بداية، أنا من متابعي المسلسل التركي «العهد»، الذي تحكي قصته عن الجيش التركي وأبطاله، ويركزون على مجموعة مكونة من 12 ضابط على أعلى مستوى، يتمركزون على منطقة حدودية تسمى «كاراباير» يقومون بإحباط العمليات الإرهابية والتصدي لها.

المسلسل مليء بالإسقاطات الواضحة، عن الدول التي تحاول تشويه صورة تركيا أمام العالم، والدول التي تصفها وتصف المسلمين بالإرهاب، وما إلى ذلك، وتتحدث عن الوضع في سوريا والتكاتف بين الثوار السوريين والجيش التركي في أكثر من مشهد.

المسلسل يعكس دولة قوية متماسكة تستخدم القوى الناعمة عن طريق الحملات الإعلامية والمسلسلات بالتوازي مع القوى العسكرية الخشنة.

المسلسل يحقق انتشارًا عالميًا، مثل ما حققه مسلسل «قيامة أرطغرل»، وأرى أن كلا المسلسلين قد حقق الأهداف المرجوة منه، سواء على الصعيد الدرامي أم السياسي.

– ليس هذا ما لفت انتباهي فحسب، أكثر ما جذبني الروح الوطنية التي يركز المسلسل وأبطاله على بثها، حب العساكر بعضهم لبعض، وحبهم للقتال في سبيل الدولة وتضحيتهم بحياتهم رغبة في الاستشهاد أولًا وحبًا للوطن ثانيًا.

العلم التركي المزروع في كل إنش وتعظيمهم له. حتى المثل العليا التي يتحلى بها الأبطال، كل ذلك يعكس وطنًا قويًا متماسكًا فخورًا، حتى وإن لم يصل الوضع في الحقيقة إلى هذا القدر من الكمال.

مقارنة بالدراما الهابطة التي لدينا والتي تجعلني أشعر بالعار منها. والصورة التي نوصلها عن أنفسنا، والظلم الموجود في كل مكان، والذي طال كل المراحل العمرية تقريبًا، وجدت نفسي أتساءل، لم ليس لدينا وطن نحبه مثلهم؟!

بحثت في قرارة نفسي، هل أحب تلك الأرض حقًّا؟ أم أنني أتوق للخلاص منها نهائيًا، وقد دهشت حين وجدت أنني أحبها، وأن في أكثر أحلامي حرية وجموحًا، والتي أستقر فيها في بلد آخر أكثر تقدمًا وعدلًا واستقرارًا، أجد النهاية السعيدة في مخيلتي هي أن أعود لأقضي آخر أيامي على شاطئ الإسكندرية.

– أتذكر تلك الأيام التي كنا نبكي فيها حرفيًّا من شدة حبنا للوطن، تلك الحالة من الوطنية التي انتابتنا بعد الخامس والعشرين من يناير المجيد، الشباب الذين انطلقوا في كل أنحاء مصر يرسمون الأعلام والألوان على كل حائط، يجملون الشوارع ويزرعون الأشجار.

أتذكر استبسالنا الشديد في الدفاع عن الثورة، أتذكر بهجة أول استفتاء ديمقراطي برغم أنني كنت أصغر من أن أشارك فيه، أتذكر الغضب العظيم الذي شعرنا به يوم اعتداء ماسبيرو وأحداث محمد محمود، أول برلمان ديمقراطي، أول رئيس منتخب والمظاهرات التي جابت الشارع احتفالًا.

أتذكر خلع الرئيس الشرعي، تلك الحسرة والمرارة، الناس الذين ماتوا دفاعًا عن حقهم في الاختيار الذي أُهدر تحت «بيادة» العسكر، كلنا ذهبنا إلى الشوارع حاملين أرواحنا على كفوفنا مستعدين للموت في سبيل حرية هذا الوطن.

بكائنا الصادق على «أموت أموت وبلدنا تعيش»، لم يكن هذا لأجل أي شيء سوى هذا الوطن. كما قال البابا شنودة: «مصر وطن يعيش فينا». حرفيًّا ارتضينا الموت لأجل أن يعيش الوطن بداخلنا.

الكل يرى هذا اليأس المستقر بداخل الشباب، المنتشر بيننا كخلايا سرطانية خبيثة، هذا الإحساس بالعجز والظلم وخيبة الأمل، هذه الرغبة الخانقة في الهروب والسفر. عندما نظرت بداخلي وجدت أن هذا الهروب لن يكون أبديًا، بل هو تكتيك ما، فرصة لالتقاط الأنفاس ثم العودة لاستكمال الكفاح.

هذه اللامبالاة التي تكسونا تجاه الوطن ليست حقيقية، بل هي مجرد مسكن نمنع به عقولنا من الجنون، هذه القسوة في منشوراتنا مجرد تظاهر لأننا لا نحب وجوهنا الباكية بعجز وعدم حيلة. كل هذه أقنعة، وزيف.الحقيقة التي أؤمن بها أن بداخل كل منا شخص مستعد للموت في سبيل هذا البلد عن طيب خاطر، ولكن عندما يجيء الأوان!

عندما تأتي ساعة الصفر التي لا نعلمها على وجه التحديد سنغرق الشوارع بأجسادنا وليوقفنا من يستطيع.

* وجدت أن الثورة والوطن لم يموتا بداخلنا، نحن فقط ننتظر اللحظة المناسبة.

– لدينا بالفعل وطن نحبه، مهما أوذينا في سبيل هذا الحب، مهما قُتلنا وسجننا وشُردنا، مهما أغلقت من أبواب في وجوهنا، ومهما بدا المستقبل مظلمًا وكئيبًا، سنهب جميعًا حينما ينادينا الواجب.

الثورة لم تمت فينا يا صديق، وكذلك الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد