لا تخلو حياة البشر بشكل عام، والمختبرين بالميول المثلية بشكل خاص من جروح نفسيّة، الجروح التي تختلف في عمقها ومدى التهابها، وهذه الجروح تتنوع ما بين الجروح السلبية (بالإهمال من الأب أو من يمثله، أو بالرفض من رفقة الطفولة، أو كليهما) وما بين الجروح الإيجابية (بالإساءة اللفظية أو الجسدية أو المعنوية من الوالد بشكل لا يصبح معه مصدرًا ءامنًا للاتحاد به لتشرب الذكورة، أو بالإساءة من الأم بالسيطرة والترويض، أو بالإساءة الجنسية بكافة درجاتها بدءًا من الإساءة اللفظية وصولًا للاعتداء الكامل).

هذه الجروح تمثل قيودًا نفسية تسجن الطفل النفسي في المرحلة التي وقعت له فيها الإساءة الأشد وقعًا عليه، ولذلك فلابد من التعامل مع الإساءات بشكل جدي لتحرير الطفل المسجون فيها، وتشبه تلك الإساءات القديمة جرحًا يملؤه القيح، والتي قد نكون قد أسقطناها من الوعي لشدة ألمها، ولذلك ينبغي أن يتم فتحها بين يدي طبيب وبعد شوط من التعافي لأنها تولّد ألمًا حقيقيًا، وكما يقول هنري نوين بأنه لابد أن تصبر له حتى يحل في قلبك ليشفيه، وكن على يقين بأن قلبك أقوى من ألمك، ويسميه أستاذنا رفعت محفوظ بألم الشفاء.

 

التعافي من الإساءة الجنسية

تُعد الإساءة الجنسية أحد أهم عوامل تطوير المثلية، وباختلاف الشخص المسيء واستقبال الشخص للإساءة تختلف صورة الاضطراب الناتج، إن الإساءة الجنسية تمثل صدمة للذكورة الناشئة، والشفاء من الإساءة الجنسية أمر في غاية الأهمية ليس لمثليي الميول فقط وإنما لكل من تعرّض لها.

 

التصالح مع الماضي

لا يعني التصالح مع الماضي الرضا به، ولكن قبوله كواقع لا يمكن تغييره، فكثيرًا ما يميل المساء إليهم إلى أحلام اليقظة التي يستعيدون فيها الماضي بشكل أفضل، مثل هذه المحاولات هي أماني سحرية لا تجد لها سبيلًا في الواقع، بل تمنع من العبور للمستقبل، نحتاج إذًا أن نقبل الماضي كما هو، وحينها ستنكشف لنا زوايا لم نكن نراها فيه، فأغلب المتعافين من الإساءات قد انخرطوا في أعمال المشورة والتكافل والتراحم، فقد أصبح الماضي الأليم مفجرًا لينبوع صاف من الإنسانية والرحمة.

 

تحرير المشاعر – البوح والنوح

إن الإساءات تستمد جانبًا كبيرًا من قوتها بمشاعر قوية، تمثل لها وقود البقاء، وهذه المشاعر تحتاج للتحرير، وقد يمنعنا من ذلك شعورنا بأن البوح بمشاعر الغصة والألم من الوالدين هي خيانة لذكراهم، أو يمنعنا من ذلك الخزي والخجل، لكنها مرحلة محورية في الشفاء، فمواقف الإساءة تمثّل مواقفَ غير منتهية، وفي أحيان كثيرة تصبح سلوكياتنا موجهة بها بلا وعي، فقد نميل لتكرارها في محاولة للعب دورٍ أفضل فيها، وقد نظل مسجونين بداخلها مطلقًا، هنا يمثل البوح كسرًا لسلطة الإساءات علينا، ويمثل النوح قبولًا لواقع الإساءة، ومعايشة ألم الفقد.

 

رؤية جديدة لأنفسنا

أن نرى أنفسنا بصورة جديدة، نحن مكرمون من الله، ومخلوقون على صورته، أي كرامة أعظم من هذه؟! ولكن البيئة المسيئة تزعزع ثقتنا بهذه القيمة، ولكي يتم التعافي لابد أن نستعيد قيمتنا في أنفسنا بتذكر صورتنا في عين الله، الإله العطوف الرحيم، ثم بالتواجد داخل بيئة مساندة صحية – سنتكلم عنها بالأسفل – نختبر داخلها القبول غير المشروط، ويسدد داخلها احتياج “الشَوَفان” أن نكون منظورين باحترام من الآخرين.

إن الصوت الداخلي المتردد بأننا لسنا منظورين من الله، وغير مستحقين للطفه ورحمته، والذي قد نفسره أحيانًا أنه مزيد تديّن، ليس سوى صدى رسائل الرفض وعدم الاستحقاق التي حصلنا عليها في الطفولة، سواء كان من البيئة المسيئة بشكل عام، أو من الإساءة الجنسيّة بشكل خاص، إذ أن “الانتهاك ينقل للطفل رسالة خزي وعار، رسالة مفادها أنه ليس كالآخرين، ولا يستحق الحب والتقدير والاحترام”.

 

الغفران

أول من يحتاج للغفران هو أنت، أن تغفر لنفسك أنك لم تقاوم، فقواك كطفل لم تكن مكافئة للمعتدي، وأن تغفر لنفسك أنك قد قبلت أو تماديت فالإساءة الخبيثة المتسترة في لمسات الحنان وأساليب الاستدراج قد خدعت طفولتك، فأنت كطفل في احتياج حقيقي لمشاعر الاحتواء والعطف، لكن ذلك ليس مبررًا للإساءة إليك، أنت رغبت في الجانب اللامع من الإساءة فقط، وأن تغفر لنفسك إن كنت استمتعت بالإساءة، فجسدك لم يخنك، وإنما كانت استجابة طبيعية لما حدث. هذه هي المرحلة المحورية في الغفران، وجّه غضبك للمسيء وليس لطفلك الداخلي، وبالعكس قم باحتضان ذلك الطفل الخائف داخلك، وأخبره أنك بجانبه وأنه لا بأس عليه بعد اليوم!

هناك اتفاق أنه متى تمت ممارسة الغفران بشكل صحّي فإن له أثره الإيجابي جدًا في إتمام عملية الشفاء، ولكن الاختلاف في ضرورته فيرى مؤلفا بداية الرحلة أن ممارسة الغفران ليست ضرورية إذا كان الناجي غير محتمل لها، بينما يرى تيو ڤان درفيل ضرورتها، ورأيي الشخصي أنه لا ينبغي مناقشة مسألة الغفران قبل تجاوز مرحلة كافية من العلاج لأنه قد يسبب نكئًا للجروح القديمة، ومن ثم يمكن ممارستها على خطوتين؛ الأولى هي التأجيل أو الهدنة، والثانية هي الغفران التام، وأعني بالهدنة تأجيل المطالبة والاطمئنان إلى عدل الله وحكمته، وأنه لن يخلي الله ساحته حتى يتم العفو من المساء إليه أولًا، ثم مناقشة الغفران الصحي والمنطقي في مرحلة لاحقة أو عدم مناقشته حسب الطاقة.

 

التواجد داخل مجموعة مساندة/ مجتمع آمن

فكما تقول أدبيات زمالات المدمنين المجهولين “لا أحد قادر على التعافي بمفرده، ونحن لا نناقش ذلك؛ إنها الحقيقة ببساطة”، مشاركة الآخرين بالمشاعر الداخلية يخرجها من ظلمة العزلة إلى نور المجموع، “فعندما نرى أولئك الذين يشاركوننا المعاناة يتقدمون في الطريق، فنحن نكتسب القوة والإرادة أن نسلك مثلهم”، داخل مجموعة المساندة يتشارك أفرادها احتياجاتهم، “يقدرون كم البهجة والفرحة داخلك إن بقيت ممتنعًا ليوم آخر”، “لا مجال بيننا للشعور بالخزي، فجميعنا مر بنفس المعاناة من قبل، ونعرف جيدًا كيف تشعر حيالها”! ومجموعات المساندة يقدمها العديد من المعالجين النفسانيين في مصر، مع اختلاف مدارس المشاركة، وتقدمها أيضًا زمالة مدمني الجنس المجهولين.

تحقيق التواصل

الجنسية المثلية في حقيقتها – كما بينت في المقالة السابقة – هي نوع انفصال، انفصال عن الطفل الداخلي وتجاهل لآلامه ومشاعره، وانفصال عن القيمة الأبوية ومنها العلاقة مع الله لأنها تمثل بشكل ما انعكاسًا للعلاقة المشوّهة مع الأب، وانفصالًا عن المجتمع النوعي الذين ينتمي إليهم [الذكور أم الإناث]، فطريق التعافي لابد أن يمر بمرحلة إعادة بناء التواصل من جديد، فالتواصل مع الطفل الداخلي عن طريق تبني الأب الداخلي له، السماح له بالبوح عن آلامه، والنوح على فقده، النوح الذي يجتر الآلام المدفونة عميقًا في النفس، توصيل رسالة من الوالد الداخلي لذلك الطفل مفادها: “لا بأس، أنا معك، أسمعك وأشعر بك، ستكون على ما يرام”.

ويتم ذلك عبر تقنيات تحرير المشاعر المختلفة، بالرسم والمشاركة داخل المجموعة، وتدريبات شفاء الطفل الداخلي، وتحقيق التواصل مع القيمة الأبوية مع الأب عن طريق فهم البناء الداخلي الهش للأب نفسه والذي جعله يفشل في التواصل مع ابنه، وبالتوازي بناء علاقة شافية مع الله قائمة على الروحانية أكثر من التدين، مبنية على العلاقة المعنوية أكثر من الطقوس الخارجية، وممارسة البوح والنوح مع الله، والتواصل مع الذكور بالتدريب على معاني وبنية العلاقات الصحية، وببناء علاقات عميقة مع الغير، مفادها القبول غير المشروط من الطرفين، وقد ييسر ذلك العبادات الجماعية، والألعاب الجماعية كما شرحت من قبل، والتدريب على مهارات توكيد الحقوق واحترام الحدود الصحية في العلاقات.

 

ليس خطأك

بعض المعتدين يستعمل ألفاظًا مثل: “تعرف أنك استمتعت بالأمر!” كمحاولة لتحميل الضحية عبء المشاركة في الفعل، وأولئك الذين تعرّضوا لمثل هذا يجدون صعوبة في قبول رؤية النفس، بل يحملون مشاعر عميقة من الخزي والإساءة، فإن كنت تعرّضت لذلك، فاعلم أن جسدك لم يخنك، وما حدث هو استجابة طبيعية من جسدك لمحاولة استثارته، وتذكر أن البوح بتلك الذكريات والمشاركة يفرغ الكثير من مشاعر الألم وتفتح لك حياة جديدة.

لست وحدك

صعبًا أن يعترف الرجل بتعرّضه للإساءة الجنسية، لكن اعلم أنك لست وحدك من تعرّض لذلك، الكثير من الرجال تعرّضوا للإساءة والتحرّش الجنسي، وتشير الإحصائيات الأميركية الرسمية المنشورة على مركز التوعية إلى أن نسبة ٩-١٠٪ من ضحايا الاعتداءات الجنسية هم من الرجال، ويرى المركز أنه بإضافة الحالات التي لم يتم الإبلاغ عنها فإن العدد سيرتفع من ١٢ ألف حالة سنوية إلى 60 ألف حالة، وسيتضاعف بشكل مطرد لو أضفنا الاعتداءات تحت سن الـ١٢ إذ يرى المركز أن ذروة الاعتداءات تحدث حول سن الرابعة [١، ٢]، واعلم أن نسبة ١٦٪ من الرجال قد تعرضوا لإساءة جنسية على اختلاف درجتها قبل سن الثمانية عشرة [٣]، فتوقّف عن لوم لنفسك، توقف عن حمل إرث الماضي، فبيدك أن تظل سجينًا في قبضة الماضي أو أن تكتب صفحة جديدة للبطولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- US Department of justice, 1994; TAAS 2014.
2- US Department of justice, 1994.
3- US CDC, 2005.
عرض التعليقات
تحميل المزيد