لم أكن شيخًا أو رجل دين ذات يوم، ولا أعتقد أني أفقه في الدين أكثر مما تفقهون، ولذلك فإني لن أتحدث في مقالي هذا باسم الدين أو بصوت عالم ببواطن الأمور، إني فقط سأتحدث كإنسان يحيا في هذا الوطن، ويؤلمه أن يتفشى الظلم في بلادنا، وأن نعتاده من دون أي غصة تصيب أنفسنا، أو أي استنكار يخرج عن ألسنتنا، وكأننا نعود كل يوم إلى عصور الظلام، ولا أعلم إلى متى سيستمر التراجع ولا يعلم إلا الله ما النهاية التي سنئوول إليها، بعد هذه الأحداث المتلاحقة والتي إن كانت تؤكد على شيء، فهي تؤكد أننا نحيا في عصر من أسوأ عصور الجهل على مر التاريخ، ومع بالغ الأسف إننا لم نخسر العلم فقط بل أصبحنا بلا أخلاق، وحتى أكون دقيقًا الأغلبية منا فقدت الأخلاق، ومع الأسف جعلت المجتمع يبدو أمام العالم كله وكأنه يعاني من تدنٍ أخلاقي حاد، ونحن جميعًا بلا استثناء نشترك معهم في هذه الجريمة بالصمت، وكأننا لا نعلم أن الاضطهاد والعنصرية كالنار ما أن تشتعل فلن تفرق بين فرد وآخر بل ستسحق الجميع، لذلك علينا جميعًا أن ننتبه أيها السادة، وأن نعلم أنه إن كان اليوم الاضطهاد والعنصرية في العريش وفي مناطق عدة غيرها يستهدف الأقباط، فغدًا سيستهدف الكثير منا لأسباب عدة لن يرهقهم اختلاقها.

وقبل أن أتحدث عن الأمر يدور بعقلي عدة أسئلة أهمها هل نحن تذكرنا اليوم أن لنا شركاء في هذا الوطن أقباطًا، أم أننا لم نكن نعلم أنهم يعيشون معنا ولهم حقوق وعليهم واجبات مثلنا، هل بعد ألف عام تفتق ذهن العباقرة منا وتوصلوا إلى هذا الاكتشاف الذي لم يعلموه من قبل، أم إننا كنا نحيا معًا من دون تمييز، فما الذي تغير إذًا؟ ما هي المستجدات التي أدت لتفاقم الأحداث وتكرارها على هذا النحو؟ ما أود قوله لمَ الآن على وجه التحديد تفاقمت هذه الأزمات؟ هل اطمأن أصحاب الفكر المتطرف إلى هذا الحد أنه لا يوجد رادع في الدولة المصرية، إني أتساءل فقط والإجراءات التي ستتخذها الدولة من المفترض أن تجيب على هذه التساؤلات، وأتمنى أيضًا أن تكون رادعًا لكل من يضطهد مصريًا داخل وطنه، فالأمر لا يتعلق بدين أو بفكر الأمر فقط يتعلق بنا نحن، إما دولة تحكمها قوانين وتحفظ حقوق مواطنيها بلا تمييز وإما لا دولة وحينها سيصبح المصير أسوأ مما نتخيل لنا جميعًا.

ودعوني أؤكد لكم أني بغضت تقبيل اللحى حتى أكاد أتقيأ كلما أراه، وشعارات الوحدة الوطنية حيث تزكم أنفي رائحة التمثيل والتصنع كلما رأيتها، والشعارات المكررة والخطب الرنانة، فإن كنتم قررتم في داخلكم أن هذه ما ستفعلون في الأيام القادمة أبشركم أنه لن يجدي، ولن يخدع طفلًا صغيرًا، إننا نتجرع المر كل يوم حتى يبقى لنا وطن نأمن بداخله، وتحملنا الكثير لأجل ذلك، وأعتقد أن هذا الشيء الوحيد الذي بقي لنا ولن نسمح لأحد بأن يجعلنا نفقده، من يشعل الوطن اليوم بأفعال سفيهة تنم عن جهل عميق، وصمت لسنوات عن تطبيق القانون لا يعلم مدى خطورة ما يفعله أو ربما يعلم.

يا شعب مصر لنتقِ الله في أنفسنا وفي أبنائنا، إن ما نفعله اليوم يرسم مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة، لا نريد أن نترك لهم وطنًا ممزقًا يمكن لأي فرد فيه أن ينتهك حقوقهم لأي سبب كان، علينا أن نختار اليوم ما نريده لأبنائنا إما وطنًا يحترم الجميع ويحفظ حقوقهم من دون تمييز، وإما مستقبلًا مظلمً، القضية ليست قضية قبطي اضطهد وأخرج من داره رغمًا عنه، وتم تهجيره بالإكراه؛ القضية قضية وطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد