ركَّب الله في الإنسان العقل والعاطفة، والعاطفة هي ذلك النبع الفياض بالحب، الذي لولاه لم يكن الإنسان إنسانًا، وبتلك العاطفة يحنّ الإنسان إلى ماضيه وموئله، ومرابع الصبا.

وهذه العاطفة جُبلت عليها جميع الكائنات، ولكنها في الإنسان الذي ينزع إلى أصله وإلى وطنه أقوى وأشد، فحتى الإبل ذوات الأكباد الغليظة تنزع إلى موئلها. والعصافير في رحلة الذهاب والإياب تعود إلى أوكارها. والظباء تعود إلى كناسها البعيد.

إن دواوين العرب تضجّ بالشعر والنثر في حب الوطن، وما قصائد الوقوف على الأطلال والدِمَن التي خلدها التاريخ إلا أحد هذا الحنين، فقديما قال امرؤ القيس في معلقته المشهورة:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل بسقط اللوى بين الدَخول فحومل (1)

ففاضت دموع العين مني صبابةً على النحر حتى بلّ دمعي محملي (2)

والوطن وإن أضحى قبرًا فإنه يبقى وطنًا، والموت في أفيائه حياة، والحياة في البعد عنه موت! مهما يجور وطني عليّ وأهلُه، فالأهل أهلي والبلادُ بلادي.‏
وقالت ميسون البحدلية:

لبيت تخفق الأرواح فيه أحب اليّ من قصر منيف
خشونة عيشي في البدو أشهى إلى نفسي من العيش الطريف
فما أبغي سوى وطني بديلًا وما أبهاه من وطنٍ شريف

 

والذين يتمرغون بتراب الوطن، ويتظللون بأفيائه، وينعمون بالوصل، لا يشعرون بما يقاسيه المحرومون من مرارة الفقد، وعلقم الفراق، وما أصدق خير الدين الزركلي حين يقول:

 
ليت الذين أحبهم علموا وهم هنالك ما لقيت هنا
ما كنت أحسبني مفارقهم حتى تفارق روحي البدنا

دخل عبد الله بن طاهر مع عوف الشيباني إلى الري، فإذا قمريّةٌ تغرّد على فَنَن فقال عبد الله بن طاهر: لقد أحسن أبو كبير الهذلي حين يقول:

ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر وغصنك ميادٌ ففيم تنوحُ
فطلب من عوف معارضتها وقد طرحه النوى والشوق، فقال عوف:
وأرّقني بالري نوحُ حمامةٍ فنُحت وذو الشجو الحزين ينوحُ
عَلَى أنها ناحت ولم تذر دمعةً ونحت وأسراب الدموع سفوحُ

وأنا الذي أشتاقُ لوطني حتّى وأنا بين أحضانه، فكيف بي والسنون تُطوى وأنا أرشفُ مرارةَ البعد، وألعق صبّارة الفراق، ولكني وأنا بالغربة والمنفى أعيش مع الحبيب صلى الله عليه وسلم والصحب رضوان الله عليهم، فحين اشتد الأذى، وأذن لرسول الله بالهجرة، خرج بأبي وأمي من مكة وقبل أن تتوارى، التفت وأخذ تنهيدة العشاق، وكأني به والدموع تجلل وجه الشريف ويهمس متأوّهًا: “والله إنك لأحب البقاع إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت”. خرج مكرهًا وترك بعضا من روحه في مكة، مكة التي عشق، فيها ضحكه وفرحه، فيها صباه وشبابه، فيها أهله وعشيرته، فيها الأماكن التي كان يخلو بروحه فيناجي ويتبتل، ويبتهل، فيها روحه وحياته!

وهذا نبي الله موسى عليه السلام يخرج من بلده خائفا يترقب إلى مدين، يقطع الفيافي والصحاري ويلجأ إلى تلك البلدة البعيدة، يواجه الفقر والجوع، فبعد أن سقى للفتاتين تولّى إلى الظل (فقال ربّ إني لما أنزلت إليّ من خيرٍ فقير)، ويرعى الغنم وهو الذي عاش في القصر ويقضي عشر حجج مهرًا لابنة شعيب بتعبير القرآن الكريم: (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجُرني ثماني حجج فإن أتممت عشرًا فمن عندك) فالحجة هي السنة للزائر، فلما قضى موسى الأجل سار بأهله يريد وطنه، حتى كلماته تشي بالإنس للعودة، فلما رأى نارًا (قال إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى).

بين مكة والمدينة بينا رسول الله مهاجرًا، أنزل الله سورة القصص فتلا عليه نبأ موسى، وأنزل فيها (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد… الآية) قال ابن عباس أي رادك لمكة، وفيها البشرى بالعودة إلى الوطن بعد التمكين.
هاجر الصحب الكرام وهم يودعون أجمل أيام قضوها في مكة، بلد النخيل، تقول عائشة رضي الله عنها، لولا الهجرة لسكنت مكة، فإني لم أر السماء بمكان أقرب إلى الأرض منها بمكة، ولم يطمئن قلبي ببلد قط ما اطمأن بمكة، ولم أر القمر بمكان أحسن منه بمكة!

وكان بلال بن رباح يشتاق إلى مكة وقد لاقى من أهوال العذاب على رمضائها ما لا يصبر له الأشداء، ويرفع عقيرته بأبيات يقول فيها:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي أذخر وجليل

وهل أرِدن يوما مياه مجنّةٍ وهل يبدون لي شامة وطفيل

إنها العاطفة التي تشتاق إلى المكان، والشوق إلى الديار ومن سكن الديار. نعم إن الروح لا يهدأ لها بال ولا يستقر لها قرار إلا في مسقط رأسها، ولا تشفى إلا بلثم تُربِها وشم عبقها. وكما كان النسيان نعمة كانت الذكريات مؤلمة، نحاول النسيان ولكن الذكرى تأتي كمطرقة.

 

ما لبث أن استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بعيد الهجرة حتى قدم عليه أُصَيل الغفاري، فسأله رسول الله: كيف مكة؟! قال: والله قد عهدتها أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأغدق أذخرها، وأسلمت ثُمامُها، وأمش سلمُها، فقال: حسبك يا أصيل لا تُحزِنا، أو قال: “دع القلوب تقرّ”.
عادل المولى سبحانه بين خروج النفس من الأبدان، وخروج الروح من الأوطان بقوله: (ولو أنا كتبنا عليهم أن أقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم..الآية).

في بلادي ما أكثر الهجرات، هجرات الموت، الموت بشقيه الجسدي والروحي. هجرة الفلسطينين على يد أعداء الله وأعداء البشرية الصهاينة، وهجرة العراقيين في مجاهل العالم، حيث هاجرت العقول وهاجر المدنيون يبحثون عن مكان آمن فرارًا من الحروب والطائفية.

وفي سوريا يهاجر قومي هروبا من براميل البارود والقنابل، وفي ليبيا ومصر والمغرب العربي يركبون أشرعة الموت وقوارب الجحيم ليموتوا على شواطيء إيطاليا.

على متن قوارب الموت الذي يحمل النساء والأطفال والشيوخ يذرعون البحر ويقطعون آلاف الأميال، احتمالية النجاة ضئيلة، وإذا ما نجحت فعلى الناجين أن يواجهوا مصيرًا لا يقل عن الموت، ولكن الغريق يتعلق بقشة!

عندما أنظر في عيون الأطفال وهي تلعننا صُبحَ مساء تصرخُ بلسان الحال كما قال درويش: “لا شيء يثبت أننا موتى.. ولا شيء يثبت أننا أحياء”، عندما أنظر إلى البؤس الذي يلفّ بلادي وكل ما فيه يستصرخ الإنسانية لا أملك إلا البكاء والدعاء.

سنكتفي أن نكون كالطيور ننزح بعيدا ونحمل في قلوبنا وجعًا وأملًا. هذا الوطن الذي أضحى موئلا للقتل والذبح، بعد أن كان موئلًا للحب والسلام. وبعد أن كنا نغرّد صغارا: بلاد العرب أوطاني، أصبحنا نبكي كبارًا

بلاد الذبح أوطاني للقاصي والداني
من نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان
فلا دين يجمعنا ولا الفصحى توحدنا
سلفيٌّ جهاديٌّ صوفيٌّ وإخواني

تاهت أشرعتنا ومراكبنا
فلا نعلم الضحية من الجاني
كل يوم سفك ودم
واقتراب من العالم الفاني

ولي أمل بأن الصبح يتلو عتمة الغسق، وكما عاد موسى كليم الله ومحمد حبيب الله إلى الديار بعد النصر والتمكين، سيعود الفلسطيني، والعراقي، والسوري، والليبي وكل من أخرج من دياره وأبنائه. يا وطني سال نهرك عسلا، سلمت وديانك وسهولك والجبلا، سلم يا ربّ قومي والأنام والأهلا، لم ينقطع فيك يا وطني الرجاء والأملا.

 

…………………………………………..
1-الدخول والحومل مواضع وأماكن.
2-محملي أي حمّالة السيف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد