ليس مستعمرا بل ما زلت محتل

يظن الكثير ويعتقد أن الاحتلال قد زال عن الدول، وبدأت عصور القوميات، حيث عاش العالم وخصوصًا الشرق، مرحلة قاسية في تاريخه وهي منذ لحظة سطوع فكرة الكشوف الجغرافية خلال القرن الخامس عشر، وبدأت جيوش الغرب تجول في العالم من أجل عدة أشياء، نلخصها في السيطرة على ثروات الشعوب واستغلالها والسيطرة عليها سياسيًّا، وفرض النفوذ ونشر ثقافتها حيث لا أتفق مع الأخيرة مطلقًا، حيث إن الغرب كان حينذاك حديث العهد بمفهوم الثقافة وكان في مرحلة بدايات النهضة والثروة الصناعية، إنما عمل على نقلها من الحضارات القديمة الفرعونية واليونانية والبابلية والفينيقية وغيرها، ولكن مصدر نهضتها كانت حضارة العصور الوسطى وهي كانت بيدي الحضارة الإسلامية، وكانت منبرًا ثقافيًّا هامًا للغرب، بل نقول لنشر أفكاره وعقيدته بمباركة الكنيسة وهي نشر النصرانية، ليكسب مرحلة الاحتلال بريق الدين ورضا شعوبه والكنيسة، فطال هذا الاحتلال الأراضي العربية خلال القرن الثامن عشر لبداية التاسع عشر، فوقعت معظم أراضي العرب ذات الثروات الضخمة ومصدر المادة الخام تحت الاحتلال وليس الاستعمار، بل نقول كل الأراضي العربية كانت محتلة وهذا صحيح القول، فإن لم تكن ثكنة عسكرية، فكانت السلطة الفعلية بيد المحتل والشكلية كانت بيد عملاء وضعهم ليحكموا باسمه وهم من أبناء العروبة والمعتقد.

بدأت حركات التحرر من الاحتلال، بعد الحرب العالمية الثانية، وتبنى الغرب أبناء الشعوب والعائلات العاشقة للسلطة والمتصفة بالجهل، وبدأت حركات الاستقلال تطال أراضي العرب أصحاب الكنوز والثروة، فالغرب يعي ما هي قيمة البلاد التي لم يدرك أبناؤها ولو للحظة قيمتها، فجعل استقلالها كما يريد، وفعل بذكاء ما يريد، حتى يبقي أراضي العرب الغنية بيده، فاستغل حماسة العسكر في بعض الدول، وجشع العائلات في البعض الآخر، وأبناء جامعاته الذين يتحدثون لغته بإتقان أكثر من لغتهم الأم، وقربهم منهم وسلمهم السلطة مكانه، ليخرج بدباباته وجيوشه، وظل بفكره وبرجاله يحكمون الشعوب إلى الآن، فكيف يتخلى عن أراض استماد في أن تبقى بيده، وقتل من الشعوب الملايين؟، فكيف يفقد كنزًا يغتني منه، ويمد مصانعه بخامات هذه البلاد، ويستمد نفوذه السياسي بفضل هذه البلاد وجهل شعوبها بالحقيقة، فوضع وزير مستعمرات بريطانيا «كرومر» قانونًا سياسيًّا، يمثل سياسة الاحتلال إلى الآن وهو «نحن لا نحكم الشعوب ولكن نحكم من يحكم الشعوب» هل ترى هذه السياسة يعمل به الآن وخصوصًا في بلاد العرب أم لا؟

إذا كان المحتل يريد الثروة والسيطرة ونشر الأفكار، فوضع على رأس الأنظمة العربية ما يمثل هذا، فوضع العائلات باسم الملكية في الخليج التي تطمع في الثروة لا غير، ووضع العسكر وساعدهم للوصول للسلطة رغبتهم الأولى تحت مسمى جميل اسمه الجمهورية، وصنع منهم أبطالًا وهميين، الكثير منهم لا يعرف من العسكرية غير الصوت العالي واسمها، وخلق معارك مزيفة لم يقودها وإن قادوها كانت لصالح المحتل، وأوهم الشعوب بأنهم أبطال، وجعلوهم يقدسونهم أكثر من رسولهم الكريم، لك في ناصر في مصر مثالًا وأتاتورك في تركيا مثال آخر، فهم أبطال للغرب وليس لشعوبهم لذلك عمل على الدعاية لهم بذلك، لأنهم كانوا أداة لتحقيق أهدافه من خلالهم، وهي محاربة الدين والنداء بقوميات تعمل على تمزيق الصف العربي والإسلامي، وجمهوريات مزيفة، خالية من الحريات والتقدم والعلم، إنما شعارها السوط والاعتقال لكل من يعارض أو يفهم، وخلق ديمقراطية شكلية ولكن هي أعلى قمم الديكتاتورية تحت سمعه وبصره، يستغلها حجة على هؤلاء عندما يرفضون له طلب، وساعد على وصول أفكار القومية، وتمزيق اللغة وتزييف التاريخ، وجعل لغته هي الأم وعمل على محو اللغة العربية، وساعد من يؤمنون به في الوصول لحكم هذه البلاد، ولك في الدول العربية في شمال أفريقيا «المغرب العربي» مثال، فهنا يطرح السؤال هل هناك فرق بين الجلاد الأجنبي والجلاد المحلي؟

 

كان هدف المحتل نهب ثروات الشعوب كما قلنا، سابقًا وأوضحنا كيف وضع بعد خروجه من يحافظون على أهدافه، لكن كم من النهب والسلب الذي مارسه من يحكمون من أبناء العرب والعائلات الحاكمة، إلى حد أنه ليس هناك تمييز بين المال العام والمال الخاص في الكثير من الدول حتى الآن.

إن الشعوب التي ناهضت حكم المحتل كانت تريد أن تستعيد حريتها وتسترد ثرواتها، لكنها انتهت في ركاب الحكم الوطني الجديد إلى فقدان كل حريتها، وخسارة كل مواردها، ويقول أحد الكتاب الأفارقة: «لقد حررتنا الأنظمة الوطنية من الاستعمار، لكن يجب أن نتحرر منها الآن بعد أن جثمت على صدورنا عشرات السنين».

خرج المحتل ودمر الفكر، بعد أن زرع في مثقفي الشعوب العربية أن المدنية هي العري والإباحية، وأن الحرية هي سب المعتقد ونقضه بطريقة غير فكرية، ومن يفعل ذلك ينال نوبل ويكون حديث إعلامه، ومزقوا العروبة بين أنظمة متعادية ولم تلتق أبدًا، لأن من يحملونها ليسوا أهلًا لها ولا يفقهون سياسة وكيف تدار الأمور ويخلصون لشعوبهم لا لمناصبهم وعائلاتهم، فخلق نظامًا جمهوريًا والآخر ملكيًا، ولم يكتف بذلك فزور التاريخ فجعل الأبطال خائنين والخائنين أبطال حتى يغيب القدوة الحقيقة من ذاكرة الأجيال، ودمر اللغة حتى لا يفهم العرب بعضهم البعض وجعل الأجيال تتفاخر بلغة المحتل لا بلغة القرآن وأوهمهم أن لغته هي لغة العلم، ولم يكتف بذلك، بل زرع ألغامًا فكرية تدمر أي شعب وهي ألغام الجدال والمذاهب أفكار، فهذا سني وهذا شيعي وهذا مسلم وهذا مسيحي، فجعلها ألغامًا يستخدموها وقتما يشاء، حتى يبيع السلاح ويظل مسيطرًا على الثروات، وهؤلاء يتقاتلون من أجل أقوال وقضايا محسومة وتناسى هؤلاء أوطانهم واقتصادهم، فأصبحوا مستهلكين لا منتجين، فهنا يحضرني قول الدكتور «عبدالوهاب المسيري» قال: «لا ينظر لنا الغرب باعتبارنا كيانًا مستقلًا لنا طموحاتنا المشروعة وأهدافنا المختلفة، إنما على أننا مادة استعمالية لا بد من تنميطها حتى تدخل قفص الإنتاج والاستهلاك، دون هدف أو غاية سوى المنفعة واللذة»، كم من القنابل السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي خلفها المحتل وراءه لتنفجر -فيما بعد- في وجه الشعوب المستقلة حتى الآن؟

لا تحسبن أن المحتل خرج من أراضي العرب، بل زرع أسوء أنواع الاحتلال وهو احتلال الأنظمة الوطنية لشعوبها، فعملت هذه الأنظمة على نهبه من أجل السلطة ورضا الغرب، سلمت الموارد والمادة الخام ليغتني الغرب، ويصبح أصحاب الثروة الحقيقية فقراء ومرضي، ليصبح الغرب مثقفًا ويبني الجامعات والمدارس، ويصبح أصحاب الثروة جهلاء ولا يتلقون سوى تعليم رديء من أجل أن يعمل على تخريج موظفين لا علماء ومبتكرين، وبنت تلك الأنظمة السجون والمعتقلات لشعوبها لا الجامعات والمستشفيات، فهل يختلف المحتل الأجنبي عن المحتل الوطني في قسوته وجبروته في حق هذه الشعوب المقهورة التي لا تعامل باعتبارها إنسانًا؟

يفتخر الغرب بالديمقراطية بين شعوبه، ولكن عندما تعي أبناء الشعوب وتقرر مصيرها، وتتوق للاستفادة بثرواتها، وتنتفض في وجه الأنظمة الوطنية المستبدة التي تقهره وتسلب منه حريته وحقه كإنسان في عيشة آدامية ما دام يمتلك كل هذه الثروات، فعندما يقرر مصيره أملًا في أن يسانده الغرب الذي ينادي بذلك في جميع محافله الدولية ويفتخر بذلك، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، أول من يتركه لسوط المحتل الوطني هو الغرب، وعندما ينجح الصندوق باختيار مدني وتظن تلك الشعوب أن صوتها قد انتصر ولو لمرة، فيقتل هذا الحلم الدبابة والبندقية، وتصيب هذا الصوت بالصم أو تخفيه اختفاء قسريًا أو تبني له المعتقلات بدل أن تبني له الجامعات والمستشفيات، وذلك عندما يسلط الغرب رجاله المخلصين من العسكر لفعل انقلابات عسكرية ضد ديمقراطية وسلطة شعب، فهل هذا ليس كافيًا لتستيقظ الشعوب العربية من غفوتها، وتعرف أنها ليست مستقلة بل هي محتلة احتلالًا وطنيًّا وبرغبة غربية، هل تأكد أنك ما زلت محتلًا؟

فنتذكر هنا قول الدكتور «فيصل القاسم» في إحدى حلقات برنامجه عكس الاتجاه يقول: لم تكن الآمال التي عُقدت على الاستقلال في الكثير من البلدان إلا حنينًا إلى ماضٍ عريق سحيق، أو تصورات رومانسية ساذجة لا تمت إلا واقع الربع الأخير من القرن العشرين بصلة، أي أن الذين كانوا يتوقون إلى الاستقلال خابت آمالهم شر خيبة -إذا صح التعبير- بعد أن أتت. بعد أن ذهب الاستعمار وأتت الأنظمة الوطنية، باختصار هل يمكن القول إن المحتل مظلوم؟!

لم تعد إسرائيل هي المحتل للأرض، بل من يحكموا كل أقطار الوطن العربي هم أسوء محتل باسم الوطن والوطنية المزيفة، ولم تعد فلسطين فقط محتلة بل كل أراضي العرب في احتلال صعب، فهل يدوم ذلك كثيرًا.

عندما سادت حضارة الإسلام العالم تعلم العالم كله الأخلاق والعلم والتمدن برقي، وعندما سادت حضارة الغرب المحتل في وقتنا الحاضر تعلم العالم كله الانحلال وغياب الأخلاق، وأصبحت المادة عنوان حضارتهم، شتان بين حضارة كان همها الإنسان ورقيه وخيره فخاطبت روحه وعفته، وبين حضارة أرادت جسده فنهشت فيه واستغلت ضعفه وشهوته وحولت الشعوب باسم المدنية إلى عالم من حظيرة الحيوانات.

فمن هنا هل ستنجح الحركة النورانية برعاية المحتل البديلة للماسونية بتحويل العرب لدولة علمانية ومسخ هويتها الإسلامية عن طريق العسكر، كما نجحت في مسخ هوية الأتراك الإسلامية أيضًا عن طريق العسكر، وحولت أتاتورك من سكير لإله وبطل، هل ستحول الجهلة وصغار العقول في الوطن العربي لأبطال، لمساعدتهم في ذلك كما ساعدهم العسكري أتاتورك، أم سيكون للشعوب كلمتها وتقطع الطريق عليهم وتسقط تلك الأنظمة الفاشية.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد