تعالوا معي نتخيل هذا السيناريو المزعج لمصر والذي يكاد أن يتحول لواقع وحقيقة خلال الفترة القليلة المقبلة في ظل التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسئولين مصريين آخرهم وزير البترول المصري.

السيناريو يقول إن أمن مصر الاقتصادي سيصبح رهينة لإسرائيل في المستقبل القريب، وإن مصير بيوت مصر ومصانعها ومزارعها واستثماراتها ومحطات إنتاج الكهرباء بها سيكون رهينة للغاز الذي تجود به إسرائيل عدو مصر التاريخي الذي احتل مساحة شاسعة من أراضيها ولا يزال محتلاً لأراض في فلسطين ولبنان وسوريا والأردن.

 

ولنتخيل أن هذا العدو قرر في يوم ما إغلاق محبس الغاز الذي يمتلكه في تل أبيب أو في عرض البحر المتوسط، حيث يحتل مواقع إنتاج النفط والغاز، وقرر وقف تصدير الغاز لمصر، هنا ستنطفئ بيوت مصر بالكامل وسيحل الظلام كل شوارع المحافظات، وستنقطع الطاقة المغذية لمحطات إنتاج الكهرباء بالمحافظات، وستتوقف المصانع والمزارع والاستثمارات، وستلحق خسائر فادحة بالاقتصاد المصري.

لكن ما الحكاية؟

وكيف يحدث هذا الدمار المتوقع؟
تعالوا نفهم القصة من البداية للنهاية.

 

والنهاية تقول إن الحكومة المصرية بدأت بالفعل مفاوضات استيراد الغاز من الكيان الصهيوني وأنها اعترفت مؤخرًا، وبعد نفي طال ما يقرب من عامين، بعزمها استيراد الغاز من إسرائيل تحت مزاعم عدة منها أن البلاد لديها أزمة طاقة مزمنة، وأن هذه الأزمة تؤدى لانقطاع مستمر في التيار الكهربائي وهو ما يؤثر سلبًا على حياة المواطن خاصة في فصل الصيف، وأن انقطاع الكهرباء يزعج أيضًا المستثمرين الأجانب الذين تراهن الحكومة عليهم في حل مشاكل الاقتصاد وتوفير فرص عمل، وأن حل هذه الأزمة يكمن في يد إسرائيل (عدوها التاريخي) وضرورة استيراد الغاز منه.

ببساطة وبعد أن كانت مصر تصدر الغاز لإسرائيل أيام مبارك في الوقت الذي كانت فيه بيوت المصريين تخلو من أنابيب البوتاجاز ولا تجد الأسرة المصرية أنبوبة واحدة تطهو بها طعامها، بتنا الآن نتفاوض لاستيراد الغاز من إسرائيل.

بداية القصة

هذه النهاية، فماذا عن البداية؟

البداية جاءت عقب وقوع الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 حينما خرج السر من تل أبيب بدخول الحكومة المصرية في مفاوضات مباشرة لاستيراد الغاز من إسرائيل.

 

وكعادة الصهاينة الذين لا يكتمون سرًّا متعلقـًا بأعدائهم ويفضلون دومًا إحراج أصدقائهم، خرج علينا وزير الطاقة والمياه الإسرائيلي، سيلفان شالوم، عقب الانقلاب العسكري بثلاثة أشهر وتحديدًا في أكتوبر 2013 ليعلن استعداد إسرائيل لإمداد مصر بالغاز عبر خط الأنابيب الذي يربط بينهما.

ساعتها قال الوزير الإسرائيلي إن مصر تعاني من نقص في الغاز، وتبدي اهتمامًا بشراء الغاز من إسرائيل، وأنه لا يرى سببًا لعدم تصدير الغاز إليها أو رفض الطلب المصري.

هنا قامت الدنيا ولم تقعد في مصر، لأن الوزير الإسرائيلي كشف السر الذى حرصت القاهرة على إخفائه شهورًا، وبسرعة أوعزت حكومة حازم الببلاوي يوم 23 أكتوبر 2013 إلى طاهر عبد الرحيم رئيس الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) التابعة للدولة، ليخرج علينا بتصريح يقول فيه إن مصر لا ترغب في استيراد الغاز من إسرائيل، بل إن الرجل نفى وبشكل قاطع وجود أية مفاوضات أو اتصالات لاستيراد الغاز من إسرائيل، وقال حرفيًّا: “لم تحدث أية اتصالات من طرف وزارة البترول أو أية جهة تتبعها في هذا الصدد أو في أي شأن آخر.”

وعلى مدى أسبوع كامل تفرغت وزارة البترول المصرية للرد على ما جاء على لسان وزير الطاقة والمياه الإسرائيلي سيلفان شالوم، الذي كشف ولأول مرة عن أن إسرائيل تدرس تصدير الغاز الطبيعي لمصر.

وفي المقابل التزم شريف إسماعيل، وزير البترول المصري الصمت التام حيال التسريبات الإسرائيلية.

ساعتها ولزيادة حبكة النفي خرج علينا خبراء نفط مصريون ليؤكدوا أن العدو الصهيوني يتعمد إثارة الشائعات تجاه مصر بشكل مستمر من أجل زعزعة ثقة المواطن في حكومته، وأن هناك دولاً عربية يمكن لمصر أن تستورد منها الغاز مثل الجزائر دون الحاجة إلى عدو يتمتع بكره الوطن العربى له.

ولم يمر شهران على النفي المصري والحشد له إعلاميًّا حتى خرجت علينا صحف إسرائيلية منها “جلوبس” الاقتصادية لتكشف عن أن مسئولين مصريين طالبوا بالفعل باستيراد الغاز من إسرائيل لسد احتياجات السوق المحلى وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء.

وبسرعة طلبت وزارة البترول المصرية من متحدثها الرسمي حمدي عبد العزيز الخروج لينفي ما ورد في الصحف الإسرائيلية وليؤكد أن ما تردد حول طلب مصر استيراد الغاز من إسرائيل عار عن الصحة، وأن إسرائيل ليس لديها أصلاً غاز مسال، وأن الحقول التي تم اكتشافها مؤخرًا في إسرائيل تحتاج إلى تنمية ولا تصلح أن يتم الاستيراد قبل عملية التنمية.

وهدأت الأجواء حتى بداية شهر أبريل 2014 حتي خرجت واحدة من أشهر المجلات الاقتصادية في العالم هي مجلة ” فوربس” الأمريكية لتعلن أن مصر مقبلة على صفقة استيراد غاز من إسرائيل، لتعويض النقص الذي تعانيه في الطاقة، والذي بدأ بعد عزل نظام مبارك فى 2011، وبسرعة نفت وزارة البترول مجددًا عزم مصر استيراد الغاز من إسرائيل.

وقال مصدر بالوزارة إن الحكومة لم تطلب استيراد الغاز من إسرائيل، وإن هناك العديد من الخيارات المطروحة لاستيراد الغاز، منها الجزائر، وهي دولة كبرى فى تصدير الغاز.

 

الا أنه بعد أسبوعين فقط تم فتح ملف استيراد مصر الغاز من عدوها التاريخي مرة أخرى وحدث ما لم يتوقعه كثيرون؛ حيث كشفت وكالة رويترز يوم 14 أبريل 2014 عن حملة إسرائيلية لتصدير الغاز الطبيعي للمرة الأولى إلى مصر، وأن هناك محادثات بين عدد من الشركات الإسرائيلية العاملة بحقل «لوثيان» مثل ديليك للحفر وريتيو وأفنير للنفط، إضافة لشركة نوبل للطاقة الأمريكية، وبين السلطات المصرية تركز على إمداد مرافق مصر المعطلة بالغاز الإسرائيلي.

بل إن رويترز كشفت عن وجود محادثات أخرى بشأن حقل «لوثيان» مع مجموعة بي جي BG البريطانية المسئولة عن إدارة إحدى محطات الغاز الطبيعي المسال غير المستغلة في مصر، وهي من أكبر شركات الغاز المسال في العالم.

ونقلت الوكالة عن دبلوماسي إسرائيلي قوله: «في نهاية الأمر فإن مصر بحاجة إلى الطاقة، وبما أن إسرائيل تمتلك الطاقة اللازمة للتصدير المتمثلة في الغاز فإن التعاون قد يخلق تقاربـًا فيما يخص المصالح الإقليمية»، كما نقلت عن يوجين قنديل، رئيس المجلس الاقتصادي الوطني التابع لمجلس الوزراء الإسرائيلي قوله إنه إذا توصلت الشركات العاملة في استخراج الغاز من الحقول الإسرائيلية إلى اتفاق مع شركات تعمل في مصر، فإن ذلك سيعود بالفائدة على مصر وإسرائيل والشركات نفسها.

وكالعادة خرج مصدر مسئول بالشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) لينفي وجود أية رغبة للحكومة المصرية في استيراد الغاز من إسرائيل.

 

خطاب نوايا

وفي بداية شهر مايو 2014 وتحديدًا يوم 6 منه حدث ما لم يتوقعه أحد؛ حينما كشف الشركاء بحقل الغاز الطبيعي الإسرائيلي “تمار” عن توقيعهم خطاب نوايا مع شركة يونيون فينوسا جاس (يو.إف.جي) لتصدير ما يصل إلى 2.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز على مدى 15 عامًا إلى محطة للغاز الطبيعي المسال في مصر.

 

وقالت نوبل إنرجي الأمريكية التي تملك 36% في حقل تمار الإسرائيلي إن الجانبين يأملان في إبرام اتفاق ملزم في غضون ستة أشهر لكن ذلك سيتطلب موافقة الجهات المختصة في إسرائيل ومصر.

ساعتها لم تخرج وزارة البترول المصرية لتنفي الخبر كعادتها، بل اكتفت بالقول إنها طلبت اجتماعًا مع رئيس يو.إف.جي للاطلاع على التفاصيل.

وساعتها أيضًا انتقلت الحكومة المصرية من النفي القاطع للتفاوض حول استيراد الغاز من إسرائيل إلى مرحلة أخرى من التعتيم حيث قال مصدر مسئول بوزارة البترول إن ما نشرته وكالات الأنباء حول توقيع خطاب نوايا بين شركتي نوبل إنيرجي ويونيون فينوسا جاس الإسبانية لتصدير الغاز لا يتعدى كونه خطاب نوايا، وأنه ليس هناك تفاصيل بشأن ما نشر.

ويبدو أن رد فعل وزارة البترول المصرية وتلميحاتها بوجود اتفاقات بالفعل لاستيراد الغاز من إسرائيل، أغضب قطاعـًا كبيرًا من المصريين، ولذا خرج مجلس الوزراء في اليوم التالي لينفى عزم الحكومة استيراد الغاز من إسرائيل، أو وجود اتفاقيات في هذا الشأن.

وأصدرت الحكومة بيانـًا أعلنت خلاله أن أيًّا من الشركات المحلية أو الأجنبية لا تستطيع التعاقد على استيراد الغاز من أية دولة إلا بعد موافقتها.

ورغم النفي الحكومي إلا أن الحكومة عادت يوم 15 مايو 2014 لتراوغ ولتتخذ خطوة أخرى نحو التمهيد لاستيراد الغاز من إسرائيل حيث قالت إن الموافقة على خطاب نوايا بين شركاء في حقل الغاز الطبيعي الإسرائيلي تمار لتصدير الغاز إلى مصر مشروط بحل قضايا التحكيم الدولية المعلقة وتحقيق قيمة مضافة مرتفعة للاقتصاد المصري.

هذا يعنى أننا انتقلنا إلى مرحلة جديدة من الكشف التدريجي عن المفاوضات المتعلقة باستيراد مصر الغاز من إسرائيل.

وفي نهاية شهر يونيو 2014 كانت المفاجأة الصاعقة الثانية للجميع وهي إعلان شركاء في حقل «لوثيان» الإسرئيلي للغاز، أنهم وقَّعوا بالفعل خطاب نوايا مع مجموعة «بي.جي» البريطانية، لتصدير غاز لمحطة الغاز المسال التابعة للمجموعة في مصر.

وأوضح الشركاء أن المفاوضات الجارية تهدف للاتفاق على توريد «لوثيان» 7 مليارات متر مكعب غاز سنويا، لمدة 15 عامًا عبر خط أنابيب بحري. وكشف مصدر في قطاع الطاقة بتل أبيب، أن قيمة الاتفاق تصل لنحو 30 مليار دولار.

وفي محاولة للتعتيم يوم 30 يونيو 2014 حاولت وزارة البترول المصرية النأي بنفسها عن الاتفاقات الخاصة باستيراد الغاز؛ حيث أكد المتحدث باسم وزارة البترول، أن شركة “بى جي” ، وقعت اتفاقية غير ملزمة مع مسئولين حقل “سيسيان” الإسرائيلي، لاستيراد الغاز لمصانعها بالقاهرة، وأن الوزارة ليست طرفًا في هذه الاتفاقيات.

وأشار أنه لا بد من وجود حل لمشكلات التحكيم المرفوعة من بعض الشركات العالمية ضد الحكومة المصرية.

وفي سبتمبر 2014 جاء رد فعل الشركات الأجنبية على عرض الحكومة المصرية؛ حيث خرج مصدر ليقول إن شركة يونيون فينوسا جاس (يو.إف.جي) الإسبانية قد تسحب دعوى قانونية ضد مصر إذا وافقت على اتفاق يسمح للشركة باستيراد غاز إسرائيلي إلى محطتها في مصر.

بل إن المصدر أكد إن تقدمًا يتحقق في محادثات ثلاثية مع الشركاء في حقل تمار الإسرائيلي ومصر بخصوص إبرام اتفاق لاستيراد 2.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز على مدى 15 عامًا. لكنه أضاف أنه لا يزال يتعين تسوية قضايا فنية وتجارية وقانونية.

اعتراف رسمي

وفي يوم 14 شهر يناير 2015 جاءت الصدمة الأعنف حينما خرج علينا وزير البترول المصري شريف إسماعيل بتصريح يؤكد فيه احتمال استيراد الغاز من إسرائيل تحت زعم أن بلاده تعاني من مشكلة كبيرة في توفير الطاقة لمواطنيها، وأن حل المشكلة يكمن في استيراد مصر الغاز من جارتها إسرائيل.

وقال الوزير في رده على استيراد الغاز من إسرائيل “كل شيء وارد. ما يحقق مصلحة مصر ومصلحة الاقتصاد ودور مصر في المنطقة، سيكون هو الحاكم في قرار استيراد الغاز من إسرائيل.”

هذه قصة التصريحات المتلاحقة من المسئولين المصريين والإسرائيليين حول صفقة استيراد مصر الغاز من إسرائيل التي مرت بمراحل من التعتيم والنفي القاطع إلى التأكيد على الصفقة تحت ذريعة الأمن القومي.

وفي رأيي أن هذه الصفقة تعد تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي المصري لأنها تربط كل مقومات البلاد الاقتصادية بعدوها وترهن الإنتاج والمشروعات المصرية به، وهذا يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري الذى لم يعد قاصرًا على ملفات تقليدية، منها الحدود والجاسوسية والقضية الفلسطينية وأمن الخليج والنيل والأمن المائي، ولكن تعداه لما هو أخطر من ذلك، حيث الملفات الاقتصادية، وفي مقدمتها أمن الطاقة والغذاء، وهي ملفات يجب أن تشكل أولويات الأمن القومي المستقبلية، ولذا ليس من المقبول أن يصبح أمن الطاقة المصري المستقبلي في يد إسرائيل، فهذا يتناقض مع مفهوم الأمن القومي الذي من أبسط قواعده، ألا أعطي رقبتي للعدو التاريخي القابع على الحدود الشمالية الشرقية.

نعم، مصر تمر بأزمة طاقة عنيفة تؤدي إلى انقطاع مستمر في الكهرباء، وهذه الأزمة تؤثر سلبًا على كل القطاعات الاقتصادية، بل أحيانـًا تشل قطاعات حساسة منها المصانع والبنوك، وهذه الأزمة يمكن حلها عن طريق استيراد الغاز، وهنا تكمن المشكلة، فغاز مصر صدره نظام مبارك إلى إسرائيل برخص التراب، ومصر بحاجة إلى غاز للمنازل ولأغراض الطهي وتشغيل المصانع والمزارع ومحطات إنتاج الكهرباء، والغاز متوافر لدى دول بعينها منها روسيا وقطر وإيران والجزائر وكندا والولايات المتحدة.

وبالطبع لن يستورد النظام المصري الغاز من قطر وإيران لموقفه السياسي من الدولتين، ولن يحصل على الغاز الروسي بسهولة لتكلفته العالية، كما أن حاجة موسكو إلى النقد الأجنبي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها يدفعها إلى مطالبة الدول المشترية لغازها بالسداد فورًا، هذا يعنى أن الاستيراد من روسيا مكلف جدًّا، إلى جانب أن فلاديمير بوتين يريد ثمن الغاز نقدًا، ومصر ليس لديها القدرة على سداد الغاز المستورد نقدًا، لأن الاحتياطي الأجنبي بات في مرحلة خطرة؛ حيث يغطى بالكاد واردات 3 شهور.

أما الغاز الجزائري فقد تم الاتفاق على استيراد 5 شحنات منها بدءًا من شهر أبريل المقبل بعد مفاوضات مضنية، لكن هذه الشحنات لا تلبي إلا جزءًا بسيطًا من احتياجات السوق المصري.

وفي تقديري فإن موقف النظام المصري الرافض استيراد الغاز من قطر وإيران لا يستند لأسس اقتصادية وعملية سليمة، فهناك ثلاث دول خليجية “الإمارات والكويت وسلطنة عمان” أبرمت في العام 2014 اتفاقات بمليارات الدولارات لاستيراد الغاز من إيران التي تناصبها القاهرة العداء، كما أن حجم التبادل التجاري بين الإمارات وإيران يتجاوز حاليًا 17 مليار دولار سنويـًا، رغم احتلال طهران جزرًا إماراتية.

وبالتالي فإن السؤال: هل مصر أكثر عداوة لإيران من دول الخليج، وهل رفض مصر استيراد الغاز من طهران يأتي لأسباب تتعلق بالأمن القومي المصري، أم استجابة لضغوط سعودية أمريكية خضع لها نظام مبارك طيلة 30 عامًا ولا يزال يخضع لها النظام الحالي؟

ورغم وجود بدائل لاستيراد الغاز كما قلت إلا أن النظام المصري وضع الجميع أمام بديل وحيد هو استيراد الغاز من إسرائيل، رغم أن دولاً أخرى كثيرة يتوافر لديها الغاز بنظافة أكبر، وربما بسعر أقل.

ومع الإصرار الغريب على هذه الخطوة المرفوضة شعبيًّا بدأ مشوار الحكومة لاستيراد الغاز من إسرائيل، عبر الدخول في مفاوضات تتسم بالسرية وتجري تحت الطاولة وبعيدًا عن أعين الجميع.

وكما قلت في وقت سابق لدينا ثلاثة مصادر عالمية موثوق بها تؤكد أن النظام المصري وقع بالفعل خطابات نوايا لاستيراد الغاز من إسرائيل في صفقة قيمتها 60 مليار دولار ولمدة 15 عامًا، وهذه المصادر هي وكالة رويترز العالمية ومؤسسة بلومبرج الاقتصادية الشهيرة وميديل إيست مونيتورز الأمريكية.

كما أكدت المعنى أيضًا صحف عالمية واسعة الانتشار، منها “وورلد تريبيون”، التي كشفت عن وجود مفاوضات مصرية مع كونسورتيوم إسرائيلي تقوده شركة “نوبل إنرجي” الأمريكية لتزويد مصر بالغاز الإسرائيلي، كما تم توقيع خطاب نوايا مع مجموعة بي.جي البريطانية لنفس الغرض.

ورغم النفي المصري الرسمي لهذه المفاوضات، إلا أن المؤسسات الدولية كشفت عن أن توريد الغاز الإسرائيلي لمصر تم بالفعل الاتفاق على كل تفاصيله، حيث ستتم عملية التوريد من خلال حقل لوثيان الإسرائيلي الواقع في البحر المتوسط والذي سيزود مصر بسبعة مليارات متر مكعب غاز سنويًّا، لمدة 15 عامًا عبر خط أنابيب بحري يجري حاليًا تأسيسه لضمان عدم تعرضه لهجمات تفجيرية.

 

إذن نحن أمام صفقة يجري طبخها بأيدٍ مصرية إسرائيلية أمريكية، صفقة تتعارض كليًّا مع أبسط قواعد الأمن القومي المصري، ذلك لأنها ترهن أمن الطاقة المصري بإسرائيل ولسنوات طويلة.

وللأسف نجد أن هناك من يبرر هذه الخطوة ويقول إن الحكومة مرغمة على استيراد الغاز من إسرائيل إذا أرادت أن تحل أزمة الكهرباء، التي باتت تشل الحركة الاقتصادية قبل أن تشل حركة المواطنين، وأن هناك أسبابـًا قوية دفعت الحكومة لإبرام اتفاق نوايا لاستيراد الغاز الإسرائيلي.

والغريب في الأمر أن استيراد مصر الغاز من إسرائيل يعنى تنازلها عن حقوقها التاريخية في آبار الغاز التي سيطر عليها الكيان الصهيوني في شرق البحر المتوسط.

وحسب إحصائيات فإن إسرائيل سطت على 40% من منطقة الاكتشافات النفطية في البحر المتوسط. وبدلاً من أن تطالبها الدول صاحبة هذه الحقول، ومنها مصر ولبنان وفلسطين وقبرص، بإعادة ما نهبته، راحت تتعاقد معها على استيراد الغاز المسلوب.

وخلال السنوات الماضية سطت إسرائيل على ثلاثة حقول ضخمة لإنتاج الغاز تقع في المياه الإقليمية المصرية، وبالقرب من سواحلها من بين خمسة حقول كبرى تقع شرق البحر المتوسط، وقدرت إيرادات هذه الحقول بأكثر من 240 مليار دولار.

وهذه الحقول هي شمشون الذي يبعد عن مدينة دمياط 114 كم، في حين يبعد عن الأراضي المحتلة 237 كم، ولفياثان الذي يقع في المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر، إذ يبعد 190 كم من دمياط، في حين يبعد عن مدينة حيفا 237 كم، وأفروديت الذي يبعد 190 كم من دمياط، وبدلاً من أن تقاضي حكومة مصر إسرائيل أمام المحاكم الدولية بتهمة سرقة الغاز من مياهها الإقليمية، راحت تتعاقد معها على شراء صفقات غاز بقيمة 60 مليار دولار.

لم تكتف إسرائيل فقط بالسطو على حقول الغاز الواقعة بالمياه الإقليمية المصرية مثل شمشون وأفروديت، بل تواصل أكبر عملية سطو في التاريخ الحديث وتعلن وضع يدها على حقل جديد بالقرب من مدينة دمياط تتراوح احتياطياته ما بين 1.9 و5 تريليونات قدم مكعبة.

إذن إسرائيل تسرق الغاز المصري في وضح النهار وتعلن عن بيعه لمصر في وضح النهار، أيضًا، دون رادع من أحد، وبدلاً من أن ترد حكومة مصر بحزم على عمليات النهب المستمر من قبل الكيان الصهيوني راحت تبرم صفقة لاستيراد غازها المسروق.

وبالطبع فإن إسرائيل تستغل انشغال النظام المصري ودخوله في صراعات إقليمية مع تركيا وحماس وليبيا وتواصل نهب ثروات مصر الغازية والنفطية الواقعة في المياه الإقليمية بالبحر المتوسط.
وفي مصر أيضًا نجح صوت الرصاص الحي والاعتقالات والسجون في إسكات الأصوات المعارضة لاتفاقية الاستيراد المشؤومة وغيرها من الاتفاقات، ونجح الإعلام في تلويث سمعة الرافضين لاستيراد الغاز من إسرائيل وتصويرهم على أنهم مرتزقة، ولا يفهمون مصالح البلاد العليا.

وفي مصر أيضًا تصرّ حكومتها على استيراد غاز سرقته إسرائيل من مياهها الإقليمية والدخول في تحالف غربي لضرب حركة “حماس” وتجاهل الحديث عن بدائل لاستيراد الغاز، خاصة من قطر وإيران وروسيا والجزائر.

بضاعتنا أو غازنا الطبيعي رُد إلينا، لكن هذه المرة ليس بالمجان أو بفتات الدولارات كما جرى في أكبر جريمة سطو إسرائيلي على الغاز ارتكبها نظام مبارك وصديقه المقرب حسين سالم، لكن البضاعة ردت إلينا هذه المرة بثمن ضخم يبلغ 60 مليار دولار، سيتم سداده من جيوب الفقراء مستهلكي الطاقة.

وهكذا يشاهد المصريون أكبر عملية نصب واحتيال على ثرواتهم تمارس ضدهم في وضح النهار، وهم يقرأون خبرًا أعلنته شركة إسرائيلية مؤخرًا عن مد خط لنقل الغاز (الإسرائيلي) من البحر المتوسط لمدينة دمياط المصرية الساحلية، وأن تكلفة الخط تتراوح ما بين 1.5 إلى ملياري دولار، وسيتم من خلاله نقل 4.5 مليار متر مكعب من الغاز سنويًّا إلى مصر لمدة 15 عامًا.

وفي الوقت الذي أجبرت فيه الثورة المصرية الحكومة على وقف تصدير الغاز لإسرائيل عبر التدمير المستمر لخط أنبوب الغاز في سيناء، إلا أن النظام الحالي يصر على استيراد الغاز من الحقول المنهوبة رغم وجود بدائل أفضل.

طبعًا سيخرج علينا البعض ويقول “نستورد الغاز من إسرائيل ولا نستورده من قطر وإيران” وهذا منطق مغلوط رسخته للأسف وسائل الإعلام في أذهان المصريين، وهو خطر أيضًا على الأمن القومي المصري؛ حيث يتم التعامل مع دول شقيقة على أنها عدو ويتم التعامل مع الأعداء على أنهم أصدقاء وجيران.

استيراد الغاز من إسرائيل له تأثيرات اجتماعية وسياسية خطيرة، ذلك لأنك ترهن مقدرات بلدك بعدوك الذي لن يتمنى لك الخير بالطبع.

والشعب المصري الذى قاوم التطبيع الاقتصادي مع الكيان الصهيوني منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد في نهاية سبعينات القرن الماضي قادر على التصدي لمحاولات استيراد الغاز من إسرائيل، حتى ولو تطلب الأمر العودة للوسائل البدائية في الطهى بدلاً من استخدام غاز العدو الذي هو في الأصل غازنا المسروق في عرض البحر المتوسط.

في النهاية عندما تربط مصر أمنها القومي الاقتصادي بعدوها التاريخي، فهذه مسألة في منتهى الخطورة.

قد يقول البعض: ” هناك اتفاقات ستنظم مسألة استيراد الغاز من الكيان الصهيوني”، والسؤال متى احترمت إسرائيل تعهداتها واتفاقاتها؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد