هذه المقولة تنسب لعيسى عليه السلام عندما نادى في الحواريين موصيًا لهم بأن يحافظوا على صلاحهم وقدوتهم للناس، لأنهم إن فسدوا فلن يجد الناس من يرشدهم ويساعدهم على الصلاح، مُشبهًا إياهم بالملح الذي يُصلح الطعام، فإن فسد الملح فلا سبيل لإصلاح الطعام.

لقد كان للطلبة على مدار تاريخ ثورتنا المجيدة؛ عظيمُ الأثر في تدعيم مسيرة التحرير والتنوير، إذ جمعوا بين الجهادين: جهاد العلم والوعي والاستبسال في معمعة الكفاح والقتال، فبعد مرور قرابة تسعة أشهر على اندلاع الثورة التحريرية المباركة في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954، وبالضبط في 4 يوليو (تموز) 1955، تأسس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الذي اتخذ محورًا رئيسًا لكفاحه وهو ربط مصير المثقف الجزائري بمصير شعبه المكافح بحيث تزول كل الفوارق التي وضعتها الهيآت التعليمية الفرنسية – ضرورة تحمل الطالب الجزائري لمسؤولياته التاريخية والحضارية تجاه نضال شعبه ودحض الدعاية الفرنسية، القائلة إن الثورة الجزائرية ما هي إلا عمل زمرة من اللصوص وقطاع الطرق، أو أنها من إيحاءٍ خارجي يزعزعة الاستقرار الفرنسي في شمال أفريقية. ومن المؤسسين الأوائل لهذا الاتحاد؛ الطلبة الآتية أسماؤهم: عبد السلام بلعيد، أحمد طالب الإبراهيمي، محمد بن يحى، عيسى مسعودي، محمد منور مروش، عبد الحميد مهري، ومن الطلبة الذين استشهدوا فيما بعد: طالب عبد الرحمن، بن زرجب، ابن بعطوش، عمارة لونيس محمد رحمهم الله.

وفي عقر دار المحتل في باريس، عقد الاتحاد في مارس  (آذار) 1956 مؤتمره الثاني، وخرج المؤتمرون بعدة قرارات أهمها: الموقف الجلي من الثورة التحريرية ونضال الجزائريين، إذ طالبوا باستقلال الجزائر غير المشروط، وطلبوا من الحكومة الفرنسية أن تفتح باب المفاوضات مع جبهة التحرير الوطني. فباشرت وزارة الداخلية الفرنسية حملة اعتقالات وإجراءات تعسفية على قيادات الاتحاد وجموع الطلبة الجزائريين المتواجدين على التراب الفرنسي قصد التضييق والتخويف، وردًا على هذه الإجراءات قرر الطلبة الجزائريون رفع التحدي في وجه الآلة الاستدمارية، فكان قرار الإضراب العام عن الدراسة في 19 مايو (أيار) 1956 الذي أثار إعجاب المثقفين والمتضامنين عبر العالم، وهو حدثٌ أظهر استعداد الطالب الجزائري لدخول غمار الكفاح المسلح وحمل هموم القضية الوطنية التحريرية، وبدأ بعدها التحاق الطلبة بالجبال جماعات وفرادى بعد حملات التصفية والاعتقالات التي باشرتها قوات العدو، كاغتيال طالب عبد الرحمان وزدور بلقاسم وإعدام الكاتب أحمد رضا حوحو دون محاكمة، فاستفادت الثورة من دماء جديدة وليساهم فيها الطلبة بتخصصاتهم المختلفة وهذا ما أعطاها زخمًا مغايرًا.

ويمكننا أن نسجل ملاحظات هامة حول موقف الطلبة إبان ثورة التحريرية، أهمها:

1- الوعي العميق للطلبة بأبعاد الأزمة الوطنية وهو ما تمثل في سرعة استجابتهم لنداء الوطن.

2- إحساس الطلبة بمسؤوليتهم الحضارية والوطنية المزدوجة من خلال حرصهم على التسلح بالمعرفة والعلم وهما ركيزة الوعي السياسي، والتحاقهم بالثورة المسلحة والنضال الميداني.

3- الوعي التنظيمي والذي تمثل في التنظيم والهيكلة المحكمة للجهود والمساعي النضالية للطلبة، من خلال إنشائهم للاتحاد العام للطلبة المسلمين كحاضنة تنظيمية هدفها تنسيق الجهود والأفكار ورسم معالم النضال المستقبلي.

4- إن مساهمة الطلبة في الثورة التحريرية كانت مساهمة نوعية تمثلت في توظيف توجهاتهم العلمية المختلفة في خدمة الثورة كلٌّ بحسب اختصاصه.

5- إن الشباب المتعلم والواعي هو عماد أي حركيّة ثورية نحو الاستقلال والبناء والتغيير، وهنا نستحضر قول الشاعر:

إن الشباب إذا سما بطموحه … جعل النجوم مَوَاطِئَ الأقدام

ولا يزال الطالب عضوا مهما في الجماعة الوطنية ليواصل مسيرة التغيير والبناء، ونَهْلِ المعرفة والسمو في مدارج التمكين والإرتقاء، والتميّز في المحافل الوطنية والدولية، فكم من جامعات دولية ضمّت بين جوانحها خلاصة عباقرة الطلبة الجزائريين خريجي الجامعات الوطنية، الذين أثبتوا مهاراتهم وإبداعاتهم وعبقرياتهم في شتى التخصصات، وكوّنوا القاعدة المعرفية الصلبة لبناء الدول المتحضرة وازدهارها. وصدق فيهم ما قاله الشاعر:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم … لم بُيْنَ ملك على جهل وإقلالِ

وفي الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير (شباط) 2019 لم يَتَلَكّأ الطلبة عن اللحاق بركاب الجماهير الشعبية المطالبة بالتغيير والإصلاح، وبدا دورهم بارزًا في المسيرات والنشاطات والشعارات التي رفعوها، والتي أبانت عن نضج ووعي عميق بالأزمة ومآلاتها، فعبروا بكل شجاعة عن طموحاتهم المستقبلية المشروعة، بجزائر عصرية أكثر ازدهارًا وتقدما تستوعب وترعى آمالهم وأمانيهم الجامحة، وآفاقهم المعانقة لسماء السؤدد والمجد.

إلا أن جدلا ثار ولا يزال بين كثير من المهتمين؛ حول اختيار طريقة الاحتجاج ضد النظام الفاسد، وهي الإضراب من خلال الانقطاع الكامل عن الدراسة إلى غاية تحقق المطالب الشعبية، ورغم أن هذا الأسلوب يعبر عن استعداد عميق للتضحية ونية صادقة للافتداء لصالح القضية الوطنية، غير أنني وددت أن أضع شيئًا من تجربتي المتواضعة في العمل النقابي، وقبله أيضًا أيام الجامعة، أين يكتسب الإنسان خلالها مع مرور الزمن بعضًا من الخبرة ورجحان البصيرة التي تَصْقُلُهَا الآلام والآمال والأيام، فتجعل الرأي أكثر رشدًا والفكر أوسع أُفُقًا قبل الإقدام أو الإحجام، وفي ذلك يقول الشاعر:

الرأي قبل شجاعة الشجعان … هو أول وهي المحل الثاني

وإذا هما اجتمعا لنفس حرة … نالت من العلياء كل منال

وددت أن أستجمع ذلك كله وأسهم ولو بكلمة طيبة لأوضح لإخوتي الطلبة الغيورين على وطنهم الغالي بعض النقاط الحسّاسة المتعلقة بالعمل النضالي، الذي هو من أنبل المقاصد وأشرف الأعمال، لأقول لهم:

إن العبرة في أي أسلوب احتجاجي هو أن يكون مؤثرًا وذكيًا ويصيب المقاتل بدقة ويجمع – في الأسلوب والهدف – بين تحقيق أوفر المغانم بأدنى المغارم، وليست العبرة بأن يكون راديكاليًا وفي اتجاه واحد، لأن الراديكالية في الاحتجاج قد تفقدك الكثير وتكسبك القليل وتضيّع عليك مكتسبات سابقة، كما أن الاحتجاج المائع الفاقدَ للفاعلية والتأثير ليس إلا مضيعةً للجهد والوقت. رسالتي لكل إخواني طلبة الجامعات ذوي النوايا الطيبة في التغيير والإصلاح، احذروا من القواصم التالية:

1- حذار إخواني من تحول الصراع من عمودي – بين المجتمع والعصابة – إلى أفقي بين مختلف أطياف المجتمع وأفراده.

2- حذار من فساد أهل الاحتجاج وتحولهم إلى لغة التخوين والتحريض والاتهام وإيغار الصدور.

3- حذار من غياب البصيرة في التمييز بين المخلصين والمندسين، والحكماء والدهماء.

4- حذار من فقدان الوعي في المعالجة الدقيقة للمعطيات والمتغيرات والتمحيص العميق للأفكار الجيدة والفعالة والدخيلة والقاتلة والخاذلة في أسلوب الاحتجاج أو غاياته.

5- حذار من ضياع الثقة والاحترام المتبادل بين أصحاب القضية الواحدة والنزول إلى حضيض السفاهة والاقصاء، وانعدام الشعور بالمسؤولية.

6- حذار من استبدال أسلوب الحوار بالأفكار والرؤى والاختلاف الودي بالانجراف إلى التقاذف والعنف في اللفظ أو السلوك.

7- حذار من إهانة المفكرين وأهل العلم والعقل وخذلانهم وتسييد الرويبضات والمحبّين للتصدر والشعبويين والغوغائيين اللاعبين على أوتار العواطف ومحترفي ثقافة ما يطلبه المشاهدون.

8- حذار من السير في المجاهيل وعدم التفريق بين النضال الحقيقي والمغامرة والتهور والانتهازية، ولكل مفردة أهلها وضحاياها والمستفيدون منها!

إن النضال ضد مظاهر الفساد ومحاصرة بؤر الرداءة ومدافعة الباطل بالحق هو سنة دائبة في هذه الحياة يضطلع بها المخلصون النبهاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض – سورة الحج – غير أنه لا بد علينا قبل ذلك من الانتظام وراء هدف واضح وموحّد، وطلب أسباب القوة من مَظَانّها (مصادرها) وتحصين الجهود من شتاتها، فتذهب ريحها ورَوَاحُها، فكم من مريد للخير لن يصيبه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، ودغدغة العواطف قد تُغيّبُ نور العقل، وقد قيل: العواطف قواصف، والقواصف نواسف، والنواسف لا تبقي ولا تذر. وقد أمرنا ربنا في القرآن الكريم أن نجمع بين نُبلِ المقصد وحكمة الأسلوب ولا نكتفي بالوصول إلى الغايات النبيلة بأي ذريعة ووسيلة ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن. سورة النحل.

إن أذكى أنواع الاضراب هو الاضراب الفعّال والمؤثر أو الإضراب المتوازن الذي يجعلك تستفيد كثيرًا وتخسر قليلًا وتؤثر أكثر وبقوة، لأنك عندما تجعل الطرف الآخر يشعر بالضغط الفعلي وفي الآن نفسه يراك لا تخسر كثيرًا فهما حجرين توجههما مرة واحدة: الضغط الكبير ولا تعطيه مبررًا مقبولًا لمعاقبتك والانتقام منك مع القبول بتضحية جزئية لا كلية.

ولنا أن نتساءل بعد مرور فترة معتبرة على الإضراب المفتوح بالجامعة؛ أسئلة تقييمية:

هل إضرابنا المفتوح يتوفر على هذه الشروط ويكتسب صفة التأثير في مجرى الأحداث أم لا؟

وهل فعلًا أن الإضراب يعني غياب الحركية النضالية والانكفاء بعيدًا عن الميدان؟

أم يستلزم همة عالية وتجردًا وحضورًا بقوة الفعل وتأثيره؟

هل يصح في الإضراب أن تنوب القلة عن الكثرة في النضال والتضحية؟

ألا يمكن أن توجد صيغ إحتجاجية توفيقية أخرى تجمع بين ضمان الحد اللازم من الدراسة (وهو ما يضمن تواجد الطلبة ميدانيًا) وبين النضال بأساليب متنوعة أكثر تأثيرًا وفاعلية؟

وعليه لا بد من التفريق الجيد والمقارنة بين:

الإضراب كحق قانوني وسلوك نضالي فاعل؛ وبين السلبية والانقطاع عن الدراسة؟

بين الإضراب كوسيلة للاحتجاج الميداني؛ أو كوسيلة للتهرب من الواجب؟

بين: هل الأفضل الإضراب الشامل وتفريغ الجامعة أم الإضراب الجزئي وتصعيد فعاليات الحراك بمختلف الأساليب النضالية الحضارية المرافقة؟

هل الاحتجاج الفعال محصور في الإضراب الشامل فقط؟ أم توجد آليات وبدائل أكثر نجاعة؟

لماذا لا نحول شعاراتنا من المنحى السلبي (تفكير عدمي) إلى المنحى الإيجابي(الفعل المؤثر) مثل:

بدلًا عن أن نقول: «سنة بيضاء أو مستقبل أسود».. نقول مثلًا: «سنة نضال وعمل لنبني المجد والأمل؟».

أو: طالب واع ومثابر = مستقبل متطور وزاهر.. سنة صبر ونضال أو مستقبل بؤسٍ ووبالٍ.

وإزاء كل هذا لنا أن نسأل أنفسنا بكل صدق سؤالًا جوهريًا: هل يمكن اعتبار ترك العلم والدارسة مؤشرا على قوة الوعي؟

إن مراجعة المواقف وتمحيصها ليست علامة ضعف بقدر ما هي سمة رجحان للعقل ورغبة في الاستفادة والتطوير، وفي هذا السياق تحضرني مقولة رائعة للخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه مُوصِيًا إياه بقواعد حُكميّة في السياسة الشرعية: ولا يمنعنك قضاءً قضيته بالأمس، ثم راجعت فيه نفسك، وهُدِيتَ لرشدك أن تعود فيه إلى الحق، فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

ما أجمل ما وصف به البشير الإبراهيمي – رحمه الله – الشباب الجزائري الموعود والموهوب حين قال: أتمثله مِقْدَامًا على العظائم في غير تَهوّرٍ، مِحْجَامًا عن الصغائر في غير جُبْنٍ، مقدرًا موقع الرجل قبل الخَطْوِ، جاعلًا أو الفكر آخر العمل. وقديمًا قيل:

قَدّر لرجلك قبل الخَطْوِ موضعهَا … فَمن علا زلقا عَن غرَّة زَلَجَا

وَلَا يغرنّك صَفْوٌ أَنْت شَاربه … فَرُبمَا كَانَ بالتكدير ممتزجا

فلا بد أن نجعل – وبصفة دورية – فترات لمراجعة وقراءة ردود فعل مختلف الأطراف إزاء احتجاجنا ومعالجة نسب التقدم والاختلالات الموجودة، للتعامل معها وفق الآلية المناسبة وإن تطلب الأمر تغييرًا تكتيكيًا في أساليب الإضراب فلا عيب في ذلك.

وتجنبًا للعدمية والسلبية في الطرح، فإنني أقدم بعض المقترحات القابلة للإثراء لتفعيل الاحتجاج وتنويع أساليبه:

1- ضرورة بلورة الأفكار النضالية للحراك في صور معبرة كتصوير أفلام قصيرة تشاركية تعبر عن المطالب والآفاق المستقبلية برسائل سيميولوجية ورمزية ذات قوة تأثيرية.

2- الاتصال بالإذاعة وإيصال صوت الطالب وإبراز مستوى وعيه بمصير بلده واستشعاره لمسؤوليته التاريخية في التغيير.

3- وضع استراتيجية محددة للعمل النضالي تشمل كل أيام الأسبوع تتضمن وقفات وتجمعات وأعمال أدبية ومقالات وخطب تعبيرية ذات مستوى عال شكلًا ومضمونًا من طلبة متميزين، ومسيرات تلامس الواقع وتطلعات الطلبة خصوصًا والجزائريين عمومًا.

4- انتهاج استراتيجية الإضراب المتحرك يوم أو يومين مختلفين أسبوعيًا لربح الحصص الدراسية وممارسة الضغط وتفويت فرصة العقاب والتواجد أكثر بالجامعة لكل الطلبة.

5- إقامة حلقات نقاشية لتطوير أفكار فعالة بصيغة جماعية ومدارسة كل ما يجري على الساحة سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا على المستوى الداخلي والخارجي والتواصل البناء مع أهل الاختصاص من أساتذة ومفكرين وعقد محاضرات مباشرة أو عبر التحاضر المرئي.

6- ضرورة تأطير الإضراب تنظيميًا من خلال تشكيل لجان متابعة وتقييم انطلاقًا من القاعدة صعودًا للهرم، أي انتخاب ممثلين على مستوى الأقسام والكليات والجامعة (منسقين فرعيين) من الطلبة ذوي الأخلاق الحسنة والرزانة والمقبولية يضطلعون بالإحصاء الدوري يوميًا للمضربين وتقديم النسب الدقيقة للتفريق بين المضربين والممتنعين، وتوحيد الرؤى والأفكار والاتصال الإعلامي مع الطلبة والتنسيق مع الأساتذة لتفعيل الحراك. (التنبيه إلى ضرورة التفريق بين تأطير الإضراب والحراك).

إن مواصلة الإحتجاج وتفعيله بطرق أكثر تأثيرًا لا يتنافى أبدًا مع مواصلة الدراسة، فالجميع والتوفيق عند الإمكان هو أولى، وحينئذ ليس هناك ضرورة للتضحية بالدراسة خصوصًا مع عدم وجود فعل مماثل من أي قطاع آخر، لأن فلسفة الحراك قائمة بالأساس على ضرورة الضغط على القوى غير الدستورية ورموز الفساد ومحاسبتهم وتحميلهم مسؤولية ما وصل إليه البلد، وليس أن يعاقب الشعب نفسه بنفسه ويعطل مصالحه بالعصيان المدني أو الإضراب العام لقطاع الخدمات الذي سيسبب الأذى بين أفراد الشعب ويعطل مصالح المواطن البسيط، ولن يتأثر به المستهدف أساسًا بالحراك الشعبي، وبما أن المسيرات والأساليب التي ابتكرها الشباب في الاحتجاج الحضاري أَوْفَتْ بالغرض وتحققت بها الكثير من المطالب فلا بد من التفكير في تفعيل وتطوير هذا المسار الذي أبهر العالم في العبقرية الحضارية والسلمية للشعب الجزائري.

وأود قبل الختم أن أسجل الملاحظات التالية:

أولًا أُكْبِرُ في كل الطلبة هذه الهبة والموقف العظيم الذي سيشهد له التاريخ بكل افتخار وإعجاب، في وقوفهم مع وطنهم وغيرتهم التي لا توزن إلا بسبائك الذهب، وهي رأس مال يجب استثماره مستقبلًا في بناء وتطوير المجتمع وتحويله إلى وقود حيوي لصناعة الإنجاز الحضاري المأمول، من خلال الإقبال على تحصيل العلم وتحصين العقل بالوعي وتطوير البلد بالإنتاج والإبداع.

ثانيًا أدعو كل إخواني الطلبة إلى مراجعة صيغة الإضراب الحالية لتكون أكثر نجاعة وفاعلية ومتوازنة في الوسيلة من خلال التوفيق بين تحقيق أوفر المغانم بأقل المغارم، وهنا تكمن العبقرية الفذة للطلبة في إيجاد الصيغة الأكثر تأثيرًا والتي تكفل لهم الحفاظ على حقهم في التمدرس وسيرورة كافة الأنشطة العلمية وفي الوقت نفسه إثبات الحضور الفعلي لدور الطالب في الجامعة وجعلها تنبض حراكًا ونضالًا.

ثالثًا إن الجمع بين الدراسة والنضال يساعد على معاينة الثقل الحقيقي لطلبة الجامعة ونسبة استجابتهم وتأثيرهم في مجرى الأحداث، أما الانزواء وترقب الأخبار عن بعد مع إخلاء الجامعة سياسة المقعد الشاغر فلن يكون له سوى المردود السلبي والنتيجة العدمية من طرف واحد، وهو خلل لا بد من تداركه وحسابه بدقة ومن كل الأبعاد وافتراض الاستراتجية المناسبة لتجنبه.

رابعًا إن العبرة في الحكم على مصير الإضراب لا يخضع لقاعدة التصويت لوحدها، بل إن للخبرة والنضال النقابي والمشورة والاستماع لجميع الآراء الخبيرة والمجربة سيعطي للطلبة الكرام بعض المعطيات التي ستساعدهم في صقل ثقافتهم النقابية ومهاراتهم النضالية بما يجعلهم أكثر قوة ووحدة ونضجًا تجاه الأهداف ووسائل الوصول إليها.

يشهد الله أنني أردت أن أقاسمكم شيئًا من التجربة البسيطة وكلي فخر بما ضحيتم لأجله وأملي كبير في وعيكم العميق بإعادة مراجعة المواقف وغربلتها جيدًا، علمًا أن سعيكم لن يكون شَتَّى، بل يظل بحاجة ماسة وعاجلة لعبقرية وحنكة نضالية تجعل منه أكثر تأثيرًا وأجدى نفعًا وأسلم عاقبةً، فَلَئِنْ تأتي متأخرًا خير من أن لا تأتي مطلقًا.

أسأل الله لكم التوفيق وأن يجعلكم منائر للصلاح، مفاتيح للخير، مغاليق للشر وأن لا يجعل الباطل مُلْتَبَسًا علينا فَنَضِلَّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد