لم يُخلق الوطن، ولا خلقته الظروف، ولم تسيطر عليه آفات الحياة من الجهل والتخلف دون رقي أو ثقافة أو تحضر، فالوطن هو أنت، أنت الذي تفرض لوطنك قامة وعلوًّا ورفعة ومكانة، فمنذ أزل التاريخ والإنسان مُقدس على عرش كل أوطان الحياة.

إن هذا الوطن بناه الماضي بتراثه وعظمتة، وبنته أجيالنا اليوم جيلًا بعد جيل بسمو المعاني وحسن الخلق ونبذ معاني الخوف والجهل والتطرف، وبناء العقول على العلم والمعرفة، وكيف يكون التقدم؟ وكيف تكون الإنسانية؟ فالوطن هو مرآة تعكس كل ما حولنا من المواطن اليوم ونبوغه وكيف يكون يومه وكيف يتساير فيه.

إن جهل البعض منا يفقدنا قدرتنا على النبوغ والتطور والسعي، بل إن هذا الجهل هو الحاجز والمانع لبناء وطن خال من كل أنواع البؤس والفقر والحاجة، ليس الوطن هو الماضي فقط بل إنه الحاضر والمستقبل، ولا يكمن الوطن في حال البعض دون البعض الآخر.

إن للإنسانية جزء كبير من هذا الوطن، حين يُصبح النور دائمًا لا ينطفئ ولا يلتمس ظلام الليل، وحين يكون الجهد في سبيل الجميع لا للفرد فقط، فالجهد لك وللوطن، وساعد يدك لا ينقطع عن الآخرين من أبناء وطنك أولًا، فما كان الوطن لفئة دون الأخرى، فالدين لله والوطن للجميع.

ولتكون المأساة هي الحقيقة اليوم، فهذا الحديث هو مجرد نافذة من نوافذ الظلام التي يجهلها الكثير بل ويتجاهلها عمدًا دون الوصول لحلٍ أو مفتاح أو حتى بارقة أمل، إن الحاجة لقوت يوم قد يحصل عليه البعض اليوم وقد يتحاصل عليه في الغد أيضًا ولكن إلى متى !؟ لن يستمر هذا الشئ كل يوم، لابد أن نبدأ الآن، أن تبدأ بنفسك ولا تتواكل على مؤسسة أو تشريع قانون أو توفير مأوى أو شئ من هذا القبيل القليل.

إن الحياة الطبقية حياة حقيقة نعيشها اليوم وكل يوم، فهي أشبه بسباق طويل الهدف منه الوصول لنهاية مجهولة لا إدراك لحقيقتها دون النظر لمن خلفك، إن هذا السباق ليس كأي سباق نشاهده، فإن هذا السباق هو سباق تختلف فيه الظروف وتختلف فيه الأدوات والمعدات، لربما هذا يتسابق بقدمه وآخر يتسابق بخيله والآخر بدراجة .. وهكذا.

أو لربما تكون الأرض التي يتسابقون عليها مختلفة تمامًا .. فهي الظروف وطبيعة الوقت والزمان، إننا خُلقنا بدرجات متفاوته وفكر مختلف وعقول متباينة، ولكن أهذا يُعقل أن نتجاهل عن طفلٍ يتيمٍ وحيدٍ فاقد الأهل والوطن، هل يُعقل أن نتسامر كل يوم ونبتهج ونضحك ونتضاحك وطفلة في شوارع الخوف والجوع وحيدة بل فريسة لمار هنا أو هناك إن هذا الطفل في شوارع الدنيا تائها ضائعا مستسلمًا، لا مأوى له ولا مسكن.

 فأتذكر حين كنت في أحد الشوارع النائية عن الحياة أن قدم لي طفلًا ليُخبرني معاناته ليتحصل على حفنة من المال، ليقوت نفسه وغيره، وعلى النقيض طفلة أخرى ترتسم الضحكات على وجهها وتتراقص وتُبهج من حولها فرحًا، ولكنها تحترق من الداخل، كلاهما يبكيان من الوجع والحزن، إن كان هذا هو وطنكم فسحقًا لأوطانكم. 

إن للوطن العظيم أبواب عدة، إن ظننت أنك أوفيتها كلها، فراجع نفسك جيدًا، ولتنظر بعين الرحمة وعين من تزاحمه أفكار الدقيقة والساعة، إنك اليوم باقٍ ولكنك غدًا سترحل وسيبقى الوطن رُغمًا عن كل شئ.
أطب قلبك ونفسك، وعاون وابدأ الآن الآن.
مأساة الأوطان لا تنتهي ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد