لم يستغرق الأمر سوى لحظات بعد دخولي المطعم والجلوس في زاويتي  المفضلة بعيدًا عن الضوضاء والضجيج رفقة بعض أصدقائي من الكتاب وطلبة العلم الذين لم أرهم منذ زمن طويل؛ لاحتساء فنجان من القهوة معهم، حتى لفت نظري صوت إحداهن وهي تصيح في صديقتها: «اصبري قليلًا حتى أنتهي من التصوير»، ثم بدأت توجهها كيف تضع أصابعها! أظافرها! قدمها! جزءًا من رسغها! وأخيرًا جانبًا من جسدها. لم يكن الأمر عابرًا بالنسبة لي في مكانٍ عامٍ كهذا، ويعج بالرجال والنساء على طاولات مختلفة، لا تكاد تخلو طاولة منهن إلا والجميع يمسك بالهاتف ويقوم بتصوير الطعام أو الشراب الذي قُدِّم لهم؟!

بدأت التساؤلات تضرب برأسي، وتثير العواصف بين بنات فكري، في أي زمن نعيش نحن؟! وما الذي أصاب المجتمع حتى يصل لهذا القاع الفكري والثقافي وسفاسف العادات كي يقوم بتصوير كل ما يأكل و يشرب دون احترام للقيم والأخلاق ولا العادات والتقاليد الحسنة التي تربينا عليها من حياء وآداب عامة في مثل هذه الأماكن، فضلًا عن استحضار شعور من يشاهد هذه الصور من ذوي الحاجة والفقراء ومن لا يسألون الناس إلحافًا؟!

أين آداب تناول الطعام والشراب التي تربينا عليها صغارًا والتي كانت أول ما غُرس فينا ورضعناه مع حليب أمهاتنا؟ أين ذهب حياء النساء وخجلهن في الشوارع والطرقات والمطاعم والأماكن العامة حتى أصبحنا نرى النساء تزاحم الرجال في أماكنهم وتناطحهم الرأس بالرأس والكتف بالكتف، ووصل الأمر بهن أن يقمن باستعراض أنفسهن على شاشات مواقع التواصل بتصوير ما تأكل وما تشرب وما تشتري وما تلبس وما تتزين به حتى غابت الخصوصية وتعرَّت البيوت وانكشفت العورات، وأصبح الغرباء يشاركونها كل تفاصيل حياتها حتى في خدرها وموعد وكيفية نومها ؟!

دخلت إحداهن، ثم توقفت عند باب المطعم ورفعت هاتفها وقامت بالتقاط صورة لها مع ابتسامة مصطنعة، وثانية على مرمى البصر أكاد أراها من خلف النافذة الزجاجية للمطعم الذي نجلس فيه، أوقفت سيارتها، ثم مدت يدها للخارج والتقطت هي الأخرى صورة لها مع كوب العصير الذي تشربه! وثالثة وضعت قدمًا على الأخرى أمام زوجها وأبنائها على طاولة ليست بالبعيدة ومنعتهم من تناول الطعام حتى تقوم بالتصوير! ما الذي يحدث ؟! هناك شيء ما خطأ ! أكاد أجزم أنني لست المخطئ وكل هؤلاء على صواب فيما يفعلون، فلا يمكن أن تكون هذه هي الحياة الحقيقية التي خُلقنا لأجلها، ويستحيل أن تكون السعادة فيما يفعلون، فجُلُّ هؤلاء إن لم يكن كلهم يعانون من مشكلات جمة في حياتهم من جراء هذه الأفعال التي مسخت حياتهم لأجساد مبرمجة بغير عقول ولا أفئدة، تقوم بتقليد كل ما ترى دون وعي منها، ودون أدنى ذرة تفكير واحدة حتى نزعت البركة منهم ومن حيواتهم.

هل أصبح تصوير كل شيء في حياتنا اليومية وتفاصيلنا الخاصة هو الحضارة التي نبحث عنها ؟! وهل هذا هو المعنى الحقيقي للتحضر الذي نقرأ عنه في الكتب؟ وهل هذه هي المدنية الحديثة التي يتحدث عنها الغرب ليلًا ونهارًا ؟! لا والله، فكل هذه الأفعال الغريبة، والتصرفات الشاذة لا علاقة لها بالحضارة ولا بالتحضر ولا بالمدنية ولا بالتمدن، فأول قواعد الحضارة الإنجاز، وأول أصول التمدن السلوك القويم واحترام المجتمع وعاداته وآداب دينه، وما نراه الآن ما هو إلا تجاوز لكل ذلك بوقاحة منقطعة النظير من الرجال، وجرأة لم نشهد لها مثيلًا من قبل من النساء!

وايم الله لقد أصبح البحث عن الشهرة عند الكثير من النساء والرجال أهم عندهم من البحث عن رزقهم ومستقبلهم ومستقبل أولادهم، بل أهم عندهم من دينهم وقيمهم وعاداتهم وآداب مجتمعاتهم وعلاقتهم بأسرهم وعشائرهم وقبائلهم، فأصبحنا نسمع عن فتاة في زهرة عمرها تترك أهلها ووطنها وعشيرتها التي دأبت في الحفاظ عليها إلى مدينة أو مجتمع غريب عنها ركضًا خلف صورة أو مشهد متلفز أو بحثًا عن شهرة زائفة فيها! وشاب تكاد تقسم أن الجنون قد ضرب قلبه قبل عقله،  فأصبح كالكلب المدجن أو القط المهجن أو الديك المخنث في الملبس والحركات والكلام والتصرفات، غابت رجولته، وضاعت مروءته، يجعل من نفسه أضحوكة للخلق بغية صورة أو إعجاب هنا أو تعليق هناك أو مشاركة لما يُقدم ويُنشر وكأنه بذلك قد حرر القدس أو أعاد الخلافة أو استعاد الأندلس، وما هو إلا رغاء على أمواج البحر لا يغني ولا يسمن من جوع بقدر ما يدمر أجيالًا ويخرب مجتمعاتٍ.

لقد اطلعت على كثير من الكتب التي خطها فلافسة وكتاب الغرب أمثال «الحداثة السائلة» للكاتب اليهودي زيجموند باومان، ومن «الحداثة للعولمة» للكاتب «ج.تيمونز روبيرتس» وغيرها، وقد أجمعت على أن الهدف الحقيقي من العولمة بوصفها نظامًا سياسيًّا، و الرأسمالية نظامًا اقتصاديًّا، والذي قام النظام العالمي المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بنشرها، ما هو إلا تحويل البشر لمجرد أدوات مستهلكة وإخضاعهم بالرغبات والسلع كي يبقوا تحت السيطرة وفي فلك هذا النظام، فلا يجدون الوقت للتفكير ولا الرغبة في الإبداع والتغيير، إنما عقول تحركها غرائز الأجساد وقلوب تستهويها محبة الهوى وتغويها الفتن .

ولست أبالغ حقيقةً إن قلت : إن النظام العالمي القائم قد نجح نجاحًا باهرًا في تحقيق مآربه، ونزع الشعوب من دينهم، وتجريدهم من تاريخهم وقيمهم فأصبحوا بغير دفاعات تحميهم، ولا حصون تقيهم الضربات القادمة إليهم من الخارج والفتن التي تزلزلهم من الداخل، فأصبحت الصورة كما أراها وترونها الآن أمامكم دون أية إضافة أو تعديل أومبالغة، تعجز كلماتي عن وصفه، أو إظهاره كما أظهر هو نفسه، وواقعٌ غريب علينا لم نعهده، وأجيال تائهة، وآباء غافلون وأمهات ضائعات، ومجتمعٌ يسير نحو الهاوية إن لم يوقف أحد سفينته ويوجهها نحو بر الأمان قُبيل فوات الأوان!

قد يظن البعض خطأً من كلماتي أنني أدعو لعدم التصوير مطلقًا، وهذا ظنٌ باطلٌ وزعم واهٍ، فلا تخلو الحياة من اللحظات الجميلة التي تستحق تسجيلها، أو بعض الرفقة الطيبة التي نستأنس بذكرياتنا معهم عبر صورة أو من خلال مشهد فيديو مسجل، بل إنني لا أبالغ إن قلت إنَّ التصوير مطلوب كمهنة أو في بعض المجالات التي لابد منه فيها كالإعلام والتسويق والسياحة والتوثيق .. إلخ، إنما بيت القصيد وزبدة المقال أن يصبح التصوير والبحث عن شهرة زائفة هو أعظم ما تصبو له نفوسنا وأهم أهدافنا في هذه الحياة! وإن كانت هذه الحضارة والتحضر، والمدنية والتمدن من وجهة نظر البعض، فبئس الحضارة تلك، وقبحًا لتلك المدنية التي أشغلت الناس عن الأعمال بالأقوال، وهتكت سترهم وفضحت حياتهم وعرت بيوتهم وضيعت أعمارهم فيما لا يفيد.

كم من لحظات جميلة وعادات رائعة من السعادة ضيعانها لأجل التصوير؟ وكم من ساعات وأيام وشهور وسنوات وأعمار راحت بلا فائدة خلف الشاشات؟ أفيقوا يرحمكم الله، وعلموا أبناءكم أن رفعة الدنيا لا تُنال بالجلوس خلف مقاعد الطاولات والتقاط صورة هنا وأخرى هناك، والمستقبل لا يُبنى بالكلام، بل بالأفعال، والرزق الحلال لا يهبه الله إلا لمن يسعى إليه، والتميز لا يحققه إلا المثابر والدؤوب بالعلم والإنجازات، فما قيمة أن يعرفك الآلاف ويتابعك الملايين، وأنت تحمل بين جنبيك نفسًا خاوية، وعقلًا فارغًا، وثقافة ضحلة، وأخلاقًا تُباع وتُشترى حسب ما يطلبه المستمعون والمشاهدون! وما إن تموت حتى تصبح ورقة بالية ضاعت بغير فائدة في الدنيا واحترقت بغير ثواب في الآخرة.

فلا يمكن أن يصبح كل البشر مشهورين، ولا يُعقل أن يسعى كل أهل الأرض للجلوس أمام الكاميرات ؟! حتى الأنبياء والرسل لم يخبرنا الله بجميع أسمائهم، بل عرفنا القرآن بعضهم وأخفى الآخرين، ولكنه ذكرهم بفعالهم الطيبة ورسالتهم العظيمة التي أدوها فقال تعالى في سورة النساء: «وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا*رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا»،

وكذلك منا الطبيب والمهندس والمعلم والصحافي والعامل والحرفي والخطيب والإعلامي والسائق والمدير والجندي والممرض والقائد والأم والأب.. إلخ، كلٌّ يبرع في مجاله ويتميز بما ينفع الناس حيًّا، ويكون له أثر طيب بعد موته، فهذه هي الحضارة الحقيقية والتحضر الطبيعي والمدنية التي تحقق التقدم دون إهدار للقيم وهتك للعورات وضياع للعمر.

رسالتي الأخيرة إلى هؤلاء المفتونين بالصورة، والتائهين بالسعي عن حضارة زائفة وشهرة كاذبة ليس من ورائها علم ينفع، أو عمل يشفع، أو أخلاق ترفع، تذكروا أنَّ كل ما تقومون به هو كتاب يُحصى عليكم وستحاسبون عليه أمام ربكم سبحانه وتعالى، فضلًا عن الأجيال التي تدمرونها دون وعي منكم، إنني أهيب بكم أن تفكروا قليلًا قبل أي فعل تقبلون عليه، وأية كلمة تخرج من ألسنتكم؛ لذلك أضعها واضحةً أمام أعينكم لا لبس فيها من فوق سبع سموات، وقد خطها القرآن لنا قبل أربعة عشر قرنا في سورة الصف: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ*كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ».

أما تعب الرجال والنساء لغياب البركة من بيوتهم؟ وهروب السعادة من حياتهم، وضياع سنوات أعمارهم دون أن يشعروا بها؟ أما أرهقهم عقوق الأبناء وتفلتهم من دراستهم وأعمالهم؟ ألم يحزنهم تحسر الفقراء لما يرون! ووجع ذوي الحاجة لما لا يستطيعون الحصول عليه؟ فإن لم تخافوا الحسد والعين، فاتقوا الله في المساكين، واستشعروا حرمان المحتاجين، وتذكروا أنًَّ أجيالًا تُدمر بجهلكم وأمة تضيع لإرضاء غروركم وتعويض نقصكم، وحياة تركض منكم بغير رجعة، وما زلتم مفتونين بالنعم وغارقين في إهدارها دون هدف، والله يقول في كتابه: «وأمَّا بنعمةِ رَبّكَ فحدِّث»، وحدث هنا تعني: احمد واشكر، واصرفها في مرضاته واستعن بها على طاعته، حدث يا سادة تعني شكرها وليس تصويرها!! فمتى ندرك الحقيقة؟ وننجو بأنفسنا ومجتمعاتنا وأمتنا من الهلاك المحقق الذي ينتظرنا في نهاية ذلك الطريق الذي هلكت فيه أمم قبلنا إن لم نتوقف ونصحح الوجهة ؟!  وتذكروا جيدًا كلماتي تلك:«إنَّ أسرع الحصون والبيوت سقوطًا مهما بلغت زينتها هي تلك الحصون التي بغير دفاعات والبيوت التي بلا جدران».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد