فى بحر التيه يبحث كل منا عن أمان، عن جزيرة، أرضأ وعن رمال،  عن مكان ينتمي إليه، يلقى بنفسه في أحضانه، ينسى به سنين الخوف من عدم الانتماء.

فيصلون لأرض من خلال رحم الأم، يأتون لعالم العلم، يكونون نبتة طرحت في أرض الوطن، فيركضون على رماله، يلهون تحت سمائه، ينعمون بمائه، ويحلمون ما بين أرضه وسمائه، ويعطون العنان لطيور الآمال أن تحلق في الأفق بمنتهى الأمان.

فيكبرون، فيقرأون، فيفهمون، فيبحثون، فيستنبطون، فيصلون للإجابة، فيتحيرون،

فيصبحون مثل الدجاجة المذبوحة؛ لا تعرف الإجابة، وأين الملاذ؟ والمهرب؟ أين الحقيقة؟ وإلى متى سيظلون تائهين في الدروب؟

فلنقرأ معهم بعض أوجه الحيرة الغارق فيها المواطن المصري!

في دفتر المواطن نقرأ فى استهلاله الدفتر

كلمات للشاعر التونسي «مازن الشرف» وهو يقول في قصيدة «أنا مواطن»:

أنا مواطن
وحاير أنتظر منكم جواب
منزلى في كل شارع .. كل ركن .. كل باب
وأكتفي بصبري وصمتي
وثروتي حفنة تراب
ما أخاف الفقر .. لكن
كل خوفي من الضباب
ومن غياب الوعي عنكم
كم أخاف من الغياب!
سادتي وأنتم حكمتم
حكمكم حكم الصواب
وثورتي كانت غنيمة
وافرة لحضرة جناب
ما يهم لا أبالي الدنيا
دايسه في مداسي
لكن خلولي بلادي

فترتعش عيوني وتبكي مقلتاي؛ لأنى أسمع صرخات قلب مواطن، تعج بالعشق العذري، العشق للوطن، لمجرد الوطن، المواطن الذي قاتل، وقام بثورة؛ لتصحيح الوطن، وحياته، فانتكست حياته، وكبل الوطن، فترك الثورة لأي إنسان يحصد ثمارها تحت بند عبارة «نجيب محفوظ» التي تقول:

«الثورة يفكر فيها النبلاء .. يقوم بها الأبطال .. ويحصد ثمارها الجبناء»

ويصرخون في متوالية العبارة: «خذوا كل ما تستطيعون، وتناولوا كل ثمر في الأرض واشربوا مياه نهره، ولكن اتركوا لنا الوطن».

فنقلب الصفحات لنجد دموع ثكالى كثر، فأسألهن لما تبكين؟

فأسمع من يقول:

«نحن نبكي لأننا لا نجد مالًا، حتى أبسط الأشياء أسعارها فاقت المقدرة، تعالت الاسعار من 20 % إلى 200% في أسابيع وشهور، لا نستطيع ملاحقة زيادة الأسعار،

لا نجد الدواء المصري، والمستورد هوالذي احتل الشفاء،

والدعم ينتهي، والبترول أسعاره تتكاثر، والمعايش أمست تنهار»،

فأقول: «أين الدولة»؟

فيقال: «اسألهم»، فأسأل،

فترد الدولة، قائلة: «نحن نعاني من فساد ثلاثين عامًا، في كل شيء، نحن نصحح كل ما فات،

كما أن عام مرسى كان عامَا بـ 30 عام فساد».

فترد الثكالى: «إذًا في عام فاق الفساد ثلاثين عامًا»

فترد الدولة: «نعم!».

فترد الثكالى: «إذًا كما أن المقياس عام، كان من المكن أن يكون في عام حل لثلاثين عام، بنفس المعيار والمقياس!».

وكما أن في عهد مبارك كان الفساد وغلاء الأسعار، ولكن كنا نجد لقمة العيش،

والآن نحن نبحث عن فتات العيش!

فترد الدولة في الصفحات الأخرى: «لقد قمنا بالمشروع العملاق القومي قناة السويس الجديدة».

فيقول الناس: وكيف أيها السادة؟ تفريعة في قناة تأتي بالغيث من السماء، وقناة السويس اقتصاد تابع لاقتصاد دولي؟

فيرد المسئول: انظروا للأمام!

فيردون: ننظر ونتحمل، ولكن كي نجد نتيجة، ولكننا لا نجد، لا توجد نتائج، يا أيها السادة! كيف يأتي الغيث، بدون مطر؟

أصمت وأسمع حثيث صوت لشباب واقفين يهتفوا،

فأركض على الصفحات لأجد الشباب واقفًا، يكرر بعض كلمات نفس القصيدة للشاعر التونسي «مازن الشريف»، يقولون:

وكل ماقلتم على راسى
يا هناه من كان مثلى
مايهمه من ومن
أنتم أصحاب الفخامة والزعامة
وأدرى لن
لن أكون فى يوم منكم
يشهد الله والزمن
أنا حلمي كلمة واحدة أن يظل عندي وطن.
لا حروب ولا خراب لا مصايب .. لا محن.
خذوا المناصب والمكاسب.
لكن خلّولي الوطن

فأعجبت من حب الشباب، فأسالهم: هل تحبون هذا الوطن لهذه الدرجة؟

فيضحكون، فأقول لهم: لماذا تضحكون؟

فيقولون: نضحك مما تقول!

ـ لم؟

ـ لأننا نقول هذا، لأننا لا نملك الخروج منه، لا نملك إلا المكوث فيه، نحن لا نملك شيئًا، أحلامنا مصلوبة على أبواب الوطن، والآمال أمست مثل خيال المآتة في حقول حياتنا، حتى الإصرار أصبح هو الوسيلة لعدم الانتحار نحن لا نعرف الوطن، ولا نريده، وكم نتمنى الهروب منه، نتركه لهم، ليأخذوا كل ما فيه، و لكن لا نملك الخروج منه والهروب!

لم كل هذا السخط؟

هم: لم لا؟ لا يوجد لنا مكان الاختيارات في الوظائف مسبقة الحجز، المناصب مرتبة الموعد، ليس لنا الحق في النطق، وإلا أصبحت أخوانيًا إرهابيًا أو سلفيًا قندهاريًا، حتى إن كنت مسيحيًا، ليس لى حق الاعتراض أو الرفض؛ لأني أريد أن أبيت بجانب أهلي.

يا سادة! نحن شباب تخطى الثلاثين، ولا زال أهلنا ينفقفون علينا، ونحن لا زلنا مثلما كنا!

يا سادة! افهموا! نحن نحب ولا نملك مالًا، ونزني رجالًا ونساء، ليس لأننا «مناجيس»، ولكن لأننا لا نملك شيئًا يجعلنا نتمسك بالوطن، ولا  نشعر بالأمان، فلعل هذا الشيء يجعلنا نمرر الأيام إلى أن نموت.

فأقلب الصفحات لنسمع أنين الناس لا يسكت أو يصمت، وسمعت همسًا ينهي القصيدة يقول:

يا وطن وأنتا حبيبي
وأنتا عزّي وتاج رأسي
أنت يا فخر المواطن والمناضل والسياسي

أنت أجمل وأنت أغلى وأنت أعظم من الكراسي
يشهد الله والزمن.. أنا حلمي كلمة واحدة
أن يظل عندي وطن

فأغلق الكتاب وأقول:

«للأسف ليس هذا حال أبناء مصر فقط، بل أبناء العرب، الوطن أمسى أربع جدران تسكنهم؛ لأنك لا تملك بديلًا».

ولا تكرروا وراء السفهاء أن هذا نتيجة الحرب الصهيونية الأمريكية؛

لأن هذا نتيجة عقول من اعتلونا وتحكموا في أمورنا. لأنه لا يحتل قوم، إلا وكنت أنت محتلًا منك!

وللأسف أمسينا نحن مواطنين «درجة ثانية» نعيش في ظل الوطن، ومن يعيثون في أرض الوطن هم أصحاب الوطن.

ولكن أرجو أن تجتمع جامعة الدول العربية وتقوم بشيء مفيد في تاريخها وتخرج لنا كتالوج خاصًا بالمواطن الظل؛

لنعرف ما هي حقوقنا وواجبتنا،

وأنهي حديثي بأبيات لي أقول فيها

 

يا أوطان كنت بالعزة تتحدثين

واليوم بالخنوع تأمرين

يا أوطان من فيكم

يعيش ليس على أراضيكم

بل فى ظل

مداركم

فأرجوا اأا تحصونا في تعداد

سكانكم

بل أحصونا فى تعداد قبوركم

وسلام من أهل القبور

لأناس يدهسون

اهل القبور

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد