق التقاضي.

وتطور الأمر إلى أن أصبح المسكن سلعة تباع وتشترى، بعد أن كان المسكن حقّـًا أصيلاً لكل المجتمع بغض النظر عن أي شيء دون تمييز بين أفراده، وجاءت مجموعات موازية للمجموعات الحقوقية المطالبة بأحقية المسكن للجميع، لكنها مجموعات تتبنى فكر نزع الأحقية المطلقة دون تمييز، واستبداله بأحقية القادر والمنع عن غير القادر، مجموعات تهدف للربح عبر التميز ولا يعنيها الإنسان أي كان.

وبرز في المجتمعات فكر تحكم الفرد في البيع والشراء واستئجار المسكن حتى تطلب الأمر تدخل الدولة، وجاء تدخل الدولة ليس بإعادة أحقية الجميع في المسكن واسترداد التحكم في المسكن لها، لكن تدخلت الدولة بسن قوانين تزيد من تحكم الفرد في البيع والاستئجار.

في كثير من المجتمعات انتقل جزء من موضوع المسكن إلى يد بعض المؤسسات الخاصة الهادفة للربح، ولكن تحت مظلة الإنصاف ومراقبة الدولة وبشرط عدم تحكم هذه المؤسسات في مسكن الأقل حظًّا والذي لا يملك ثمن مسكنه، تنازلت الدولة عن جزء لكنها ظلت مسئولة عن توفير المسكن لكل أفراد المجتمع وخاصة غير القادرين.

أما عن مجتمعنا ووطننا الحبيب، وللأسف تركت الدولة ملف المسكن جملة وتفصيلاً في أيدي الأفراد يتحكم كل قدر ماله واستطاعته في أحقية من يملك ومن لا يملك، أصبح المسكن للأفراد ليس بحق إلا لمن استطاع إليه سبيلاً، وبرزت ظاهرة الإيجار الفردي ممن يمتلك إلى من لا يمتلك، ولا تسعى الدولة لتوفير حقه ونصيبه من المسكن، حتى جاء اليوم وظهرت في بلدنا خاصة القنبلة الموقوتة وما يسمى بالإيجار القديم.

وأصبح موضوع الإيجار القديم حقـًّا مشكلة كبيرة في المجتمع، وأظهر التعدي على الحقوق ما بين المالك والمستأجر، وعدم الإنصاف بين الطرفين، كما أظهر أيضًا ضعف الدولة وعدم قدرتها على التدخل والفصل بين الطرفين دون التعدي على حقوق أحد الطرفين وتمييز أحدهما عن الآخر.

وهنا نجد أن مشكلة الإيجار القديم مشكلة مشتركة بين المالك والمستأجر والدولة، ويجب الفصل فيها وهذا هو ما نقوم بالحديث عنه في المقال القادم إن قدر الله لنا البقاء واللقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد