الوطن بين المناضل غسّان كنفاني والإمام محمد عبده

ما الفائدة في أن يكون وطني كبيرًا، وإن كنت فيه حزينًا حقيرًا، أعيش في الذل والشقاء خائفًا أسيرًا؟

حكيم فرنسي

عادة ما يَسعد أي باحث أو كاتب عندما يطرق موضوعًا بِكرًا لم يسبقه أحد في البحث فيه أو الكتابة عنه، إلا أنني أجد ضالتي في التمسّح بالمواضيع التي قُتلت بحثًا، ولكنها في الوقت ذاته لم تُغير من مجريات الأمور ولم تُسفر عن شيء، ولا حتى تثير تساؤلات في ذهن القارئ. لذلك أكتب عن الوطن الذي أعتقد أنه لا يوجد شاعر واحد لم يكتب عنه.

أيلام الحمل إذا ما افترسه الذئب؟

قرأت منذ فترة رواية المناضل الفلسطيني غسّان كنفاني «عائد إلى حيفا»، التي تدور أحداثها حول سعيد وزوجته صفيّة اللذين كانا قد تركا حيفا تحت القصف في 1948، تاركين ابنهما خلدون كرهًا؛ حينما كان الهروب بحياتهما أخف الضررين، ومكثا يذكرانه طيلة 20 عام مع وضع فرضية موته، ولكن ثمة هاجس كان يراوغهما أنه ما زال حيّ يُرزق. يعودان بعد فتح الأبواب بين المنطقة المحتلة في 1948 والضفة المحتلة في 1967 لزيارة بيتهما القديم في حيفا؛ فوجدا امرأة إسرائيلية تسكن بيتهما وقد تبنت الطفل الذي صار ضابط احتياط في الجيش الإسرائيلي؛ فتدور مواجهة بينه وبين أبيه القديم، يقول له ناكرًا إياه: كان عليكما ألا تخرجا من حيفا!

سأل سعيد صفية عن معنى الوطن الأمر الذي أثار دهشة صفية، ونبههما إلى عجزهما في الوقت ذاته، عجز يحول بينهما وبين معنى الوطن. بادر سعيد ليجيب على ذاته قائلًا: الوطن هو ألا يحدث كل ذلك، حتمًا يقصد بذلك التفرقة بين المرء وبيته، بين المرء وابنه، بل وجعله عدوًا له.

الوطن عند أهل السياسة

يقول الأستاذ الإمام محمد عبده في إحدى مقالاته مُعرفًا الوطن بأنه: مكانك الذي تنسب إليه، ويُحفظ حقك فيه، ويُعلم حقك عليه، وتأمن فيه على نفسك، وآلك ومالك، أما السكن الذي لاحق فيه للساكن، ولا هو آمن فيه على المال والروح، فغاية القول في تعريفه إنه مأوى العاجز، ومستقر من لا يجد إلى غيره سبيلًا. فالوطن هو السكن الذي تأكل فيه هنيئًا وتشرب مريئًا وتبيت في الأهل أمينًا، وهو المقام الذي تنسب إليه ولا تجد في النسبة عارًا ولا تخاف تعبيرًا.

مبرر لترك الوطن؟

لا تكن ممن يقتطعون الكلمات من سياقها لتوظيفها من أجل خدمة أغراض بعينها الأمر الذي يعطي مساحة تلاعب مزيفة لكل الأطراف، إن الأصل في الأمر أن الفرد لا يجب أن يترك أرضه، إلا حينما تصبح هذه الأرض سبب الشقاء الذي يمنعه من ممارسة حياته كإنسان، الأمر الذي يعطيه رخصه المغادرة في هذه الحالة.

ثمة فرق بين الوطن الفقير الذي أفقره من يحكمه، وبين الوطن الذي يُحتل من عدوٍ مباشر، فالأولى تعزز فرصة المغادرة؛ حيث إن الإنسان يمكنه تحقيق ما أمره الله به في الوجود، فليعبد الله ويعمر الأرض في أية بقعة من بقاع الأرض، أما الثانية فهي تعزز فرص النضال؛ حيث إن ما يُؤخذ بالغصب لا يرد إلا بالغصب.

ثمة شعور يراوغ البعض بعدم الانتماء يبرر الهروب ويفتح باب الخروج من الوطن، فَجَرَى العرف على أنه من يغادر الوطن عادةً ما يكون على صواب، ويمكث فيه المُسالم عديم الهدف، فنحن نقرأ في كتب التاريخ عن المنفى الذي كان يقذف المحتل إليه بالوطنيّن والمناضلين وأصحاب القضيّة، ولكننا نرى اليوم فراق الوطن يتجسد في طموح أبنائه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, الوطن, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد