«إن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، الإنسان أولًا بإنسانيته، فمع الإنسانية تأتي كل الأشياء الجيدة، وبدونها لا شيء، سوى الصراعات والدماء، بدون الإنسانية ستسود الغابة بقوانينها، ويكون البقاء لمن يمكنه أن يسفك الكثير من الدماء، ولكنه بقاء وقتي لن يدوم، لأن الإنسانية لا بد أن تنتصر». إلى هنا يكون «عزيز» قد وصل إلى الصفحة السابعة بعد المائة من كتاب بناء الأوطان قبل أن يأخذه النوم – ذلك الكون الممتلئ بالحرية – فما أجمل النوم على صفحات كتابك المفضل والأجمل من ذلك أن تنام في سلام بجوار من تحب. نام لتأخذه أحلامه إلى بعيد في دائرة الزمان، راحت تسير به من هنا إلى هناك، تقف به تارة وتقفز أخرى، ليشاهد قيام ممالك، وتهاوي حضارات، إلى أن استقرت به على باب مملكة سليمان عليه السلام.

كان مكتوب على بابها: «السلطان العادل ظل الله في الأرض» .

وقف أمامها طويلًا، وتمني أن لو كان بإمكانه أن يقف عندها نصف عمره، لولا أن الأحلام قبضت على يده لتدفعه ليُكمل المزيد، فما زال بالمملكة الكثير.

قبضت أحلامه على يده وأخذت تكمل به المسير في بقاع قِيل عن حاكمها أنه ملك الدنيا بما فيها، شاهدوا هدهدًا يطير إلى بعيد، ومجموعات النمل في نظام دقيق، شاهدوا بيوتًا عظيمة، شاهدوا سكان المدينة، كان مكتوبًا على أبواب بيوتهم، عليك أن تكون جسرًا لمن قبلك وقدوة لمن بعدك، عبارات لم تُكتب على الماء بل لم تُكتب على أوراق يسهل أن يمزقها الزمن، لقد حُفرت في قلوب سكان المملكة، وانعكست في حياتهم، وقبل أن تُحفر في قلوبهم وُلدت مع أطفالهم، فكما يقولون «إن أساس الممالك السليمة هو منابت الأطفال» فلا صلاح لأمة فسدت منابت أطفالها.

لاح في السماء بساط الريح حاملًا ذلك السلطان العادل، وجنوده تسير وفق منظومة المملكة التي كان أساس نجاحها محاور علاقات كل من الراعي والرعية واتجاهات هذه العلاقة، علاقة الإنسان بالإنسان تلك العلاقة التي أساسها هو التكامل والتكافل، ثم علاقة الإنسان بكل ما حوله، علاقة وجوده بالوجود.

تجلت هذه الاتجاهات في مواقف لا يمكن أن يقال عنها إلا أنها مبادئ العلاقات داخل الأوطان، جاء أولها في تفقد الحاكم لوطنه، إلى أن وصل «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ» سورة النمل الآية 20،

وتلاها مبدأ علاقة الفرد بالفرد ليري مجموعات النمل مخاطبة غيرها «يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» سورة النمل الآية 18 .إنه الخوف على غيرك مما تخافه على نفسك.

أكمل «عزيز» جولته ليتوقف مرة أخرى أمام صرح عظيم مكتوب على بابه:

«إن الأوطان ليست كهفًا أو حتى صحراء ممتدة، إنما هي وجود، وأعظم ما في هذا الوجود هو قيمة الإنسان، فاحرص على إنسانيتك، ارتق بها دائمًا بالمعرفة».

 لقد كانت مدرسة المملكة أو بيت العلم كما كانوا يسمونها،

«أن تبني المجتمع بالمنهج السليم وتبني المنهج بالمجتمع القويم هذه هي أساس بقاء الأوطان قوية عبر الزمن».

سقطت هذه الكلمات على أذان عزيز أثناء مروره بسلام من أمام قلعة الحكم، أو بيت الوطن، لقد كانت بصوت أحد مستشاري الملك، يا لها من حكمة عظيمة.

سار ذلك الحالم ببناء وطنه إلى أن قابل صديقًا قديمًا كان في انتظاره أمام بيت الأسرة والتي كان مكتوبًا على جدارها،

«إن الطبيعة تطمح دائمًا في الجمع بين رجل وإمرأة يُصلح كل منهما ما أفسدته الحياة في الآخر وفي المجتمع».

دار حوار جميل في ظل ضيافة صديقه عن بناء الفرد والمجتمع والوطن، وأن بناء الأوطان يأتي أولًا ببناء الإنسان بالمعرفة ثم بناء الأسرة بالمودة والرحمة، عندها يُمكن للمجتمع أن ينجب ذلك الحاكم العادل، الذي يمكنه أن يُكمل بناء الوطن في شكله الصحيح وتكوينه القويم.

وعند تعامد الشمس في منتصف السماء، ودع الصديق صديقه ليُكمل رحلته، في هذه المملكة ذات الطرقات الجميلة، التي هي غاية في النظام، إذ كانت طرقاتها تشبه شرايين الحياة، وبيوتها يشع منها الطُهر والنقاء، وسكانها مثل سكان السماء.

إلى أن وقف بفكره وقلبه أمام ذلك البناء ذي الطلاء الأبيض النقي، المزخرف ببعض الكلمات الهادفة، لقد كان يقف أمام بيت العدل ،وكان من بين ما هو منقوش على واجهته،

«إن ضياع قيمة العدل داخل ذات الفرد هو بداية السقوط».

«إن ضياع قيمة حق الإنسان قد يجعل الأوطان كهفًا مظلمًا وصحراء قاتلة».

«إن الأقلام المكسورة لا يمكنها أن تبني عقولًا، وأن البيوت المفككة لا تنتج أجيالًا تبني وتبقى، وأن الممالك الظالمة لا تنتج إلا طغيانًا».

وفي نهاية طريق المملكة كان الزمان يقف ماسكًا قلمًا من حديد ليكتب ما ورد إليه من السماء، «أيتها الحياة أعط من أعطاكِ» قبل أن يستيقظ «عزيز» ليجد محبوبته بجواره تشرق مع الشمس، ليأخذ بيديها، قائلًا: فلنذهب إلى تلك المملكة، مملكة سليمان، ولكن قبل أن نذهب علينا أن نبني الأسرة، ونؤسس المدرسة، ونقيم العدل، ونراقب الحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فريدريك نيتشه "هكذا تكلم زرادشت " 2014 جمهورية مصر العربية- مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
فليكس فارس "رسالة المنبر إلى الشرق العربي."
مصطفي زهير "بناء الأوطان" تحت النشر.
عرض التعليقات
تحميل المزيد