أتذكر جيدًا المرات الكثيرة التي كتبنا فيها عن الوطن حين كنا صغارًا، عن الأحلام التي نسجناها في مخيلاتنا وسيكون الوطن هو حاضنها، عن واجبتنا التي سنؤديها قبل أن نظفر بحقوقنا، عن حياتنا الكريمة التي سنحياها على أرضه، وأننا سنصير وسنصير… تمادينا في الطموحات والآمال حتي اعتقدنا أننا سنعيش في المدينة الفاضلة التي رسمها أفلاطون.

عندما كبرنا تبخرت كل هذه الأحلام، فقد رأينا المعاملة القاسية التي يعاملها الوطن لأبنائه، لم يبخل علينا في فرض الواجبات، أما عن الحقوق فلم ننعم بأبسط حقوقنا في أن نتعلم أن نبدع أن نمارس حقوقنا السياسية وشعائرنا الدينية أن نحيا، دون هاجس الخوف والتهديد، قد وجدناه يقتل من أبنائه من ينادي بحقوقه، ويستبيح دماء من  يعارض سلطانه، ويتهم من يندد بالسياسات الخاطئة بالفجور والخيانة والذندقة وغيرها من التهم.

فنحن تمنينا الأول وصُدِمنا بالآخر حتي أصبحنا نتساءل ما الوطن ؟ هل هو الأرض التي نولد عليها ونعيش على أرضها، ثم ندفن في ترابها؟ إذًا ما الفرق بينه وبين أي أرض أخرى؟ الفرق أننا نحيا على أرضه نحن الذين نحوله من أرض خاوية على عروشها إلى وطن يصلح للعيش، نحن الذين نبث في أرضه روح الحياة، نحن من نضيف له القيمة، إذًا نحن الوطن، الوطن هو أنا وأنت وهو وهي، بدوننا لن يتميز عن أي أرض أخري بلقب الوطن، لذلك فإن وطنًا ينتهك حرية أبنائه ويستحي نسائه ويذبح أطفاله ويجرد أبنائه من آدميتهم لا يستحق أن يكون وطنًا، وقد أبدع الشاعر أحمد مطر في هذا السياق:

نموت كي يحيا الوطن

يحيا لمن؟

من بعدنا يبقى التراب والعفن

نحن الوطن!

من بعدنا تبقى الدواب والدمن

نحن الوطن!

إن لم يكن بنا كريمًا آمنًا

ولم يكن محترمًا

ولم يكن حُرًا

فلا عشنا.. ولا عاش الوطن!

وطننا هو ذاك المكان الذي نلقي فيه حياة كريمة خالية من الذل والمهانة، مكانٌ يرفع من شأن أبنائه يكفل لهم حقوقهم  قبل أن يطالبهم بواجبتهم، مكانٌ نشعر فيه بالأمن والحرية في قرارة أنفسنا، مكانٌ يوفر لهم الجو اللازم لتحقيق أحلامهم وأهدافهم، مكانٌ نجد فيه الرعاية الصحية والاجتماعية اللائقة، مكانٌ يحترم التعليم ويحارب الجهل، مكانٌ نجد فيه المساواة بين أفراده دون اعتبار لسلطة فلان ولا نسب آخر، مكانٌ يُشعرنا بقيمتنا، ويحترم آدميتنا، أما المكان الذي لا يعطينا سوف الخوف والفزع، ينتشر به الظلم والفساد، يحول أبسط حقوقنا إلي أحلام، يمارس العنصرية بين أبنائه فيُنعم بفضله وثرواته على قلة تشغل مناصبه، بينما يكابد أغلبه الفقر والجوع والتشرد ويسوده الجهل، كيف يكون هذا وطن!

وبالحديث عن الوطنية وحب الوطن فلا بد أن نذكر المقولة الرائعة لصمويل جونسون: الوطنية هي الملاذ الأخير لكل نذل، الوطنية التي نسمعها ليل نهار في شاشات التلفاز وأجهزة الراديو ليس لها علاقة بالوطنية التي تقتضي توفير الحقوق والالتزام بالواجبات، وإنما شعارٌ يُرفع من أجل المشاركة في الانتخابات، الرقص أمام لجان الاقتراع، التهليل للقرارات، رفع صور الحاكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، شعارٌ يحركوا به مشاعر الجماهير ليوجهوهم تلقاء أية قبلة يرضونها.

أما عن حب الوطن وعلاقته بالإيمان فيقول الشيخ ناصر الألباني: فالتعلق بالوطن أمر غريزي، أمر طبيعي، ولكن حب الوطن لا لذاته، لا لأن أرضك فلسطين، فأنت تحب فلسطين ديناً وقد بحت أصوات الدعاة الإسلاميين بالتفاخر أن من كمال الإسلام وعظمته أن كل بلاد الإسلام هو وطن واحد هذا من الناحية الإسلامية، أما من الناحية الغريزية الطبيعية المفطورة، فلا يحب الفرد الوطن فلسطين، إنما يحب البلدة التي ولد بها، المحلة التي ولد فيها، هذا له علاقة بطبيعة الإنسان، وليس من الإيمان في شيء، ولذلك فيجب أن نفرق بين كون حب الشيء غريزة، طبيعة، فطرة، وبين كون الشيء من الإيمان. 

وقد علق ابن القيم علي قول الله تعالي ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨ فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩﴾ «ثمّ ذكر الأوطانَ ثامنًا آخِرَ المراتبِ؛ لأنّ تعلُّقَ القلبِ بها دون تَعَلُّقِهِ بسائرِ ما تقدّم، فإنّ الأوطانَ تتشابه، وقد يقوم الوطنُ الثّاني مقامَ الأوّلِ من كلِّ وجهٍ ويكون خيرًا منه؛ فمنها عوضٌ، وأمّا الآباءُ والأبناءُ والأقاربُ والعشائرُ فلا يُتعوَّضُ منها بغيرِها، فالقلبُ وإن كان يحِنُّ إلى وطنِه الأوّلِ فحنينُه إلى آبائِه وأبنائِه وزوجاتِه أعظمُ، فمحبّةُ الوطنِ آخرُ المراتبِ، وهذا هو الواقعُ إلّا لعارضٍ يترجّح عنده إيثارُ البعيدِ على القريبِ؛ فذلك جزئيٌّ لا كُلّيٌّ فلا تُنَاقَضُ به، وأمّا عند عدمِ العوارضِ فهذا هو التّرتيبُ المناسبُ والواقعُ».

ختامًا هذه ليست دعوة لكراهية الوطن، إنما هي دعوة لاحترام الصورة الحية للوطن المواطن، بدلًا عن احترام شعارات فارغة: (الوطنية)، واحترام مكان لا يسمن ولا يغني من جوع: (الوطن).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد