“وقتها وحينما كنت صغيرًا، كنت أتمنى لو أن أحدهم قد فهم الشكوك والشعور بالعزلة، وحاول أن يساعدني” هكذا يعبر أحدهم كما ينقل المعالج چيمس دوبسون.

 

تنقسم الإساءات التي نختبرها إلى إساءات سلبية [إساءات بعدم الفعل]، وإساءات إيجابية [إساءات بالفعل]، والكلام عن الإساءات لابد أن يستحضر أن اختبار الإساءة هو تجربة ذاتية بحتة، تختلف آثارها بحسب المرحلة العمرية والبنية الشخصية حين التعرض لها وطريقة استقبال النفس لها، والعوامل المصاحبة لها مثل قيمة المسيء في حياة متلقي الإساءة؛ فعلى سبيل المثال بينما تحدث الإساءة لشاب في العشرينات جرحًا في الشخصية، فإنها في حياة طفل في مرحلة تشكل شخصيته تحدث تشوهًا أو توقفًا في البناء النفسي، وما يعتبره البعض إساءة قد يعتبره آخرون صدمة أصيلة في النفس، وتكلمنا في المقالتين السابقتين بشكل مجمل عن جذور اضطراب المثلية، وفي هذا المقال نتناول أهم العوامل التي تلعب دورًا مباشرًا في تطوير ميول مثلية لدى الطفل الذكر بشكل خاص، مع الإشارة لحالة الفتيات عند الإمكان.

 

التوق إلى الأبوّة/ الأمومة

يحتاج الطفل إلى الاتصال العميق مع قيمة الأبوة من الوالد أو من قام مقامه، قيمة الأبوة الوجدانية في مقابل السيطرة، الحضن الآمن، والتواصل الفعال، وعند عدم تسديد هذا الاحتياج سنجد تشوهًا في شخصية الطفل بحسب طبيعته [انطوائي/ منبسط]، وعند غياب دور الوالد الآمن أو من يقوم مقامه، فعليًا نتيجة سفره أو وفاته، أو وجدانيًا وهو الأقسى، بأن يكون مُنشغلًا عن الطفل، أو غير مُتاح عاطفيًّا لابنه، ينتج عن ذلك مشاعر من التوق للاحتواء والأمان، والعكس من الطفلة فتذكر إحدى مثليات الميول أن انكسار العلاقة بينها وبين أمها كان حين سافرت أمها وتركتها لدى جدتها بدون تهيئتها لذلك فاستقبلت ذلك على أنها ليست ذات قيمة لدى والدتها، وهذا العامل يظهر فيه بقوّة مفهوم الانفصال الدفاعي، تقول هاملتون: بالنسبة للطفل الذكر، فهنا ينبغي النظر إلى خطورة المرحلة التي يسميها د. نيكولوسي رحلة الإنجاز، وهي الخروج من الأنوثة التي ولد ونما فيها والخروج إلى الذكورة التي يمثلها له الوالد، لابد هنا أن تكون الأبوة آمنة ومشجعة له على ترك الأم والالتصاق به.

 

الصورة الذاتية والشعور بالدونية

يبدأ الطفل في تكوين صورته الذاتية عن نفسه منذ الساعات الأولى لولادته خلال احتكاكه ببيئة التربية، بينما تتشكل الهوية الجنسية من سن سنتين إلى ثلاث سنوات، لكن الرجولة ليست في الهوية الجنسية فقط، وإنما أيضًا في مجموعة الصفات المميزة التي يكتسبها من الخبرات المبكرة؛ الإساءة هنا قد تتمثل في الأم غير الراغبة في جنس الطفل فتقوم بمعاملته على أنه من الجنس الأخر، فتكسي الطفل الذكر ملابس الفتيات والعكس، أو تقبل ذلك السلوك منه إذا وقع، ويضاف لذلك رسائل الإساءة من الوالد ”أنت بتاع أمك، بنوتة ماما، استرجل“، والتعيير بصفات جسدية كالطول واللون والوزن، أو اتباع أسلوب ضار جدًا بنفسية الطفل وهو مقارنته بأقرانه وتفضيلهم عليه، ما ينتج عنه بناءه لصورة نمطية للرجل المثالي مبنية على الصفات التي لطالما انتقده المربيان لفقده لها، لابد من استحضار أن هذا النمط المسيء يبني صفات الخزي والضعف والدونية في مقابل الصفات المميزة للرجولة من الثقة والجرأة والشجاعة!

 

الأم المسيطرة

والتي تحاول بشكل واعٍ أو لا واعٍ ترويض الطفل، وسلبه من صفاته الذكورية، لتحويله إلى شكل أقل إزعاجًا، وهنا لا بد أن يتدخل الوالد لصف الطفل ويسمح له بقواعد يمكنه كسرها، فيروي د. وصفي عن عماد الشاب الذي أسقطت فيه والدته آمالها غير المتحققة بإنجاب طفلة؛ حيث قامت بترويضه للقيام “بما ينبغي” من الذوق، والأسلوب “المقبول”، وهاهو ينكر مثلها على أخيه ووالده أسلوبهما في تناول الطعام والشراب.

 

التنمر

في الطفولة يرغب بعض الذكور في بسط نفوذهم وسيطرتهم على بقية الأقران، يشجع ذلك البيئات غير الصحية، التي لا تظهر فيها الأدوار بوضوح، ويغيب نمط توزيع السلطة بين الوالدين والأخوة الأكبر في الأسرة كمثال، أما البيئة الآمنة هي التي تحمي أفرادها من غريزة التنمر لدى بعض أفرادها، وقد يحدث التنمر من الأخ الأكبر أو زميل الفصل، وهو ما ينتج عنه شعور بالتوجس والتوتر من الذكور يمنع من الاتصال العميق بهم، وهو احتياج أصيل لبناء الذكورة، لأن الطفل لن ينجذب للجنس الآخر وهو يشعر بأنه ليس منسجمًا بين أفراد جنسه، فحقيقة الانجذاب هي الغموض والتوتر، فنحن نطمأن بين أفراد جنسنا، ونشعر بالتوتر من الجنس الآخر، فلو كان التوجّس والتوتر تجاه أفراد جنسي، بينما استقبل أفراد الجنس الآخر كبيئة آمنة ومطمئنة، هنا قد تنعكس الميول.

 

الرفض

وهو الشعور بعدم التوافق والانسجام، أو عدم القبول داخل بيئة الأقران، وهذا العامل يعتمد مدى تأثيره على مدى صلابة البنية النفسية الذكورية للطفل، والتي تكونت في فترات مبكرة من التربية، وهذا الرفض قد يتمثل في رفض رفقة الذكور للطفل للعب بينهم، لعدم رغبته في الألعاب الخشنة وألعاب الالتحام، وقد يأتي الرفض من الجنس الآخر في صورة إساءة وجدانية أو جسدية من الأم، أو خوض تجربة عاطفية فاشلة في فترة مبكرة من النضج النفسي، ويمكن للمربي الواعي أن يوفّر لابنه ألعابًا ذكورية تتوافق مع طباعه، بينما في الفتيات قد تُظهر الفتاة بعض الصفات الخشنة، وتكون رسالة الإساءة من الوالدين بأنها ليست مقبولة كأنثى بهذه الصفات، وهنا يمثل الرفض خبرة مسيئة وكأن الطفل يرغب بميوله المثلية اتخاذ قرار لا واعٍ باستبطان رؤية الآخرين له.

 

اللمس غير الآمن (التحرش)

توجد حادثة تحرش أو أكثر لدى ٤٥: ٦٠٪ من الأفراد مثليي الميول، بعض الأفراد لا يذكرون وقوع تحرّشات جنسية في الصغر، قد يكون ذلك لحدوثها في مرحلة مبكرة جدًا، أو لكونها صادمة لدرجة إسقاطها من الوعي كحيلة دفاعية، بعض الأشخاص استعاد ذواكر للاعتداء الجنسي بعد اجتياز مرحلة مبدأية من التعافي، والبعض الآخر تذكرها بعد اعتراف المعتدي أو انكشاف أمره، وآخرون في ظروف أخرى، وهنا يمثل الاعتداء الجنسي خبرة صادمة للهوية الجنسية من جهة، ومن جهة أخرى يرى تيو ڤان أن الاتصال الجنسي المبكر يحبط قوى الاستقلال النفسي الناشئة في الطفل بقيود من الاعتمادية والخزي والخوف.

قد يقوم المعتدى عليه بممارسة الاعتداء على شخص كمحاولة لاستعادة السيطرة، أو إعادة إحياء الصدمة من منظور أقل ألمًا تحت تأثير التوحّد مع المُعتدي، وهو اضطراب مستقل بذاته، حيث يشعر الفرد أن ممارسته للفعل مع شخص آخر ترد إليه جُزءًا من سيطرته التي اختبر فقدانها ساعة الاعتداء.

ويُمكن استدراك أثر الاعتداء بثقة متبادلة بين الطفل المعتدى عليه ووالديه لخفض حالة الخزي والخوف لديه، وتوصيل رسائل تأكيدية أنه ليس محل لوم؛ فالطفل وإن تقبل السلوك لأنه خارج عمر الرشد واحتياجه للاحتواء والحب وليس للإساءة والاعتداء، واستعادة كرامته بمواجهة الفاعل وتأكيد حق الطفل أمامه، والإسراع بطلب مساعدة متخصص نفسي.

 

المواد الإباحية

٧٪ من مثليي الميول يؤكدون أن الاطلاع على مواد إباحية مثلية أثارت مشاعر وأفكار لم تكن لديهم من قبل، ويروي أحدهم أنه قبل مشاهدته للمقاطع الإباحية والتي كانت بدافع الفضول كان يختبر مشاعر غيرية/ سوية بشكل طبيعي، ويمكن تفسير ذلك بكون الاطلاع على مواد إباحية مثلية يؤدي إلى إحداث دائرة جديدة في مركز اللذة بالدماغ، يمثل فيها المحتوى والسلوك المثلي مُثير شرطي جديد، طبقًا لقانون التشريط الاعتيادي.

 

خاتمة

العوامل السابقة قمت بجمعها من شهادات متعافين من المثلية، ومعالجين، وآخرين لا يزالون في عمق التجربة، وهي تجتمع في كونها الإساءات الأبرز التي ينبغي الانتباه لها عند التعرض بسبل الشفاء أو الوقاية من المثلية، وسأخصص بندًا في نهاية السلسلة للمراجع والقراءات الإضافية التي قد يحتاجها المختصون للخوض في المسألة بشكل أعمق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد