تحدثت بإيجاز بشكل مبسط في الجزء الأول من هذا الموضوع (رحلة الإنسان القديم إلى الإيجار القديم (1)) عن التسلسل الزمني لرحلة الإنسان الأول في اكتشافه لضرورة المسكن، من استخدم الكهوف وتجويف الأشجار الضخمة للاحتماء من تقلبات الجو ومن افتراس الحيوانات إلى أن صنع الإنسان بنفسه المسكن الخاص به حتى توصل المسكن لأن أصبح من أولويات الإنسان مرورا بالاتفاق الضمني والمكتوب بالإعلان العالمي للحقوق الإنسان وإلزام الدولة بتحمل مسؤوليتها في توفير المسكن للجميع، وبدأ الأمر يدخل في حيز الاستثمار والنفع حتى ضعفت وتراخت يد الدولة وتركت الأمر لسوق الاستثمار بيعا وشراء وسكننا.

وفي النهاية توصل الأمر إلى مشكلة حقيقية في المجتمع المصري خاصة وهي ما تسمى (بالإيجار القديم)، وأنهيت المقال الأول بأن هذه المشكلة لها ثلاثة أطراف هم الدولة والمالك والمستأجر وحتى لا يتشعب الحديث سوف أقوم بطرح نقاط مبسطة لكل طرف من الأطراف الثالثة حتى يتم الفصل في هذا الاشتباك.

أولًا: الدولة (الحق في المسكن)

للإنسان عامة حقوق لابد للدولة أن تقوم عليها وتوفرها بالشكل الصحيح، وفي التزام الدولة نحو الفرد تحدثت من قبل في مقال سابق (العدالة والمساواة في المجتمع.. بين التحريف والتطبيق) عن المساواة في الحقوق الأساسية والحد الأدنى الإنساني، ومنها الحق في المسكن ويجب على الدولة توفير المسكن الملائم لكل أفراد المجتمع دون تمييز على أن يترك بعد ذلك الحرية لكل من استطاع وأراد أن يصل لحد الرفاهية، لكن الثابت والأصل توفير المسكن للجميع وخاصة من لم يستطع.

والمقصود هنا بحق المسكن وإلزام الدولة بتوفيره ليس التزاما بالتوفير بالمجان أو بدون مقابل على إطلاقها للجميع، بل المقصود توفير المسكن الملائم بالمقابل الملائم والمستطاع لكل فرد من أفراد المجتمع، وذلك على أساس أداء الدولة بحقوق كثيرة تمكنه من التوفير والقدرة على دفع المقابل ومن أهمها أن تقوم الدولة بتوفير العمل المناسب الذي يستطيع من خلاله المواطن دفع حاجته من الطعام والمسكن وغيرها من أساسيات الحياة.

وبعد أن تقوم الدولة بتوفير الحقوق مجملة لا يمكن أن تجد بعض الأفراد لا يستطيع دفع مقابل للحصول على المسكن، لكن فرضا مجردا إذا وجد في المجتمع أفراد لا بستطيعون دفع المقابل لوجود عائق أو بسبب خارج عن تقصيرهم الشخصي، يكون الإلزام على الدولة توفير المسكن وإن وصل الأمر لأن يكون مجانيًا (وليس مدعمًا فقط)، تخلي الدولة عن دورها الأساسي في توفير المسكن وترك الأمر بأيدي فئات في المجتمع تستغل هذا الأمر استغلالا استثماريًا يزيد من المشكلة وتفاقمها ويضع المجتمع في ممر التناحر وعدم الإنصاف بين أفراده.

أما عن مشكلة الإيجار القديم قانونيا تتحمل الدولة بمفردها المسؤولية كاملة بالعدل والإنصاف بين المالك والمستأجر دون تراخٍ أو محاباة في التطبيق، قانون يعطي المالك حق التصرف فيما يمتلك دون العدوان على حق المستأجر أو استغلال احتياجه، وأيضا إعطاء المستأجر حق المئوي والمسكن دون بخس في المقابل للمالك، دون تركه فريسة للمالك لإسكانه في ساحات الشوارع.

ثانيًا: المستأجر (من منظور العدالة المجتمعية)

لا شك بأننا نعلم جيدا أن المستأجر فرد لم يحصل على حقوق من حقوقه الثابتة الأساسية ألا وهو المسكن ولم تلتفت إليه الدولة ومؤسساتها، هو طرف ضعيف في المجتمع من حيث الحصول على الحقوق، لكنه في ذات الوقت والحقيقة هو الطرف الأقوى في موضوع الإيجار القديم خاصة بعد تخلي الدولة عن دورها في حماية المالك.

المستأجر فرد له الحق في الحصول على مسكن خاص به تتكفل به الدولة، لكنه ليس له الحق في استغلال مسكن فرد آخر تحت دعوى الإيجار دون إنصاف وعدل في إعطائه المقابل المناسب، نرى في مجتمعنا وللأسف قيمة إيجارية لا يستوعبها عقل ولا منطق، لا يجيز للمستأجر أن يحصل على حقة في المسكن (المخول إلى الدولة) على حساب فرد آخر في المجتمع (المالك) تحت غطاء الإيجار بمقابل بخس.

لك أن تتخيل أن تجد بعضًا من هؤلاء المستأجرين يملك عقارًا خاصًا به ويتركه أو يسكنه وفي نفس الوقت لا يقوم بترك مسكن الإيجار القديم لصاحبة بل المطالبة بمبالغ تعجيزية حتى يتكرم بترك المسكن لصاحبه، بل الأكثر شططا أن تجد أبناء وأحفاد المستأجر الذي توفي يستخدمون المسكن وكأنه ملك لهم دون صاحبه ولا يبالي منهم أحد.

للمستأجر حق العدالة الاجتماعية وعليه حق العدالة المجتمعية، العدالة الاجتماعية تتكفل بها الدولة لإعطاء كل فرد حقوقه الإنسانية ومنها المسكن، والعدالة المجتمعية هي بين أفراد المجتمع وبعضهم أن يطبق كل منهم العدالة دون النظر للدولة إن كانت تطبق أو تتخلى، أن يطبق العدالة المجتمعية في إعطاء المقابل المناسب وإن كان القانون نفسه يحدد مقابلًا دون المستوى، إن كان القانون الوضعي يبخس حق المالك دون عدالة وإنصاف فلا ينبغي للمستأجر أن يكون مثل الدولة في بخس حقوق الآخر، أن يطلب من الدولة العدالة الاجتماعية بحقه في توفير مسكن هذا واجب لكن هذا لا يدعوه لعدم الإنصاف في حق المالك.

ثالثًا: المالك (الطرف الأضعف)

من الطبيعي أن تجد المالك هو الطرف الأقوى لكن في مصرنا الحبيبة المالك هو الطرف الأضعف دائما، كيف لك أن تصدق أن تجد مالكًا لعقار لكنه لا يملك أي شيء بل تجده تحول لمستأجر في عقار آخر لأحد الملاك، بل أزيدك من الشعر بيتًا أن هذا المالك كل ما يتحصل عليه من عقاره الخاص لا يكفي له قيمة إيجار مسكنه الذي تحصل عليه بسبب عدم استطاعته للمسكن فيما يملك.

لك أن تستوعب أن قيمة إيجار عقار كامل في منطقة داخل القاهرة بعدد من الجنيهات لأنه إيجار قديم، في حين أن في نفس المنطقة شقة واحدة وقد تكون مساحة أقل تجد قيمة الإيجار فيها بعدد من آلاف الجنيهات، أي عدل وإنصاف هذا؟ مالك لا يملك ثمن إيجار مسكنه في عقار لا يملكه.

لا أستطيع أن أتحدث كثيرا عن صاحب العقار الذي لا يملك ثمن قيمة إيجار له خارج ما يملك لكن أدعوك للتفكير معي، ماذا يفعل في عقاره الذي لا يملكه؟ ماذا يفعل في مستأجر لا يراعي الله ولا الإنصاف في قيمة الإيجار البخسة لأنه الأقوى؟ ماذا يفعل تجاه الدولة التي تسلم عقاره لمن لا يعطيه بإنصاف؟

قد يقول البعض إن بعضًا من هؤلاء الملاك يفعل الكثير من الحيل ليقوم بطرد المستأجر لإقامة مشروعه الاستثماري ولا يعنيه أن يرمي بهؤلاء الضعفاء من المستأجرين في الشارع، أتفق معك تماما ولا يمكن أن أتعاطف مع هؤلاء لكن هذا ليس بسبب يدعو المستأجر لعدم الإنصاف وبخس حقه فيما يملك، وهنا يأتي دور الدولة في الضمان والفصل بإنصاف.

في النهاية، على الدولة تحمل مسؤوليتها كاملة بتوفير المسكن للجميع دون تمييز، عليها تحمل مسؤوليتها وعدم التخلي عنها لمن يملك المال ويتحكم في الأفراد، لا يمكن للدولة أن تقف تشاهد عدم العدالة وعدم الإنصاف دون تدخل عادل.

على المستأجر أن يراعي العدالة المجتمعية بينه وبين صاحب العقار، بغض النظر عن عدم وجود عدالة اجتماعية من الدولة، معركة المستأجر مع الدولة في الحصول على حقوقه لا تبيح ولا تجيز له التوغل وعدم الإنصاف مع بعض أفراد المجتمع، لابد للمستأجر أن يقوم هو بتطبيق العدالة المجتمعية التي فشلت الدولة فيها، عليك أن تذهب للمالك وإعطائه ما يستحق.

أما عن الطرف الأضعف، المالك، لابد لك من المطالبة بحقوقك في إدارة ما تملك بتدخل الدولة بإنصاف، لكن أيضا هذا لا يبيح لك أن تقوم بإيذاء الضعفاء من المستأجرين.

الحل الأمثل للإيجار القديم أولا تطبيق العدالة المجتمعية بين المستأجر والمالك وعدم انتظار والتعويل على الدولة، وهذا لا يدعو لتخلي الدولة عن مسؤوليتها بل يزيد من المطالبة بإلزام الدولة بتوفير المسكن للجميع والتدخل والفصل بين الطرفين بإنصاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع, مدني, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد