آثرتُ في مقالتي الأولى أن أتكلم بلغةٍ أدبيّة تحكي آلام ومعاناة أولئك الحاضرين بيننا الغائبين عن أنظارنا، لنرى الآلام في النفوس الحزينة، لا لنشفع للظلام ولكن لنراه ونوقد فيه شمعة تضيء فيه، واليوم أرغب في أن أكتب بلسان المختص بالقضية لأقربها للأذهان بشكلٍ أكبر، ولذا، إن كانت هذه قراءتك الأولى لي، فراجع المقالة السابقة فضلاً، وأنبه قارئي الكريم أن هذه المقالة دسمة المحتوى فلا تقرأها على عجل، وأرحّب برسائل الاستفسار على بريدي الموضّح!

 

الجنسية المثلية هي نمط حياتي [مستمر] من الانجذاب [الجنسي] للأفراد من نفس الجنس؛ بحسب تعريف د. أ. وصفي،

 

وبواقع الحال تجد دومًا إساءات سابقة تعرضت لها ذكورة/ أنوثة الفرد ذي الميول المثلية، إساءات أدت لتوقف النمو النفسي الجنسي، أو ردته بعد قدر من النمو بحادث صادم جنسي أو وجداني، مما نتج عنه ضعف البناء الداخلي، أو بشكل أخطر اضطراب الهوية الجنسية.

 

ويرى د. چ. كولوسي أن السلوك المثلي هو نوع من محاولة الإصلاح غير الواعي لإساءات الطفولة، فيمثل السلوك المثلي الصورة المتاحة لإشباع الاحتياجات غير المشبعة من الحب والاهتمام والاتصال العميق بأفراد جنسه، فعلى العكس من اعتقاد البعض؛ فإن كل فرد من ذوي الميول المثلية ينجذب لنمط محدد من نفس الجنس يمكن للمختص من خلاله التنبؤ بإساءات الطفولة والاحتياجات الداخلية غير المشبعة.

 

ويعبر الدكتور وصفي عن السلوك المثلي بأنه نوع من الاتصال المادي بصورة القيمة المعنوية لاكتسابها، وهو أسلوب إنساني بدائي فتجد في الممارسات الصوفية صور التمسح والالتصاق بالأيقونات والأعتاب في محاولة لنقل قيمة القداسة، لكنهم يكتشفون في النهاية أنهم كانوا يطلبون السقيا من ماء البحر، فلا تزداد احتياجاتهم إلا جوعًا، ولا يزداد شعورهم بالرفض والخزي إلا اشتعالا، وهناك صورة أخرى أقل شيوعًا وهي الميل المثلي كرد فعل انعكاسي قوي لتجربة صادمة مع الجنس الآخر.

 

يوضح المخطط التالي متصل الميول الجنسية للعالم أ. كنزي، وبضم بحث الرجل الأهم في القضية الد. سبيتزر [٢٠٠٣] وكذلك الخبرة العملية نرى أنه ما لم تكن البنية النفسية الجنسية صلبة في الطفولة، فإن موقعنا على مقياس كنزي غير متصلّب بل قد نتأرجح عليه جيئة وذهابًا، بحسب أفكارنا وسلوكياتنا، والتأثيرات الخارجية التربوية والإعلامية، كما أنه وبحسب سبيتسر الذي رأس لجنة شطب المثلية من قائمة الاضطرابات فإن ”في الجنسيّة المثليّة، شيءٌ ما لا ينجح“.

مثليو المسول

وكثيرًا ما يُطرح السؤال: إذا ما كان التوجه المثلي هو نتاج ضعف بنية الذكورة النفسية، فهل ينطبق ذلك على موجبي الميول المثلية؟

 

يختلف الدور الذي يفضل مثلي الميول لعبه في العلاقة على نوع الذات المزيفة التي كونها لحجب الطفل الداخلي المنكسر، فكما يقول د. نيكولوسي أنه في حين أن المثلي الأقل ذكورة فضل الانفصال عن الذكورة المسيئة وتراجع عن المشهد الذكوري، فإن الأكثر ذكورة استعمل حيلة دفاعية أخرى لإخفاء الإساءة، وهي التوحّد بالذكورة المسيئة كمحاولة للتنمر على الضعف الداخلي، التلبس بقناع ذكوري يحميه.

 

ويوضح ذلك بقوة ما نقله د. كولوسي عن روك هدسون أحد أشهر المعبرين عن هذا النوع حين قال: ”بداخلي طفلة صغيرة“ وهو ما احتفى به د. كولوسي كصرخة وجود من الطفل الداخلي للإعلان عن نفسه.

 

فكرة أخرى خاطئة يتبناها المجتمع العام عن المثلية، وهي أن الميول المثلية نتاج إساءة جنسية في الصغر، ولذلك نجد الرأي القائل: بالتخلص من المثليين نقضي على المثلية!

 

والواقع أن نسبة أصحاب الميول المثلية الذين تعرّضوا لتحرش في الطفولة تتراوح ما بين ٤٥ إلى ٦٠٪ بضم رأي د. نيكولوسي ود. وصفي، ولكن الميول تنتج أصلاً من تربية غير صحية، قد تكون تربية دينية، لكنها غير صحية وسأتناولها في مقالة قادمة إن شاء الله، بالعكس إذا كانت بنية الطفل الذكورية سليمة؛ فإنه قد يفسر التحرش والاعتداء كحادث صادم لا علاقة له بصورته الجنسية، وهو حال أفضل بكثير.

 

وفكرة أخرى خاطئة يتبناها بعض مثليي الميول، وهي أنه ينجذب مثليًا منذ أن وعى الحياة!

 

والحقيقة أن هذه محاولة لتفسير الماضي في ضوء الحاضر، فالذي يذكره هو لهفة الطفل المحب للوالد الغائب – حقيقة أو أثرًا – ثم مرحلة الانجذاب المثلي العاطفي التي يمر بها كل الذكور، وهي المرحلة التي ينساها الذكور بمجرّد تخطيها، لكنه تعثّر فيها وتوقف أطول من اللازم؛ فالطفل لا يولد بميول جنسية وإنما يكتسبها تدريجيًّا.

 

إن الشعور الحاكم على مثليي الميول هو الشعور بالخزي وهو غاية الخجل المعيق عن ممارسة الحياة، فأغلبهم عاش منذ صغره بجوار آلة نقد لاذعة، انتقدت حساسيته، وفنيته، وسكونه وشكله، حتى تملكته تلك الرغبة في الاعتذار عن كل شيء يصدر منه، أو كما قال العملاق في جرين ميل: ”آسف لأنني هكذا!“

 

آسف لأنني مختلف عن صورة الرجل التي تفضلونها، آسف لأنني بينكم دون رغبة منكم، هذا الخزي يعمّق احتياجًا أصيلًا غير مشبع وهو احتياج القبول، الاحتياج لأن يُرى ويُقبل كما هو، ويأتي الجنس ليطرح الحل السحري، فرفقة الأمس التي رفضته قد تقبله اليوم عندما يتنازل عن حق آخر ليس بقوة وأصالة الاحتياج للقبول.

 

يختلف تعامل مثلي الميول مع هذا الشعور بالرفض الذي وصله من النقد الزائد بصورتين، إما المبالغة في الخزي، واعتزال الناس، والبقاء في الظل؛ أو أن يفني نفسه في الاجتهاد للوصول للموقع الذي يجتذب إليه الأضواء التي حُرم من بعضها؛ فقد تجده عالمَ نفسٍ محللًا، أو طبيبًا شهيرًا، أو رئيسًا لواحدة من أكبر الشركات العالمية، ويمكن لهم ذلك بسهولة لأن العقلية المهيأة لتطوير ميول مثلية هي عقلية فنية إبداعية، مختلفة عمن حولهم وهو ما لم ينتبه له المربي في الصغر!

 

تعليق أخير..

وصلني أكثر من اعتراض أنني لم أتناول الحكم الشرعي للسلوك، وقضية الحد وهكذا، لكنني وعلى الرغم من أني أهتم بالجانب المهمل من القضية لستُ أنسى ذلك، ولا ينساه أصدقائي المبتلون بتلك الميول، على الرغم من أن الشيخ جوجل لديه الكثير ليقوله عن ذلك، ولا أعلم شخصًا مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا لا يعرف حرمة الممارسة، حتى وإن برر ذلك بحجج لا تصمد أمام النقاش، ولكن اطمئنوا [قد] أشير لذلك في المقالة القادمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد