لا يمكن حصر المأساة السورية بنزوح أو لجوء، إنها مأساة متكاملة، فالمأساة السورية تحمل كل مأساة الحرب العالمية الثانية، وكذلك فهي تحمل في طياتها أفظع الجرائم الإنسانية التاريخية والمعاصرة، على كل حال يحمل النزوح واللجوء العنوان الأكبر للمأساة السورية.

فمنهم من هرب إلى دول الجوار مثل لبنان والعراق والأردن وتركيا، ومنهم من هرب إلى دول عربية وأجنبية أخرى، ومنهم من اتخذ البحر ممرًا لكي يصل إلى فردوس الخلود في دول أوروبا، ومنهم من فضل لهيب وطنه على كل ذلك

لكن الغالبية العظمى التي هاجرت، اتجهت نحو الأراضي التركية لأسباب كثيرة؛ بسبب قربها الجغرافي، وسهولة الحصول على الوثائق، وتوافر فرص العمل، وتقديم التسهيلات لأصحاب الشركات والمشاريع المختلفة، والتأمين الصحي المجاني للسوريين الحاصلين على بطاقة الحماية المؤقتة (كيملك)، واستئناف التسجيل في الجامعات وتقديم المنح الجامعية للطلاب، وكل هذه المميزات والتسهيلات ربما كانت بالفترة الأولى فقط.

أغلب هذه الأسباب دفعت السوريين لاتخاذ الأراضي التركية موطنًا مؤقتًا لهم إلى أن تنقضي هذه السنوات العجاف من الحرب التي ما زالت تطحن بلدهم دون رحمة، كشف موقع تركيا بالعربي في تاريخ 16 مارس 2017 وحسب ما أعلنته إدارة الهجرة التركية إلى أن عدد السوريين المسجلين في البلاد قد بلغ مليونين و957 ألف و454، وهذا يجعل تركيا في المرتبة الأولى باستقبال أكبر عدد من اللاجئين السوريين.

ولكن في الآونة الأخيرة قد تغيرت المعادلة بعض الشيء بالنسبة للسورين في الداخل التركي، والتي بدأت تتجلى ملامحها بالقوانين الصارمة التي أصبحت تطبق على أصحاب العمل والشركات وحتى مكاتب منظمات المجتمع المدني (الأمم المتحدة).

وأيضًا على مستوى التعليم من ازدياد عدد الطلاب المتقدمين للمنح الجامعية وانخفاض معدل القبول فيها وقلة فرص العمل وغلاء المعيشة وانخفاض معدل دخل الفرد وارتفاع اسعار الدولار بشكل قياسي، وانخفاض نسبة الدعم للمنظمات الإنسانية والإغاثية التي كانت شحيحة بالأصل ولم تستهدف فئات كبيرة من السوريين، ومنذ حوالي سنة تم إلغاء استصدار بطاقة الحماية المؤقتة في أغلب الولايات التركية.

ناهيك عن بعض المنغصات الأخرى، والتي تتجلى ببعض الممارسات العنصرية التي تكون في أغلب الأحيان فردية، التي لا يخلو منها أي مجتمع يرتكبها بعض الأفراد لتشويه سمعة السوريين وجعلها حاجزًا أمامهم للاندماج في المجتمع أو على الأقل التعايش معه.

وفي الآونة الأخيرة بدأ البعض من السوريين بطرح فكرة العودة إلى الوطن، لكن إلى أين سيعودون؟ نأخذ حلب على سبيل المثال التي لم يعد فيها حجر على حجر، ووصفها البعض أنها أصبحت ستالينغراد، لم تعد تصلح للعيش ولم يعد فيها بنى تحتية صالحة للعيش فيها.

أو العودة إلى جارتها مدينة إدلب التي تقع الآن تحت سيطرة المعارضة والفصائل الإسلامية التي لا تتوقف عن التنازع فيما بينها سياسيًا ودينيًا، وفي أغلب الأحيان تتطور إلى معارك عسكرية، وأيضا لا يخفى عن الجميع أنها مهددة بسيناريو محتمل مثل جارتها حلب. أم العودة إلى مناطق الجزيرة السورية فتسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية التي تقوم بتجنيد الأكراد والعرب وزجهم في معركة داعش نيابة عن الأمريكان.

وهناك بعض المحللين الكرد والمتابعين للشأن السوري يعتبرونهم مجرد فصيل من فصائل النظام الذي سيسلمهم المنطقة بعد تأديتهم المهمة في الوقت المناسب، هنا ما يثير الدهشة بالنسبة للاجئ السوري الذي هو متهم حتى تثبت براءته في أماكن لجوئه وفي حال عودته للوطن، فإن هناك مخاوف حقيقية من انتقام النظام من المعارضين وهتك كرامتهم.

أستطيع القول إننا باعتبارنا سوريين نُترك لمصيرنا في حالة غياب تام للضمير الإنساني .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد