تاريخ طويل

تتربع تلك المدينة الهادئة على ضفاف العاصي في وسط سوريا. تأسست في الألف الثالث قبل الميلاد وهي إحدى المدن التي أنشأها السريان الأراميين واستوطنوا بها كدمشق وحماة. قوي مركزها في القرن الرابع للميلاد حيث دعمها السلوقيون اليونان وعند دخولهم اسموها (أميسا). خلال عهد الإمبراطوربة الرومامية استطاعت ابنة أحد الكهنة أن تسرق قلب الإمبراطور الروماني سيفيروس لتؤسس سلالة حمصية حكمت روما على ما يزيد عن أربعة عقود.

تتبع لهذه المدينة إداريا التي تعتبر مركز محافظة حمص أكبر محافظة في سوريا مساحة، مدينة تدمر التي تسمى عروس الصحراء فهي لا تزال تحتفظ بأثارها الشامخة وأهمها قوس النصر. حكمت تلك المدينة في القرن الثالث للميلاد ملكة اسمها زنوبيا تمردت على الرومان واستطاعت حكم كامل بلاد الشام ومصر وصولا إلى وسط الأناضول شمالا، مستقلة بذلك بنفوذها عنهم مما دعاهم إلى محاربتها بجل قوتهم والقضاء عليها أخيرا حيث قيدها الإمبراطور الروماني حينها بسلاسل من ذهب في موكب يتقدمه هو في ساحات روما كي يعيد هيبة الإمبراطورية الرومانية. في القرن الخامس الميلادي بدأ انتشار المسيحية في المدينة وبنيت العديد من الكنائس أشهرها على الإطلاق كنيسة أم الزنار الموجودة حاليًا والتي يقال إنها تحتفظ بزنار السيدة مريم العذراء.

الفتح العربي الإسلامي

خلال الفتح العربي الإسلامي استقر بها عدد من الصحابة وخاصة من الأنصار والصحابي الجليل خالد بن الوليد اختار أن يعيش بها أواخر حياته، حتى إن قبره يوجد هناك في مسجد يحمل اسمه وسط مدينة حمص، وخلال عهد الخلافة الراشدة كان أغلب أمراء المدينة من الأنصار، وعند بدء الفتنة الكبرى يقال إن أغلب أهل المدينة اختاروا الوقوف إلى جانب علي ضد معاوية، مما أدى إلى عزل واليها من الأنصار وتهميشها خلال استباب الحكم الأموي، وفي العهد العباسي أصبحت من أكبر مدن سوريا ثم شهدت فترات من التدهور والانتعاش قي عهد ضعف الدولة العباسية. أصبح للمدينة مدينة توأم تقابلها في الأندلس كغالب المدن الشامية وهي إشبيلية فكانت تكنى بحمص الأندلس للشبه الكائن بينهما حينها، حيث إن أغلب من نزل واستقر بها هم جنود شاميون من مدينة حمص.

كتب عنها بعض المؤرخين الذين زاروها في تلك الفترات، فكتب الجغرافي العربي اليعقوبي في عام 891، أن حمص واحدة من أكبر مدن سوريا، ولها أراض خصبة محيطة بها.

الجغرافي العربي الثاني الذي زار حمص خلال تلك الفترة هو المسعودي مع بداية القرن العاشر، وقد كتب أنه أحب المدينة جدًا «لجمالها ولجمال سكانها». في عام 985 كتب الرحالة المقدسي الذي زار حمص أنها أكبر مدينة في سوريا، لكنها كما جاء في روايته تعاني من «سوء الحظ» و«التهديد بالخراب» يعود ذلك بسبب رئيسي لتهالك الدولة العباسية وعجزها عن الدفاع عن حدودها في تلك الفترة.

في عام 1154 زار الإدريسي وهو رحالة وجغرافي شهير في زمانه المدينة، وكتب أن لحمص عددًا كبيرًا من السكان، وأن شوارعها مرصوفة وأسواقها غنيّة ودومًا مفتوحة، وأن فيها واحدًا من أكبر المساجد في سوريا؛في عام 1225 يقدم لنا ياقوت الحموي وصفًا لمدينة حمص، بكونها مدينة كبيرة ذات قلعة محصنة بشدّة، وسور قوي.

خلال الاجتياح المغولي دخل المغول إلى جميع مدن الداخل الشامي عدا حمص، حيث يقال إن المغول قبل وصولهم لحمص احتار أهلها ما يقومون به كي يتفادوا الموت القادم من الشرق، خاصة بعد دمار بغداد وحلب وماردين وأورفة وتحولها إلى شبه ركام ورماد، فلجؤوا إلى حيلة ألا وهي ادعاء الجنون وأنه مرض يصيب بالعدوى فمن يشرب من ماء العاصي يصبح مجنونا وعندما اقترب المغول من حمص رأوا أهلها يمشون في الشوارع وقد لونوا وجوههم وارتدوا ثيابا مرقعة و يقرعون بالطبول والادوات المنزلية فأصيب المغول بالذهول وصدقوا أن سكان المدينة فعلا مجانين، وفي حال الاقتراب منهم سيصابون بدورهم بالجنون، فقرروا تركها وكان ذلك اليوم هو يوم الأربعاء، ومنذ ذلك اليوم أصبح يسمى عيد المجانين الذي يختص به أهل حمص وهو في الحقيقة كناية عن ذكاء!

العصر الحديث

خلال العهد العثماني تطورت المدينة في القرنين الأخيرين، لكنها عانت من هجمات البدو خاصة على أسواقها حيث يقومون بالسلب والنهب فقديما كان للمدينة سبعة ابواب هي باب الدريب وباب هود وباب السباع وباب تدمر وباب التركمان والباب المسدود كي تحمي المدينة من الغزاة واللصوص.

عند انهيار الدولة العثمانية وانسحابها من حمص، دخلت المدينة ككامل سوريا تحت عهد الانتداب الفرنسي. ظهر في المدينة العديد من المثقفين والأدباء كأمين الجندي ونسيب عريضة ويوسف الخال والطيب تيزيني وفراس السواح وبرهان غليون ومالك الجندلي وعمر الفرا وثلاث رؤساء للجمهورية من آل الأتاسي أحد أكبر عائلات المدينة وهم هاشم الأتاسي ولؤي الأتاسي ونور الدين الأتاسي والسياسي رياض الترك ومؤسس شركة أبل ستيف جونز تعود أصوله إلى حمص.

الوقت الحاضر

هي ثالث أكبر مدينة في سوريا بعد دمشق وحلب، وتضم خليطًا من كافة الطوائف والقوميات تقريبا التي تشكل الفسيفساء السورية من المسلمين إلى المسيحيين الذين تعد منطقة وادي النضارة أو النصارى سابقا أكبر تجمع لهم غربي حمص، إضافة إلى التركمان والشركس وبعض من هم من اصول كردية. فبالإضافة إلى احتوائها على أكبر مقبرة للصحابة والتابعين بعد البقيع في المدينة المنورة (مقبرة الكتيب) يوجد بها أكبر نسبة من التركمان في سوريا، وبذلك تكون المدينة قد جمعت المجدين بين أحفاد الصحابة وأحفاد العثمانيين.

يوجد في منطقة السوق في قلب المدينة ساعتان، قديمة وجديدة، يفصل بينهما شارع يسمى شارع شكري القوتلي والساعة الجديدة كانت عبارة عن تبرع من إحدى بنات المدينة المغتربات في أمريكا الجنوبية تدعى كرجية حداد.

هناك مثل قائل في سوريا «الشام بمصرياتها (أموالها) وحلب لأكلاتها وحمص ببناتها» لعله يقصد به أن العاصمة تسيطر على اقتصاد البلد، أما حلب فمشهورة بأكلاتها وتنوع مطبخها، حيث لأهلها ذوق خاص في الأطعمة، أما حمص لما تتمتع به بناتها من حسن حفظهم الله من كل سوء.

أيضًا سأنقل لكم عجائب حمص الثمانية المتداولة والشائعة عن حمص:

1- المغول: لم يدخل المغول مدينة حمص على عكس باقي المدن السورية وغيرها من مدن الشرق.

2- اليهود: لم يعش أي يهودي على أرض مدينة حمص لا قديمًا ولا حديثًا

3- العقارب: لا يمكن للعقارب أن تعيش على أرض حمص، لأن نسبة الزئبق في التربة عالية

4- العاصي: تنبع غالبية الأنهار من الشمال إلى الجنوب حسب الجاذبية الأرضية، ولكن العاصي ينبع من الجنوب باتجاه الشمال

5- الأوقية: معروف أن الأوقية تمثل 200 ج إلا أن الأوقية الحمصية 250 ج.

6- الرطل: معروف أن الرطل يمثل بحدود 435 ج إلا أن الرطل الحمصي 3 كيلو جرام للأسف.

7- خميس الحلاوة: عادة ما تزال متبعة لدى الحمصيين منذ مئات السنين وتكون المناسبة عادة في الخميس الأول من نيسان حيث يقوم الناس بزيارة القبور وشراء وتوزيع مختلف أنواع الحلاوة.

8- التسول: تكاد تخلو مدينة حمص من المتسولين فعلاً ويرجع ذلك إلى جهود أهل الخير وجهود جمعية البر والخدمات الاجتماعية.

أحب أن أنوه أن خميس الحلاوة يسمى أحيانا خميس الأموات أو عيد الحلاوة كما ذكر يشتري خلاله الحماصنة مختلف أنواع الحلاوة من الخبزية إلى البشمينة إلى السمسمية…إلخ وغيرها من أنواع الحلاوة التي يجهلها الكثيرون خارج حمص، وتشتهر حمص بصناعة الحلويات بشكل عام كحلاوة الجبن على سبيل المثال.لحمص ألقاب كثيرة، كجارة العاصي ومدينة ابن الوليد وأم الحجارة السود وعاصمة النكتة ويرجع اللقب الأخير إلى أن مدينة حمص هي المدينة التي تخرج منها النكات لتوزع إلى كافة أنحاء سوريا، فمعروف عن الحماصنة خفة دمهم وروح النكتة لديهم فهم يطلقون النكات على أنفسهم قبل غيرهم. هذه النكات غالبا ما تظهر الحمصي كساذج لكن الحماصنة يقولون إنها تعبر عن ذكاء من يؤلفها ووهم الحماصنة الذين يرسمون الضحكة على وجوه باقي أبناء بلدهم.تمر حمص في الوقت الحاضر بوقت عصيب؛ حيث تعرض جزء منها لدمار كبير وتشرد الكثير من أهلها في بقاع الأرض في المحافظات الأخرى والدول المجاورة ودول الخليج وأوروبا والمهجر، سائلين المولى عز وجل أن يعيدها ويعيد أهلها كما كانت عاصمة النكتة ومدينة الضحكة وكي تمارس دورها الحضاري المعهود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد