رمضان 2017

لا شيء في مدينتي سوى الحزن، وجوه كئيبة، وسحنات مغمومة، وصدور مهمومة. أضحت تلك الساحرة الفاتنة أشبه بمدينة أشباح، تمسي وتصبح على الشقاء والأسى، الحياة هنا لا تعدو أن تكون إلا إعادةً لسيناريوهات مريرة، ارتبطت ذكرياتها بسنوات من الألم المرئي واللامرئي لن تؤدي معناه القواميس المألوفة، الحياة هنا ما هي إلا حكاية تراجيدية بين كهل لم تلتئم جراح ماضيه الأليم وشاب يافع يضمد جراح الليلة البارحة.

مع إشراقة كل فجر جديد يتناهى إلى سمعك نحيب أم مفجوعة تبكي ابنها الراحل، جثت على الركب عند عتبة باب انتهكت حرمته، جالت بعينيها المتضعضعتين تقتفي أثر فلذة كبدها، لكن عبثًا لقد رحل وحجزوه بين جدران أربع، غير بعيد، طفلة في عمر الزهور حرمت من حضن الأبوة، تذرف الدموع برباطة جأش منقطعة النظير، كيف لا وهي التي شاركت رفقة أبيها في مسيرات سجلت بماء من ذهب، كانت تحمل باقة ورد بيضاء ولا تتوانى عن رفع شارة النصر، لقد آمنت بالقضية حد التقديس وتغلغلت روح الصمود إلى قلبها فصارت تجري مجرى الدم في عروقها، ستترعرع هذه الحمامة في كنف الحرمان فلا عجب إن ثارت يومًا وتمردت على مختطفي أبيها.

هناك عند ملتقى الطرق دوت صرخة «سعيد»، فسمع صداها من بعيد، لم يأبه به أحد، هو ذاك المختل عقليًا يمشي على سجيته لا يلوي على شيء ويذعن لما يمليه عليه هواه، لكن مهلًا صرخة «سعيد» هذه لم تكن ككل الصرخات فهي انبعثت من صميم الفؤاد الموجوع، تأوه ألمًا وارتسمت ملامح الوهن على محياه، شد بقوة على صدغيه فأهوله منظر الدم المنساب على يديه فصرخ مجددًا وصدحت حنجرته بحثًا عن وطن مفقود.

حول كل مائدة إفطار يغيب فرد من العائلة، لقد خرج ليتنفس الحرية ولم يعد، ألقوا القبض عليه وزجوا به في دهاليز السجون، هو بريء براءة الذئب من دم يوسف، فهو لم يختلس ولا سنتيمًا من مال الشعب، ولم يقم بتفويت قطعة أرضية لصالحه ولم يتجرأ يومًا على ظلم العباد ولا النصب على أملاكهم، لكن بالمقابل لفقوا له تهمًا ترديك صريعًا من هول الصدمة، متوهمين بذلك أنهم أطفؤوا شعلة الغضب التي أوقدها شهيد لقمة العيش محسن فكري (رحمه الله). لكن بالله عليكم كيف ستنطفئ الشعلة وصبي في ربيعه الخامس يدرك معنى الريع والفساد ويطالب هو الآخر بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، كيف ستنطفئ الشعلة والوعي تجذر بأرض هذا البلد. ربما قد تسلب شعبًا كاملًا من حريته، لكن أبدًا لن تستأصل ذاك الوعي المنبثق من وجدانه.

هناك هناك بعيدًا بعيد، في سجن فظاعة اسمه تكفي.

«سيليا» هي امرأة بألف رجل. لا فالرجل لم يكن يومًا معيارًا للشجاعة والشهامة والمروءة، «سيليا» هي امرأة بألف امرأة، عهدناها قوية لا تستسلم حملت هم الريف على عاتقها وضحت بحياتها من أجل كرامة المرأة الريفية وشرفها، اقتعدت في إحدى زوايا الزنزانة الموحشة، كان وجهها رقيق الملامح دقيق التقاطيع قد بدت به صفرة وهزال وقد فرق شعرها الأسود الناعم في منتصف رأسها ثم جدل في ضفيرة تهدلت على ظهرها واستقرت يداها متشابكتين في حجرها وانحنى كتفاها ومال رأسها حتى استقر ذقنها على صدرها.

انهضي يا «سيليا» هيا انهضي، اهتفي كما كنت تفعلين بساحة الشهداء، جلجلي بصوتك أركان الظلم والفساد وقضي بنظرتك الثاقبة مضجع المتاجرين بهموم الناس، عهدناك عزيزة تأبين الخضوع وكذلك تزالين. غني يا «سيليا» غني، فالعندليب وإن حرموه من الطيران، تمرد وغرد رغم أنف السجان. غني يا «سيليا» عن محسن الشهيد عن أوجاع الريف عن دماء الأجداد الأبرار عن صمود المرأة وكفاحها. غني عن نفسك. تمردي يا «سيليا» واكسري بصوتك الشجي حاجز الصمت، تمردي على الجلاد والسجان، ثوري يا «سيليا» ثوري فالثورة أنثى.

في زنزانة خيم عليها سواد رهيب، الظلمة هنا تلغي الحدود بين الليل والنهار وتجعلهما ليلًا واحدًا، لا شمس هنا ولا نجوم ولا قمر، الحياة هنا كلها ليل. تقرفص «كريم» مسندًا ظهره على الحائط، بدا شارد الذهن مذهوب اللب سائحًا في عوالم أنسته وجع الحاضر، ربما في جوفه حنين أو اشتياق، كان مرهقًا أشد ما يكون الإرهاق كالجندي العائد من ساحة المعركة، أرخى رجليه، تنفس بصعوبة ورفع ناظره نحو سقف زينته بيوت العنكبوت، فجأة بدأ يلوح بيده هازًا إياها ذات اليمين وذات الشمال، وكأن فرشاة كانت ترقص بين أنامله، فتارةً يهزها وتارةً ينقعها في ملونة شدها بيده الأخرى.

هيا يا «كريم» انفض عنا غبار النسيان وأزل عنا ذاك اللون الباهت، أطلق العنان لخيالك وامض، فالفن إحساس قبل أن يكون نشاطًا تزاوله يداك، الفن هو أن تتعايش مع ما لم تره ليصبح واقعًا قد تراه ذات يوم، حدثهم يا «كريم» عن ماذا نريد. مع بزوغ أولى أشعة الصباح تدب الحياة في الحسيمة، عمال يقصدون ورشات عملهم ووجوههم تنبض نشاطًا وحيوية، عند كل شارع ينكب مهندسو النظافة على تنقية الأرصفة وتلميعها، يمر بجنبهم ثلة من التلاميذ يلقون التحية بكل وقار ويتابعون مسيرهم نحو مدرسة «ابن بطوطة».

غير بعيد، طلبة يقصدون جامعة «محمد بن عبد الكريم الخطابي» يناقشون بكل حماسة مستجدات الأخبار الوطنية والدولية ويبدون آراءهم محترمين ثقافة الرأي والرأي الآخر. بمركز المدينة تتواجد مكتبة «نسيم البحر» تمامًا كما أرادها أبناء الحسيمة، مكتبةً تسع الجميع، عشرات الصفوف من الكتب الموجهة لجميع شرائح المجتمع على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتوجهاتهم الفكرية، وعند مدخل المكتبة جلس أدباء وروائيون شباب حول مائدة مستديرة يتدارسون مؤلفاتهم بكل روح نقدية.

بشارع «20 فبراير» مرت سيارة الإسعاف تولول وقد شقت طريقها نحو مستشفى «محمد أمزيان»، كان في استقبالها أطباء أمارات حب العمل بادية على وجوههم، يسعفون المرضى بكل تفان ويبتسمون لأنهم يقدمون خدمة إنسانية جليلة، في ساحة «عدنبي نسوق» توزع مجموعة من الشباب يجمعون التبرعات استعدادًا للاحتفاء بالعيد الوطني: ذكرى معركة أنوال المجيدة «21 يوليوز»، هكذا أردناها، حسيمةً راقية تنبض حضارةً وتزهو جمالًا.

هنا الواقع، هنا شيء آخر.

هنا الحسيمة حيث اعتصر دم الشهيد في شاحنة أزبال، هنا يئن الأموات ألمًا لما يحدث فوق التراب، هنا ارتكن المنتخبون إلى الخضوع والخنوع، هنا تواطأ الأوغاد ضد الانسانية باسم الحق والقانون، هنا انقشعت المظاهر الزائفة واندثرت الوعود الكاذبة، هنا حكومة لا تحكم، قضاء لا يعدل وشعب يموت. هنا وطن، لا عذرًا الوطن ليس هنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد