أظن أن المقالات الأربعة التي صدرت بها مناقشتي لهذه القضية بالغة الحساسية والخطورة قد أحدثت لدى قرائي الكرام قدرًا من خلخلة الأفكار السائدة عن الجنسية المثلية لتكون الأذهان منفتحة لتلقي البسط العلمي لجذور المشكلة التي نحن بصدد مناقشتها، وبداية نبدأ في إيجاز الكلام عن النمو النفسي الطبيعي للطفل، ثم نتكلم عن تطور الميول المثلية لدى الذكور والإناث اللاتي هن أعقد في تطوير الميول، وإن كن أسهل في التعافي والشفاء.

مثل النمو الجسدي يبدأ النمو النفسي للطفل في رحم الأم، حيث يستقبل الشق اللاواعي من الطفل بيئة الأم الداخلية وهناك أبحاث تتكلم عن دور هورمونات الأم في برمجة دماغ الجنين، وهناك قدر من البنية النفسية محدد چينيًا، ويتكلم  چ. نيكولوسي عن دور رغبة الوالدين في جنس الجنين في تشكيل ميوله وقد يكون الواقع هو تأثير رغبتهم على معملتهم له في مراحل النمو المبكّرة.

هذه الخبرات المكتسبة في المراحل المبكرة جدًا تؤثر في استجابتنا وتعاملنا بقية الحياة، ثم يخرج الوليد الذكر ملتصقًا بالأم لاستكمال نموه الجسدي والعاطفي، فهو يتلقّى منها ما يبني به جسده، كما يُحدِث التصاقها به دورًا مهمًا في استقراره العاطفي، حيث يتم إشباع أهم احتياجين لدى الطفل وهما الاهتمام والحنان، هذا الإشباع مهم جدًا للطفلة البنت بشكل خاص؛ لأنه ليس فقط يغذي احتياجها للحنان، وإنما يبني رابطة داخلية بينها وبين الأم ومن ورائها ما تمثله الأم من قيمة وهي الأنوثة ذاتها، وما ينبغي أن يعيه الوالدان جيدًا أن ديناميكية الحياة مع الطفل في مراحل التشكل ستكون الأساس الذي سيكون عليه ابنهما الشاب بقية حياته، أود التأكيد أن الاحتياج الذي يتم إشباعه بأمان نتوقّف عن الإلحاح عليه، بينما يُحدث حرماننا منه شرخًا داخليًّا في بُنيان النفس.

بعد مرور عامان على الوليد يحتاج إلى الانتقال إلى حضانة جديدة يستكمل بها نموّه النفسي، وهي حضانة الأب، الالتصاق بوالد آمن لإشباع احتياجي الأمان والاحتواء، وهو مهم جدًا للطفلة الأنثى لبناء علاقتها ليس فقط مع الوالد، وإنما مع قيمة الذكورة بشكل عام، أما بالنسبة للطفل الذكر فالأمر أبعد من ذلك؛ فاحتياجه إلى الوالد هو احتياج لانتشاله من الأنوثة التي ولد فيها لينتمي إلى بيئته التي خلق لينتمي لها، أن يمسك بيديه ليجتاز الأنوثة التي التصق بها لعامين.

بناء رابطة حقيقية مع الأب هو ركن محوري في بناء ذكورة الطفل الداخلية، وليكون صورته الداخلية ليس فقط عن الوالدية، وإنما أيضًا عن قيمة الذكورة، ولدهشتك، فالعلاقة بين الطفل وأبيه ستلعب دورًا في علاقة الطفل مع الله، لأن كليهما في محل التوجيه والسيطرة.

يرى فرويد أن التصاق الطفل بوالده مدفوع برغبة داخلية في السيطرة، ولذا فمع عجز الطفل عن السيطرة سيتجه إلى مركز السيطرة في البيت ليتحد به، وهنا يأتي دور الأب الحاضر الفعّال في البيت وفي حياة ابنه، الألعاب التي يلتصق فيها الوالد بابنه؛ فمتى استقبل الطفل والده كأب آمن وفعّال سيبدأ في محاكاته وتشرّب صفاته وسلوكياته، التي هي سلوكيات الذكورة، بينما الأب السلبي لن يجتذب طفله ليتحد به، حيث يجد أن بؤرة السيطرة هي داخل الأنوثة الآمنة التي ولد واعتاد التواجد فيها، وبقدر ضعف دور الوالد سيكون ضعف ذكورة الولد، حتى وإن لم تظهر في صورة ميول مثلية قاطعة، ولست أعني فقط الأبوّة الحاضرة، وإنما الأبوّة الآمنة، حزم بروح الحنان، الأب الحازم وقت الحزم، والمانح لعاطفة الأبوة الجارفة التي نجدها ساطعة في تعامل النبي ﷺ مع الحسن والحسين وأمامة، حيث يشبع الطفل احتياجه الأصيل من الأمان.

في هذه المرحلة يأتي احتياج تأكيد الحقوق، والبوح بالمشاعر، والشعور بقيمة الذات، وقوف الوالد بجانب ابنه أمام رغبة الأم الدفينة في استعادة الطفل إلى الأنوثة، وخلق طفل مستأنس، المعاملة بنظام التربية الإيجابية، ومدح الصفات الشخصية، عدم المبالغة في النقد وخاصة أمام الآخرين، وعدم التندر من صورته الخاصة سواءً نحافته أو سمنته، وعدم مقارنته بالآخرين، وعدم كبت مشاعره، وتربيته على البوح الصحي المناسب عنها، فكل إهمال لواحدة من أولئك تخلف جروحًا داخل الطفل قد تجد بيئة مكملة لتنبت ميولاً مثلية، والانجذاب هنا سيكون لمن يتمتع بالقيمة التي وصلته الرسائل بأنه يفتقدها، كما بينت في المقالة السابقة.

مع دخول مرحلة المدرسة تبدأ مرحلة جديدة في حياة الطفل وهي مرحلة الانجذاب المثلي العاطفي؛ فيلتصق الطفل برفقة المدرسة من جنسه نفسه، مع رفض للجنس الآخر، يظهر ذلك في مناكفة وسخرية الأطفال من أقرانهم من الجنس الآخر “البنات مقرفة، البنات كثيرات الشكوى، ..” والعكس، وهذا الانجذاب لنفس الجنس في هذه المرحلة يعمل على استكمال المرحلة الأولى، حيث يتشارك الأطفال الذكورة بينهم، ومن علامات فعالية هذه المرحلة تلاحم الصبية فيما بينهم، والألعاب التي قد لا تعجب الأم “الأنوثة” لأن طفلها يرجع متسخًا أو غير مهندم اللباس، بعض الأمهات قد يميل هنا إلى بسط سيطرتهن على الطفل لتحويله إلى صورة مستأنسة غير مجهدة.

مع نجاح كل مرحلة تنتهي ويتم نسيانها من الذاكرة إلا ذواكر طفيفة من اللعب الطفولي، وتبدأ مرحلة جديدة قبيل البلوغ وهي الانجذاب الغيري العاطفي، حيث يبدأ الطفل في استكشاف ذلك العالم الذي تجنبه لسنوات، في محاولة لمعرفته، ويكتشف اختلافه عنه ويرغب في الاقتراب منه، قد تظهر هنا صور من صداقات طفولية بين الذكور والإناث، ويتلازم مع تنامي الرغبة في الاقتراب للجنس الآخر نشاط الهورمونات الجنسية داخل الجسم ودخول مرحلة البلوغ وهنا تتم جنسنة مشاعر الانجذاب العاطفي، لتصبح جنسية عاطفية في حالة الذكور، وعاطفية جنسية في حالة الإناث، وتستمر فترة المراهقة حيث يحاول فيها المراهق الخروج من عباءة الوالد التي اتحد بها لتشرب الذكورة، ليمارس السيطرة التي رغب فيها منذ طفولته، فهو اليوم يرغب في الانفصال عنها لممارسة ما تشربه.

الحقيقة أن تطوير البنت لميول مثلية هو مثار استغراب لأن الطفل الذكر يضطر لخوض رحلة للخروج من الأنوثة التي ولد فيها والتصق بها إلى الذكورة والرجولة التي خُلِق لينتمي إليها، وفقدان الدعم في هذه الرحلة أو وجود مثبطات لهذا الخروج يؤدي إلى تطوير الميول المثلية، بينما عندما نتحدث عن الفتيات، فإننا نبحث عن العوامل التي أخرجتها من الأنوثة الآمنة -أو المفترض أنها كذلك-، وفي الغالب هي علاقة غير آمنة مع قيمة الأنوثة [الأم] أو إساءة بالغة من صورة ذكورية طبعت رفض داخلي لقيمة الذكورة.

ما ينبغي التأكيد عليه في النهاية، هو دور العلاقة الآمنة مع الوالدين في البناء النفسي الصحي للأبناء، أما العرض المُفصّل لتطوير الميول المثلية، ومناقشة استفساراتكم أعرضها في المقالات التالية إن شاء الله، وصدق النبي ﷺ حين قال: «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يعول».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد