هناك عمل منظم على مدى عقود من الزمن، يستهدف تعقيد التعامل بين كل شرائح المجتمع الجزائري، ويهدف إلى خلخلة الروابط المجتمعية المنسوجة عبر التاريخ، من إستقرار العلاقة وحدود التلاقي و التقاطع بيننا كجزائريين، و للأسف يستهدف وجود درجة إحتقان ترتفع و تزول فيها حدود الأمان و الثقة بيننا ، و تنغرس بدلاً منها شكوك و إرتياب و حيرة متبادلة تمُس الثوابت الوطنية ، تكاد أن تهتكها و تهدمها كليًّا .

و الذي لاحظته أنا شخصيًّا، أن كل طرف يعيش في رحاب هذا الوطن الكريم، أصبح يتحفز و يتشنج و يتقوقع على نفسه حفاظـًا على الذات ؛ لقد أفرزت لنا الأزمات السياسية التي مرت بها هذه البلاد مجموعة من التفاعلات الإجتماعية و التطورات الإقتصادية و التحولات الثقافية و الإجراءات الإدارية السلبية، فأصبح كل طرف يحمل الخصومات و يتهجم و يتبرم بالآخرين، و يتضجر بهم، و يعتدي و يُشكك حتى في إنتماءاتهم و أصولهم و كلماتهم و تصرفاتهم و وطنيتهم، حتى الدين الإسلامي لم يسلم من وَهم فتنتهم و أصبح مصدر قلق و مصدر إضطراب و تشكيك و تهديد في الجزائر الإسلامية .

و الله عجب ! بعد أن كان العقد الاجتماعي بيننا قد تكرر و تقرر و تبلور و تستقر و نضج على مدى عقود ، بعدما كان العقد الاجتماعي بيننا جامعًا لكل الأطياف و الطوائف و الأطراف المجتمعية ، و بعدما تأكد كل طرف من أن الآخر يضمر له كل الخير و الأمان و السلم و السلام ، و أن كل طرف يطمئن الآخر إلى أن ظهره محمي من كل خطر و مصون و مُحصن بالآخر ، رغم التباين التباعد و التنوع و الإختلاف الذي جاءت به السُنة الإلهية رحمة للعالمين لبناء عمران بشري متين صلب مستقر و دائم في الزمان و المكان ، عمران بشري قادر على حِمل أمانة ثقيلة ثقل الجبال و هي أمانة الوطن ، إذا بنا و كأننا اليوم سنبدأ في بناء عقدنا الإجتماعي من جديد ، و نبدأ في نحته من الصفر في ظل كل هذه الصراعات و العواصف الفكرية و الفلسفات الصدامية المستجلبة من خارج أراضينا و الغريبة عن عاداتنا و تقاليدنا و البعيدة كل البعد عن عقائدنا و موروثنا العلمي و المعرفي .

لقد كان من الأهداف الاستراتيجية لحقبة الاستعمار الفرنسي في الجزائر ، أن تعمل جاهدةً على هذا التفتيت المجتمعي و العرقي و الديني داخل الوطن الواحد ، في الوقت الذي كانت مجتمعاتنا قد استقرت من قبل وهي تعيش بقيم الإعتصام بحبل الله و عدم التفرق ، و أن الله لا ينهانا عن البر و القسط بإخواننا الذين نختلف معهم في العادات و التقاليد و الأصول و الدين و اللغة، و الذين عشنا و نعيش معهم على مدى عقود في أمان، فإذا بأعوان الاستعمار يغرسون بيننا أحقادًا بسيطة و بطيئة في بادئ أمرها، ما إن تلبث سنوات ، حتى تتضخم و تتراكم و تتعقد، و تؤدي إلى ميلاد أجيال من النفوس المشحونة بالغضب و عدم الرضى ، و الأضغان التي يورثها بعد ذلك جيل إلى جيل .

فإذا بنا قد تحولنا إلى شيء يشبه التفاعل النووي الإنشطاري الذي يؤدي إلى تقسيم مستمر لكل وحدة متماسكة داخل الوطن الواحد إلى قسمين ، و ينشطر كل قسم إلى قسمين و هكذا ، و تُضرب الوحدة الوطنية لأنها خُيِرت بين اللغة العربية و اللهجات الأمازيغية ، و تُضرب الوحدة الوطنية لأنها خُيِرت فيما مضى بين فتنة دينية و خلافات سياسية ، و تضرب الوحدة الوطنية و يستغلها نظام همه الوحيد الخلود و البقاء، في الوقت الذي يعمل الغربيون في دولهم الراقية و مجتمعاتهم السامية على تعليم و ترسيخ ثقافة التعايش و الإندماج و التكتلات و الأحلاف داخل نمط ديمقراطي مستقر، جعل منهم نموذجًا يقتدى به في العالم بأسره.

لقد مضت سنوات و عقود ، عمل فيها المستعمر على اللعب على أوتار الثوابت الوطنية حتى تعقدت فيه علاقات العرب مع غيرهم، فمثلاً قضية الأكراد و العرب وصلت بالناس هناك في شمال العراق و سوريا إلى إستحالة العيش المشترك في دولة وطنية واحدة ، و أنه لا بد من الإنفصال و التقسيم ، كذلك الحال مثلاً في شمال اليمن و جنوبه ، حيث وصل الشحن و الإحتقان و التعقيد إلى إستحالة العيش المشترك في إطار وطن واحد .

وكذلك عمل التقسيم البطيء مثلاً التي تقوم به بعض الحركات السياسية المتطرفة في الجزائر و التي عملت على تزييف وعي المجتمع الجزائري و شغلته بقضايا ليست حديث الساعة ، و عملت هذه الحركات من داخل البلد و خارجه على تأجيج الصراعات من المنابر الإعلامية بين مختلف طوائف الأمة ، بحيث يعادي بعضها بعضًا ، و هكذا تصبح أوطاننا هشة سهلة المنال ، فتتقسم و تشتت و تنهار .

و لعلكم تتذكرون جميعًا إنقسام دولة السودان إلى دولتين ، بعد نحو نصف قرن من العمل الصبور على غرس أسباب الشقاق و النفور و الأزمات و الصراعات بين شماله و جنوبه ، فمن خلال دراساتي لمشاريع التقسيم إستنتجت أن للفتنة أشكالاً و ألوانًا ، أنواعًا وأبعادًا، نتائج وتداعيات، إستنتجت أن للفتنة عملاً طويل الأمد، قد يكون ناعمًا أو حادًا ، هدفه التجزئة و التفكيك و التفرقة، يعمل على تزوير الوعي العام و تزييف الواقع و الوقائع حتى لا يبقى في أراضينا حجر على حجر في جدران أوطاننا العظيمة ، و في بعض الأحيان الفتنة قد تخدم عدوًّا في الداخل أو فئة حاكمة ظالمة ، لتضمن الحكم و السيطرة على حساب الهوية أو العرق أو الدين ؛ إذا كانت الثوابت تفرقنا ، فالوطن الواحد يجمعنا ، من أجله نحيا و من أجله نموت وفي سبيله نُجاهد .

لا بقاء للأوطان إلا ببقاء الوعي بها و بقيمتها في عقول أبنائها ، فإذا إنطمست الوحدة الوطنية ضاعت الأمانة ، و الرهان بين الجزائر و بين أعدائها هو أن تولد أجيال تختزل الجزائر بكل ضخامتها و جلالها و مكانتها في لغة أو دين أو عرق أو دستور أو قضايا خاوية لا عمق لها و لا جذور ، فيهون على النفوس أن تتنكر لها ، و أن تهجرها أو تنخلع منها،  أو تُدير لها ظهرها وقت الشدة ، إن توريث الوعي العميق بقيمة هذا الوطن إلى الأجيال هو واجب لن أقول إنه وطني فقط، بل واجب ديني أيضًا.

نحن و كل عاقل في هذا الوطن ، يجب أن يرفع راية التماسك و التوحد و الترابط، و يجب أن يتجاوز كل الأزمات و الفتن و يجاهد بقلمه أو بلسانه أو بقلبه لتذويبها و التسامي عليها مهما كانت و مهما بلغت درجاتها ؛ هذا الوطن أمانة ، يجب أن تشتد ثقة الجزائريين بعضهم في بعض للحفاض عليه ، يجب أن نتعلم كيف نلتف حوله كالحصن المنيع ، و لا بد من تعاون كل أبناء الجزائر مهما إختلفت ألسنتهم ، و مهما تنوعت لهجاتهم ، و مهما تباعدت تقسيماتهم الإدارية .

لا بد أن تعمل مؤسساتنا الوطنية على جمع الشمل لا على فكه و بعثرته ، لا بد من برامج عمل جادة و صبورة طويلة الأمد تعمل على توثيق العلاقات بين مختلف شرائح المجتمع الجزائري ، لا بد من إبراز كل قواسم التماسك و التلاحم التي تُحملنا فيها معًا أعباء الحفاظ و الصيانة لهذا الوطن ، لا بد من التصدي لكل محاولات إتلاف أو الالتفاف الزائف على هذا الوعي الوطني الموحد و العميق بين الجزائريين ، علينا أن نعمل على ترسيخ الثقة المطلقة و التامة و المتبادلة بيننا جميعًا.

الوعي العميق منا يمدنا جميعًا بالثقة المطلقة في ذواتنا ، و فيبعضنا البعض، و في وطننا، و في جيشنا ، و في مؤسساتنا ، مهما طرأت أحداث أو أزمات أو إشكاليات ، و مهما إلتبست علينا الأمور ، و مهما ساء التفاهم بيننا ، لأن اليقين التام الذي يعتصم به أي إنسان في خضم التشكيك و الصراعات و الأزمات هو أننا إخترنا جميعًا أن نعيش معًا ، و أن نحيا معًا ، و أن يدافع بعضنا عن بعض ، و أن تبقى الجزائر هي الهوية و الميثاق الذي يجمعنا جميعًا ، و أنها الصخرة التي نحتمي بها و نحميها ، و نصونها ، فإن معرفة قيمة هذه الأرض الشريفة تجعلنا نقف وقفة الرجل الواحد إذا نزل بها أي سوء أو أذى ، لا ينبغي أن ينال متآمر أو حاقد مراده فيها.

لا ينبغي أن نترك أراضينا عارية يُضاجعها المقامر و العميل، فهذا غير ممكن أبدًا مستحيل، ثم لا يكفي أن نحذر حذرًا شديدًا من كل مظاهر برامج التفتيت و الإنشطار ، بل الواجب هو العمل العكسي ، بحيث ننطلق سريعًا على طريق جمع الشمل ، و أن يحتمل بعضنا بعضًا ، و يثق بعضنا في بعض ، و يجب أن نتجاوز كل الحواجز النفسية و عوامل الإرتياب التي يراد لها أن تسري بيننا ، حتى نقابل عوامل التفتيت بمزيد من الإلتحام و الوعي و الوحدة .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد