أصبحت الهجرة واقعنا، إما المفروض بحكم الدمار والقتل، وإما المرغوب هروبًا من الفساد وإهدار الحقوق الإنسانية ورغبة في تحقيق الحلم.
في تجمع عائلي، شكت إحدى الأمهات من عدم مقدرتها وزوجها على ملاحقة تطلعات أبنائهم، سألتها عن ماهية تلك التطلعات؛ فأجابت بأنهم يريدون السفر والاستقرار في «أمريكا» مثل أصدقائهم؛ بل إن الولد الكبير ذا الأحد عشر عامًا يتحدث مع أبيه -متعجبًا متحفزًا- عن صديقه المهاجر، ويقول: «أنا وصديقي لم نعد نتحدث غير الإنجليزية».
حزنت في نفسي وتحسرت، وأنا أرى ذلك الجيل وهو مشغول الوجدان ببلاد أخرى وثقافات أخرى ولغات أخرى، يحفزون بعضهم بعضًا على الهجرة؛ حتى باتت هي حُلمهم الملازم؛ فلم تعد بلادهم تملأ أعينهم، ولم تعد لغتهم وثقافتهم تثير شغفهم؛ وينظرون إلى التاريخ على أنه مجرد تاريخ؛ حتى هاجروا عن الوطن وهم ما زالوا على أرضه.
ويزيد الحسرةَ أن آباء هذا الجيل غالبيتهم يهتمون بتعليم أولادهم اللغات الأجنبية أكثر من العربية؛ بل أحيانـًا يظهرون بشيء من الزهو اعتذارًا عن عدم مهارتهم في العربية، لكنهم على الجانب الآخر بارعون في الإنجليزية.
ومن يطالع صفحات التواصل الاجتماعي لأقاربه ومن حوله يرى أغلب صور الأطفال التذكارية في المنتجعات وأمام المطاعم الشهيرة مذيلة بالتعليقات «الفرانكو» أو الإنجليزية؛ وذلك لا ريب حقهم في أن يتمتعوا برفاهيات زمنهم؛ ولكننا على الجانب الآخر قلما أن نجد صورة واحدة من أمام قلعة صلاح الدين مثلاً؛ أو من أمام أحد آثار شارع المعز؛ أو من مدينة الفسطاط القديمة أو مجمع الأديان أو قصر الوالي محمد على، أو حتى من أمام تماثيل معبد حتشبسوت أو من أمام قناع توت أو غير ذلك من آثار حضارة وطنهم.
وهنا نجد أن تلك المظاهر السابقة يفسرها سببان:
الأول: هو تضائل قيمة ثقافة هذا الوطن في قلب ذلك الجيل.
والثاني: هو الانبهار بمظاهر التقدم والتحضر في تلك البلاد الأخرى.
فأما عن الثاني فمعهم كل الحق فيه، بل إننا جميعًا تلك الأجيال المتأخرة نتشارك في هذا الشق ولكن هناك فرق؛ أن كل تلك المظاهر لم تجعلنا نبخس قدر بلادنا وثقافتنا في قلوبنا؛ حيث كان لنا آباء يزرعون قيمة بلادنا في وعينا ويحدثوننا عن ثقافاتنا العظيمة وإسهاماتنا الحضارية في التاريخ الإنساني كله؛ حتى لو كان ذلك الدور قد اندثر وتراجعنا كثيرًا فقد كان آباؤنا يحتفظون بقدر بلادهم في قلوبهم وينقلونه إلينا بمنتهى الإخلاص نحن الأبناء حتى لا ننسى دورنا.
وهذا يدفعنا للنظر في السبب الأول؛ والسؤال هنا مباشرة، هل يهتم الآباء حاليًا بغرس قيمة بلادهم في قلوب أبنائهم؟ هل ينتبهون لمظاهر تقدم الغرب حتى لا تسرق انتماء أبنائنا؟ هل ينتبهون لحفظ هويتهم؟
أنا أعلم جيدًا أن آباء هذا الجيل الجديد هم الذين تترواح أعمارهم ما بين الثلاثين إلى الأربعين؛ أولئك الشباب الذين تخرجوا بلا عمل في انتظارهم وتكبدوا ضريبة الفساد المُرّة مما اضطرهم إلى السفر وتحمل المشقة لتحقيق الذات وتكوين الأسر؛ وهم الذين ما زالوا يلهثون في الحياة من أجل توفير معطيات الحياة الكريمة لأبنائهم من من مدارس أجنبية واشتراكات النوادي الرياضية الكبرى وتمضية الإجازات في المنتجعات الساحلية وقضاء العطلات الأسبوعية في «المولات» والتبضع من أفضل العلامات التجارية؛ هؤلاء هم الآباء الذين يسمعهم الأبناء في التجمعات يتحدثون عن الظلم الاجتماعي والحكام الفاسدين والموارد المهدرة والواقع المنفر.
تلك هي الطبقة التي تلهث، والتي أخشى ألا يكون لديها وقت، أو عاطفة لكي تسقي أبناءها قيمة أوطانهم بجانب حديثهم عن أحوالها المتردية؛ ولكي يزرعوا بهم انتماءهم لها مهما ابتعدوا عنها بالطموحات.
لا بد أن نزرع في أبنائنا أن تلك البلاد المتعثرة المليئة بالمشكلات هي بلادهم وأنها بحاجة إليهم؛ وبأن السفر الذي يطمحون إليه لا يجب أن يكون هروبًا؛ بل إيفادًا لكي يتعلموا ويتثقفوا ثم يعودوا لكي يأخذوا بأيدي إخوانهم من أبناء وطنهم الطيبين البسطاء الذين لم يتسن لهم اكتساب الخبرات والتعليم مثلهم.
كلنا نعلم أن الوطن لم يعد به ما يضمن معطيات المعيشة الكريمة، نعلم مدى قساوة وضعه واليأس الذي يكاد يطبق على الصدور ولكن هل نستسلم؟ هل ننكر خير تلك البلاد وننساه أمام أبنائنا لأنهم لم يعاصروه ولم يجن آباؤهم ثماره؛ هل نهمل الحديث عنها لأنها أصبحت تطرد أحلامهم، هل نهمل تعليمهم ثقافتنا الأصيلة لأننا منشغلون بتعليمهم ثقافات أخرى؟ هل نصمت عن مناقشة الانتماء وحب البلد بسبب ذلك كله؛ هل نترك الأمل ليموت في الصدور؟ من منا لا يريد لولده أن يصبح مثل زويل أو نجيب محفوظ أو مجدى يعقوب، أولئك الذين تفوقوا عالميًا في العلم والأدب والطب؛ أولئك الذين يردد الغرب أسماءهم في إكبار؛ من يتأمل سيرتهم سيجدهم يعشقون هويتهم المصرية حتى النخاع ووصلوا للعالم من خلالها، فمحفوظ قد أخذ نوبل بـ«أولاد حارتنا» ولم يخرج من عباءة حي الجمّالية طيلة عمره، وزويل ويعقوب كانت بلادهم تسكن وجدانهم ليل نهار، رغم أنها هي البلاد التي لم يتمكنوا من تحقيق أحلامهم فيها بسبب الفساد أيضًا والإمكانيات الضعيفة؛ فلم ينقموا ولم ينسوا؛ ولم يرتموا في أحضان الغرب بل عاشو فيه وأوطانهم بين أضلعهم، حتى إذا ما أتموا مهمتهم عادوا إليها لكي يردوا لها ولأهلهم فيها الجميل؛ فعاد زويل ليبني جامعته في مصر؛ ويعقوب عاد ليؤسس مركزه للقلب في أسوان حيث ولد.
أعلم أن التقدم يفرض ثقافته وهويته وذلك هو الطبيعي، ولكن لا بد ألا يفلت منا انتماؤنا وثقافتنا وروحنا؛ بل لا بد أن نقبض على كل ذلك بداخلنا وبداخل أبنائنا، إن الوقت الذي تكون فيه أحوال الأوطان أكثر ما يكون من التراجع والانحدار واشتداد الأزمات؛ هو أكثر وقت لا بد أن يتجلى فيه انتماء أبنائها وحبهم لها؛ فذلك هو ضمان بقائها ومواجهتها لكل ذلك.
لا بد أن يسكن الوطن أحلام صغارنا؛ لأنهم إذا ذهبوا بعيدًا بأحلامهم سوف يكون لا مستقبل لتلك البلاد التي رَبينا بها، ودَفنا آباءنا، ووُلد أبناؤنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد